|
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 -
الوطن
|
|
نجاح واكيم
|
|
ست وستون سنة من «الإستقلال» ولم يتفق اللبنانيون بعد على كتاب للتاريخ يعلمونه لأولادهم!  يعيش لبنان اليوم في الوقت الضائع بين أزمتين. واحدة انتهت «بالمصالحة» العربية في قمة الكويت في آذار الماضي، التي باركتها آنذاك - بشروط وبحدود - قوى دولية وإقليمية فاعلة. وواحدة لا يعرف أحد بالضبط متى تنفجر وكيف، وماذا تكون تداعياتها على هذا البنيان اللبناني الهش والمتفجر. لعل اللبنانيين اليوم، وبعد مئات التجارب التي عاشوها أو ماتوا فيها، يتعلمون، ولو لمرة من هذه التجارب، فيدركون ولو لمرة واحدة، أنهم يعيشون في الوقت الضائع بين أزمتين، فلا ينامون على حرير «التوافق والوفاق والعيش المشترك» الأزلي الأبدي السرمدي، ولا يستسلمون لخدر «الزجليات» الفارغة التي يملأ ساستهم بها هذا الوقت الضائع. لعلهم هذه المرة - مرة واحدة تكفي - يستجيبون لتحدي الحقيقة، بوعي وشجاعة، فينظرون إلى حقيقة أحوالهم، وإلى حقيقة الصراعات في محيطهم وموقع بلدهم فيها، فيقدمون على ملء الوقت الضائع بما يؤهلهم لتجنيب بلدهم أهوال الأزمة، بل الأزمات القادمة.
أول ما يجب أن يعرفه اللبنانيون ويعترفوا به هو أن لبنان بلد محتل. لا مزارع شبعا وحدها، ولا تلال كفرشوبا، ولا الجزء الشمالي من بلدة الغجر، بل البلد كله...كله محتل. بسلطته، وبمؤسساته الدستورية التي من خلالها تمارس السلطة. كيف جرى انتخاب رئيس الجمهورية، وأين ولماذا؟ لا هذه المرة فقط، بل في كل مرة. كيف جرت الانتخابات النيابية؟ من فرض القانون، وفرض النواب بالأسماء؟ ولماذا كانت زيارة جو بايدن؟ ثم...من المال الانتخابي الذي أغدق وأنفق، إلى شهادة كارتر، إلى التهنئة المتبادلة بانجاز الانتخابات بين الملك السعودي والرئيس السوري...ما معنى هذا كله ولماذا؟
كيف تشكلت الحكومة - حكومة الوحدة الوطنية -؟ لماذا تعقدت، وماذا كانت العقد، وكيف حلَّت؟... هي معادلة (س.س.) قالوا. صحيح. وهذا اعتراف بأن المؤسسات الدستورية تتشكل وتنحل بقرار خارجي. إذاً هو اعتراف بأن البلد محتل. يبقى أن نعرف ما هو أخطر من هذه المعادلة المبسطة وأكثر تعقيداً. أن الـ)س) الأولى ليست سعودية خالصة، بل تختفي وراءها - أو تظهر - مصالح وإرادات وسياسات قوى دولية وإقليمية أخرى، أميركية وإسرائيلية وعربية «معتدلة» معروفة. وكذلك هي الـ(س) الثانية، ليست سورية خالصة، بل تتداخل فيها مصالح وسياسات قوى إقليمية ودولية، تبدأ في إيران وتنتهي... ربما في الصين، والله أعلم. والبلد محتل بوعيه...بوعيه لهويته أولاً، المستند إلى تاريخ من الأساطير والتزوير و«الحقائق» الملتوية والمجزأة أنصافاً وأرباعاً وأثماناً وأعشاراً، ما جعله بلداً متعدد الجنسيات، وشعباً بل «شعوباً» قيد الدرس. ست وستون سنة من «الاستقلال» ولم يتفق اللبنانيون بعد على كتاب للتاريخ يعلمونه لأولادهم. هؤلاء الذين لم يتفقوا بعد - ولن يتفقوا - على قراءة الماضي، والماضي حقائق وقعت، فكيف يتفقون على استقراء المستقبل، والمستقبل حقائق متوقعة؟ «لبنان وطن نهائي لجميع أبنائه». هذا ما جاء في وثيقة «الوفاق الوطني» أي «وثيقة الطائف». ما هذا «التفنيص»؟...