|
أبو أحمد فؤاد للرأي الآخر: حالنا وحال الأمة من سيّء إلى أسوأ |
|
|
|
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 -
الوطن
|
|
الرأي الاخر
|
|
في وسط إقليم واسع متفجّر أو مضطرب. من السودان إلى اليمن ومن باكستان وأفغانستان إلى العراق، في قلب هذا الإقليم الشاسع الملتهب نقيم القضية الفلسطينية بتشعباتها وتعقيداتها التي تكاد تبدو مستعصية على الحل. فمن الخلافات الداخلية بين الأخوة التي بلغت حد التقاتل وسفك دماء الفلسطينيين على يد أخوة لهم، إلى حالة الانشقاق والتناحر بين الفصائل، حتى تلك التي كانت تنتمي إلى جبهة واحدة جامعة - منظمة التحرير الفلسطينية - والتي لم يبق منها سوى الاسم فقد صارت نسياً منسياً وذكرى من الماضي مشرقة إلى الواقع العربي المزري والمؤلم حيث التفكك والتناحر سيدا الموقف، فلا عمل عربي مشترك ولا موقف عربي موحد أو تقارب حتى حول أبسط قضايا الأمة، بل على العكس من ذلك بلغت الوقاحة ببعض الأنظمة الرسمية العربية حد الإعلان والمجاهرة بتعاملها وصداقتها مع إسرائيل، وطبعاً في ظل الوصاية الأميركية المهيمنة على مفاصل تلك الأنظمة الحيوية والمحتضنة لها. وقد بلغ بعض تلك الأنظمة إلى حدود المساهمة في حصار غزة بجدار عازل أو بدون جدار... أما الجامعة العربية فحدث ولا حرج، هي - كمنظمة التحرير - لم تعد تجمع أحداً إلى أحد. إنها يافطة فارغة من كل مضمون تتلاعب بها رياح إقليمية حيناً ودولية أحياناً. كم هو مرير هذا الواقع العربي، فالذين كان يفترض أن يحملوا القضية في قلوبهم وعقولهم ويعملوا من أجلها بكل قواهم تخلوا عنها، بل وباعوها وهم يقيمون سعداء بعارهم. أما الواقع الدولي، وهنا بيت الداء الذي كان يفترض أن يكون مصدر الدواء، فتعسف وانحياز، وظلم وابتزاز، أو إهمال ونكران، وتجاهل ونسيان. وعلى قمة هذا الواقع الدولي تتربع القوة العظمى (أميركا) التي رغم إغداق الوعود من رئيسها الجديد (أوباما) بحلول موعودة وآمال منشودة، فلا الوعود تحققت ولا الآمال ظهرت. وبقي الحال علي ما هو عليه بل وعلى حد تعبير ضيفنا وصديقنا عضو المكتب السياسي في الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين «أبو أحمد فؤاد» الذي عبر عن ذلك أفضل تعبير حين قال: «حال الأمة وحالنا من سيء إلى أسوأ» «الرأي الآخر» حاورت السيد أبو أحمد فؤاد حول واقع «القضية الفلسطينية» فلسطيناً وعربياً ودولياً.  الرأي الآخر: كيف تقيم الوضع الحالي العربي والفلسطيني؟ أبو أحمد فؤاد: إن واقع الحال ومجريات الأمور تسير من سيء إلى أسوأ على أكثر من صعيد. فالانقسام الفلسطيني والتباين في المواقف بين أطراف الخلاف (الصراع) ما زال على حاله، بل أخذ أشكالاً جديدة من المناورة، فقد راكم طرفا النزاع مع الزمن خبرة في المماحكة والمناكفة في المفاوضات إلى جانب القدرة على التملص من الالتزام بما سبق الاتفاق عليه، وراح كل طرف يحمل الطرف الآخر مسؤولية فشل الحوار وإنهاء الانقسام. جرى ويجري ذلك في ظل صمت شعبي مؤسف ينبغي له أن يخرج منه ليضع الأمور في نصابها وبسرعة لا أن ينتظر ويبدي أسفاً وحزناً على ما يجري وكأنه ليس صاحب المصلحة الحقيقية أو المعني الأول بما ينطوي عليه الحال سلباً وإيجاباً. وهذا ينطبق أيضاً على الفصائل الأخرى في الساحة الفلسطينية. كما أن الأنظمة العربية في مجملها لا تحرك ساكناً ولا تبدي حراكاً في اتجاه وضع ثقلها