فرنسا ليست وطناً نهائياً لأبنائها، وكذلك هي ألمانيا وبريطانيا العظمى وإسبانيا واللوكسمبورغ وإيطاليا وهولندا و...مع أن الساسة في هذه البلدان اتفقوا على قراءة التاريخ ولم يتدخلوا في كتابته. لذلك اتفقوا على رؤية المستقبل من منظور الأمن القومي والتكامل والنمو الاقتصادي وانتزاع موقع ثابت لوطنهم الجديد «أوروبا» في عالم متغير.. هل يضير لبنان أن يعرف حقيقته كما هي لا كما يصورها التعصب ويشوهها الجهل والتجهيل ويزينها النفاق المتبادل بين «أقطاب» هذه الصيغة «الحضارية»، الفريدة في تخلفها وتخلعها وعنصريتها وهمجيتها؟ هل يضير لبنان أن يتعرف إلى حقيقته، جزءاً من وطن عربي، فلا يعود الاختلاف على موقع لبنان في صراعات المنطقة، ولا يعود الاختلاف بالتالي على السياسة الدفاعية وسلاح المقاومة والعلاقة مع سوريا... يثير حروباً أهلية تهدد بنسف البلد وجعله شظايا وأشلاء؟ ولبنان محتل باقتصاده وقوت ابنائه...ما حكاية هذا الدين العام السرطاني التورم، وأي سياسة شيطانية خبيثة كانت وراء أولئك الذين مزجوا سكّر الوعود بسم الدين فابتلعه اللبنانيون فرحين بالسكّر والسم والموت؟ حكاية طويلة يئسنا من تكرارها...وبعد... هل قد وصلنا بهذه «المصالحة العربية»، التي أعادت لنا الوفاق وشكلت لنا المؤسسات الدستورية، إلى بر الأمان؟ لنستفد من هذا الوقت الضائع فنخرج من قوقعاتنا وحفلات الزجل السياسي الجاهلية المكررة الممجوجة، ونتطلع إلى هذا العالم ابتداءً بهذه المنطقة التي فيها نعيش، ونرى... في السودان حرب أهلية، بل حروب، ظاهرة وكامنة تنذر بتجزئة هذا البلد العربي الكبير إلى بلدان...أربعة على الأقل، والمخفي أعظم. ظاهر هذه الحروب عصبيات عرقية وقبلية وجهوية، أما خلفياتها فاستراتيجيات قوى إقليمية ودولية، وبالتحديد إسرائيلية وأميركية، تستهدف - أول ما تستهدف - مصر ودورها الغائب وأمنها القومي المفقود. ومصر اليوم في حالة غيبوبة وانعدام وزن، لا هم لرئيسها وبطانته سوى توريث جمال. في اليمن حرب أهلية، بل حروب، هي أيضاً ظاهرة وكامنة، تنذر بتقسيم هذا البلد العربي، لا إلى شمال وجنوب وحسب بل إلى ما هو أكثر وأخطر. هي أيضاً في ظاهرها حروب قبلية وعشائرية وجهوية غير أنها في بعض خلفياتها وأهدافها صراع دولي وإقليمي للسيطرة على موقع استراتيجي هو باب المندب؟...هل ندرك اليوم لماذا ذهب عبد الناصر قبل نصف قرن إلى اليمن؟ وهل ندرك أنه كان يقاتل آنذاك أميركا وإسرائيل - والباقي تفاصيل وأدوات - من أجل هذا الموقع المهم لمصر وللأمة العربية؟ وفي العراق... هل نتحدث عن العراق؟...عن الغزو والاحتلال والصراعات الطائفية التي تفجرت، وعن حروبه الأهلية ومستقبله المجهول؟... وفلسطين وأفغانستان، وإيران بملفها النووي ومحافظيها وإصلاحييها، وما يختمر فيها ويتفاعل...وغيرها وغيرها... في قلب هذه المنطقة المتفجرة يقع لبنان...