وبإخلاص وتفان لحل عقدة النزاع ورفع الظلم والحيف عن الشعب والقضية. وإن فعلت فلا يتعدى القول والتمني على الأخوة بأن يجدوا حلاً لقضيتهم، على قاعدة أنهم لن يكونوا ملكيين أكثر من الملك، فما دام الفلسطينيون وهم أصحاب القضية - وفق قولهم - لا يتحسسون صعوبة وخطورة حال قضيتهم فلن يكونوا هم أكثر منهم تحسساً!! ونزيد في القول بأن الأنظمة العربية على عمومها مشغولة بهمومها القطرية وقضاياها منذ زمن فقد أضحت قضية فلسطين وشعب فلسطين للكثير منهم ثقلاً يريدون التخلص منه بأي ثمن. نقول ذلك وليس في ذهننا إزاحة المسؤولية وبنسبة كبيرة عن مكونات الفعل الفلسطيني ذلك أننا نؤمن أن فصائل العمل الوطني الفلسطيني هي الأساس في المواجهة والحراك، ولكننا أيضاً لن نؤمن بعزل القضية عن محيطها العربي وتأثرها به سلباً وإيجاباً. لذا كان لزاماً على الأمة أن تمارس دورها القومي بإيجابية وأن ترتفع إلى مستوى عال من المسؤولية من القضية لا أن تتفرج عليها حيناً وتمارس من الأفعال ما يطمسها ويحقرها أحياناً أخرى. لقد عشنا وعاشت معنا الأمة من المحيط إلى الخليج وعلى مدى عقود من الزمن على شعارات وأقوال للنظام الرسمي العربي جعلت من فلسطين قضية العرب المركزية ومثار اهتمامهم، حتى بتنا على قناعة بأن الحال كذلك، وإذ بنا نرى تحللها من كل ما قيل وما أعلن، ولم نلمس إلا التضييق والتقتير على الفلسطيني في حركته ومعاشه والتعامل معه كما لو كان من عالم آخر لا يمت بصلة للأمة.
الرأي الآخر: ماذا عن الوضع الدولي تجاه القضية الفلسطينية؟ أبو أحمد: في ظل هكذا مشهد من القتامة عملت دوائر الإمبريالية والهيمنة ممثلة بأميركا وحليفها الكيان الصهيوني على الاستفادة من واقع الحال بفرض المزيد من الضغوط وممارسة القول ومعسوله أكثر من الفعل المثمر الملموس على أرض الواقع. فأميركا مع تعاقب كل إداراتها لم تقدم على حل القضية كما ينبغي ووفق شروط الشرعية الدولية بل كانت وما تزال تدير الصراع بأشكال وأنماط قديمة جديدة، أي إن رؤيتها لا تتعدى بحال فن إدارة الصراع لا حله. لذا طالعنا بوش بحل الدولتين مؤكداً الرغبة الإسرائيلية الصهيونية بأن يكون الاعتراف بيهودية إسرائيل وأمن إسرائيل، وها هو الرئيس أوباما لم يغادر في أقواله ورؤاه ما تطرحه إسرائيل من يهودية الدولة وهم بالجملة لا يرون إلا أمن إسرائيل وقوة إسرائيل وديمقراطية إسرائيل، في حين أن شكل الدولة الفلسطينية وسيادتها وكينونتها في طي الغيب وليس هناك من يرسم شكلها أو يطرح تصوراً حقيقياً لها. الغريب العجيب أن أميركا وإسرائيل لا تخفيان ما تؤمنان به أو ما تودان رؤيته حقيقة على الأرض، فالاستيطان تتم معالجته من خلال الطلب بعدم التوسع فيه لا إنكاره جملة وتفصيلاً كونه يخالف قوانين الشرعية الدولية، وقرارات مجلس الأمن بخصوص الأرض وحدود الـ67 غير مقدسة ويمكن التفاوض عليها، كذلك جدار الفصل العنصري - وموقف الولايات المتحدة من تقرير غولدستون، نقول وبصورة أوضح إن الرؤية الأميركية لحل الصراع لا تتفق بحال مع القوانين الدولية وقرارات الأمم المتحدة، ومن يسمع وزيرة الخارجية الأميركية وهي تطالب العرب بأن يقدموا على أعمال ملموسة تشي برغبتهم في السلام مع إسرائيل، يدرك أن ذلك يعني أن على العرب أن يقدموا على الاعتراف بإسرائيل وأن يقيموا سفارات ويطبعوا بشكل نهائي قبل أية حلول، وكأنهم يقولون إن الحلول تأتي لاحقاً.
الرأي الآخر: كيف ترون آفاق المصالحة الفلسطينية الفلسطينية؟ أبو أحمد: لا أرى في الأفق القريب إمكانية الوصول إلى مصالحة حقيقية في الساحة الفلسطينية، لأن العقبات تزداد يوماً بعد يوم، والراعي المصري لم يعط الاهتمام الكافي في هذه الفترة لهذا الموضوع. ويلاحظ أن الاهتمام الأكبر هو موضوع الأسير شاليط والجدار الفولاذي. لا زلنا نرى أن النقاط التالية ممكن أن تكون أساساً صالحاً لحل الخلافات، والوصول إلى المصالحة: 1 - استئناف الحوار الوطني الشامل، ومعالجة النقاط العالقة بالنسبة للورقة المصرية. 2 - تشكيل حكومة وفاق وطني مؤقتة بدون برنامج سياسي. 3 - وقف المفاوضات العبثية والضارة مع العدو، وكذلك التنسيق الأمني خاصة بعد ما وصلت إليه قيادة السلطة من استنتاجات خلاصتها أن طريق التسوية مسدود، وأن العدو ماض في مخططاته الإجرامية بدعم من الإدارة الأميركية. 4 - إحياء اتفاق (2005) الذي تضمن إعادة بناء منظمة التحرير الفلسطينية على أسس ديمقراطية على أساس الانتخابات وليس التعيين، خاصة المجلس الوطني الفلسطيني، أي البرلمان الفلسطيني، لينتخب من قبل كل شعبنا داخل الوطن وفي بلدان الشتات، ليصبح ممثلاً فعلياً لكل شعبنا. 5 - التمسك بالمقاومة المسلحة ضد العدو الصهيوني، وكافة أشكال المقاومة الأخرى. 6 - اعتماد وثيقة الوفاق الوطني (وثيقة الأسرى)، كبرنامج الحد الأدنى لكل فصائل المقاومة، ولمنظمة التحرير الفلسطينية. إن خيار استعادة الوحدة الوطنية هو خيار كل شعبنا، وعلى كل الفصائل أن تأخذ بهذا الخيار حتى نهاياته، وفي كل تجارب الشعوب وحركات التحرر وقعت خلافات وحروب ومشاكل استفاد منها العدو وتراجع نتيجة لذلك فعل المقاومة، وبعد أن وحدت القوى جهودها وإمكاناتها بالرغم من الخلافات الأيديولوجية أو الفئوية أو المصلحية حقق الشعب أهدافه.
الرأي الآخر: ما هو رأيكم في الموضوع المطروح الآن، إقامة جدار فولاذي (مصري) على حدود قطاع غزة؟ أبو أحمد: هذا الشعب المقاوم لا يستحق أن يعامل بهذه المعاملة، فبدل أن يفتح معبر رفح باستمرار لدخول كل متطلبات الحياة لشعبنا في غزة باعتباره معبراً خاضعاً للسيادة المصرية الفلسطينية - يفكرون بمزيد من الضغوط والخنق والحصار. بالتالي عندما يتحدث البعض عن السيادة المصرية التي نحترمها من حقنا أن نتحدث عن السيادة الفلسطينية. هل القيادة المصرية تعترف لنا بسيادة على أرضنا وحدودنا أم لا!؟... إقامة هذا الجدار سيؤدي إلى غضب عند الشعب الفلسطيني كله وليس في غزة فقط. لأن المتضرر منه هو الشعب وليس هذا الفصيل أو ذاك، ما ذنب مليون ونصف مليون إنسان ليعاقبوا بدون سبب!؟ كل ذنبهم أنهم صمدوا في أرضهم ودافعوا عن أنفسهم في مواجهة الجرائم الصهيونية. الشعب الفلسطيني وفصائله الوطنية والإسلامية حريصون على الأمن القومي المصري. نذكّر بأن غزة كانت تحت السيادة المصرية، وتحت الإدارة المصرية عندما احتلت من قبل العدو. وشعبنا يحمل كل المودة والوفاء للشعب المصري الشقيق. نطالب الرئيس حسني مبارك والقيادة المصرية بعدم إقامة هذا الجدار واللجوء إلى بحث نقاط الخلاف مع الفصائل والقيادة الفلسطينية. كما نطالبهم بفتح الحدود وفتح معبر رفح باستمرار لإدخال كل متطلبات شعبنا الحياتية، بدون قيد أو شرط. باستثناء الأصول (الجمركية كما هي على الحدود المصرية الأخرى). لم يكن الشعب الفلسطيني بشكل عام وفي غزة بشكل خاص مهدداً للأمن القومي المصري بل بالعكس تماماً كان ولا زال حريصاً على أمن مصر، وحريصاً على إقامة أفضل العلاقات وأمتنها مع الشعب المصري الشقيق. إنني أرى أنه لا مبرر على الإطلاق لإقامة هذا الجدار. وإذا كان المبرر هو وجود الأنفاق فليفتحوا معبر رفح باستمرار ولكل متطلبات شعبنا فلن تكون حينها من حاجة للأنفاق، وستزول في حال فتح المعبر ليس للأفراد فقط بل لكل شيء. ثم ما الذي يضر مصر أن يكون شعبنا قادراً على مقاومة الاحتلال بكافة الوسائل، وفي مقدمتها العمل العسكري، وهذا يتطلب توفر مستلزماته. إن غزة تعتبر بمثابة خط الدفاع الأول عن مصر. لأن العدو يستهدف مصر وأمن مصر وقيادة مصر للأمة العربية.
|