هذا اللبنان، بعصبياته وضياعه، برجالاته «المنغوليان» وسياساته الزجلية المرتجلة. فكيف له أن يستقر؟... ثم... لنلق نظرة خاطفة إلى ما بعد هذه المنطقة، إلى العالم وحركته اليوم، وإلى التاريخ، وإلى المستقبل. ولأننا في لبنان، حيث تطغى الخرافات على التاريخ، وتطغى الأوهام على الواقع، والتعاويذ «والحجابات» السياسية على العقل، علينا أن نذكّر بالبديهيات: أن نظاماً دولياً قام بعد حربين عالميتين، بتوازناته وقواعد عمله وقوانين العلاقات الدولية فيه، قد انقضى. وأن العالم اليوم يمر بمرحلة انتقالية بين نظام دولي انهار ونظام دولي لم يتشكل بعد. وفي هذه المرحلة تسقط موازين القوى، أو بالأحرى يعاد اختبارها، عبر صراعات متشابكة بين القوى الطامحة لاحتلال مواقع تصبو إليها في عالم الغد، أي في النظام الدولي العتيد. وأخطر ما في هذه الصراعات أنها منفلتة من كل القواعد والقوانين الدولية السابقة. ومنفلتة أيضاً من رقابة المؤسسات المشلولة التي أنشأها النظام الدولي القديم (مجلس الأمن والجمعية العمومية للأمم المتحدة وغيرها...) ولا تحكمها سوى موازين القوة المتحركة والمتغيرة التي يعاد اختبارها. أن الأنظمة الإقليمية الرديفة التي أُنشئت حول النظام الدولي في المركز وبالتبعية له، ومن بينها نظام «الشرق الأوسط»، والكيانات التي قامت أو أُقيمت في هذه الأنظمة الرديفة – ومن بينها بالطبع الكيانات العربية - كلها تجد نفسها، بعد انهيار الأساسات التي قامت عليها، معلقة في الفراغ، تتقاذفها العواصف وتتناثرها الرياح. هل يكفي هذا لتفسير ما يتهدد السودان واليمن والعراق وفلسطين - ما تبقى من فلسطين - ولبنان، المستند إلى تاريخ عمره لا أكثر من تسعين سنة وليس ستة آلاف كما تقول «الزجليات»، وما يتهدد الكيانات العربية كلها من حروب أهلية وتفتت وضياع؟ لا هذا لا يكفي. ثمة أمر آخر مهم وخطير. إن البلدان العربية عامة، وما السودان واليمن والعراق وفلسطين ولبنان سوى نماذج ظاهرة لما هو مستتر في غيرها، تعيش حالة ضياع وانعدام وزن في هذا المناخ العالمي العاصف. ليس لديها رؤية وطنية - ولو قطرية - ولا سياسة دولة إزاء ما يجري في العالم من صراعات وتقلبات، لأنه بالأصل ليس لديها مؤسسة «الدولة»، فتطل فيها «سياسات» العصبيات المادون وطنية (الإثنية والعرقية والطائفية والجهوية) التي هي في الحقيقة مجموعة رهانات وارتهانات. وإذ تتعدد الرهانات وتتوزع الارتهانات تتصارع العصبيات الصغيرة في «لعبة» كبيرة، وتصير كياناتنا، الأجزاء في وطن عربي مجزأ، على حافة تشظٍ جديد وضياع كامل. .... .... لنعد إلى لبنان، المستقر - الآن - على معادلة خارجية، أطرافها ذاتهم غير مستقرين، والمعادلة ذاتها غير مستقرة. فماذا بعد هذا الوقت الضائع؟ تحفظات «مسيحيي 14 آذار» على البيان الوزاري المتناقض وتصريحات فيلتمان وسيسون و»ربعهما» المحلي عن القرار 1559. وطعن أمين الجميل بالبند السادس من البيان الوزاري. على فكرة هل استمعتم إلى كبير العائلة الجميلية في «شهادته على العصر» يتباهى بالعلاقة مع إسرائيل؟ كل هذا ما هو إلا ربط نزاع لـ«مستقبل» غير بعيد. ما العمل؟... إلى حديث آخر نمهد له بتذكير كل من يعنيهم الأمر بأنه لا يمكن أن تقوم الدولة، بالمعنى الحقيقي للدولة، لا بما هو قائم في لبنان وبلاد العرب، على جزء من الوطن. في ألمانيا الغربية قامت دولة. في ألمانيا الشرقية قامت دولة. في كوريا الجنوبية هناك دولة، وكذلك في كوريا الشمالية، وفي وفي... وفي لبنان يمكن أن تقوم دولة، ولكن ليس على هذه الأساسات المسوسة والمنخورة، ولا بحسب القواعد التي تقوم عليها الشركات المتعددة الجنسية، التي تندرج اسهمها في خانات الطوائف. |