|
هل نشهد في العام الجديد ثورة اجتماعية عالمية؟ أي تطورات اقتصادية واجتماعية تنتظر لبنان في العام الجديد 2010؟ الكثير سيعتمد على ما سيجري في العالم، بسبب الارتباط المكين بين الأوضاع المحلية اللبنانية وبين التطورات الدولية والإقليمية. وهذا ما يجعلنا نتوقف قليلاً أمام الأحداث المنتظرة في العالم.  في منتصف شهر شباط/فبراير من العام المنصرم، أدلى الأميرال دنيس بلير، مدير وكالة الاستخبارات الوطنية الأميركية، بشهادة أمام مجلس الشيوخ أثارت القشعريرة في الأبدان. قال بلير إن الأزمة الاقتصادية العالمية «أصبحت التهديد الأول للأمن العالمي»، وإن اضطرابات اجتماعية ولااستقرار سياسي قد ينشبان في العديد من الدول والمناطق الاستراتيجية في العالم . بعدها بأشهر، كان الخبراء الأمنيون الأميركيون والغربيون يقولون إن التحدي الاستراتيجي الذي تفرضه الأزمة الاقتصادية يكمن في الاقتصاد نفسه. فعملية التعافي الاقتصادي لن تترافق مع تحسّن صحة الأوضاع الاجتماعية في كل الدول تقريباً، على الأقل خلال العام 2010. لا بل سيكون العكس صحيحاً، حيث يُتوقع ارتفاع أرقام البطالة بنحو 50 مليوناً، فيما لن يتقاضى نحو 200 مليون عامل أكثر من دولار أو دولارين في اليوم.
وبالطبع، البطالة المرتفعة ستعني حتماً أخطاراً مرتفعة. وثمة عامل آخر ستفرزه الأزمة، هو استئناف الرقصة المجنونة للقوميات المتطرفة (خاصة في الدول الأوروبية) والحركات الطائفية والإثنية المتعصبة، والمنظمات الإرهابية، على إيقاع الأزمات الاجتماعية - المعيشية.
هل من ثورة اجتماعية عالمية؟
أي الدول ستكون الأكثر ترشيحاً لهذه الاضطرابات في 2010؟ الأمر سيحتاج إلى خريطة للعالم وإلى دبابيس حمراء (العديد من الدبابيس الحمراء في الواقع) لتحديد مناطق الاضطرابات المحتملة، والتي قد تكون كالتالي: - دول أوروبا الشرقية وبلدان البلطيق وروسيا التي دفعت أفدح أثمان الانهيار الاقتصادي الغربي في عامي 2008 و2009، في وقت كانت اقتصاداتها ومؤسساتها الرأسمالية الجديدة لا تزال هشّة. - دول أورويا الغربية التي شهدت في العام المنصرم مظاهرات عمالية كاسحة، خاصة في فرنسا وإيطاليا واليونان، احتجاجاً على ارتفاع وتائر البطالة وعلى الخطط لتقليص دور دولة الرفاه الاجتماعي فيها. - بعض الدول الآسيوية، بمن فيها حتى الصين، على رغم أن الأداء الاقتصادي للتنانين والنمور الآسيوية سيواصل تقدمه. لكن الاقتصاد شيء والأوضاع المعيشية شيء آخر في طبائع الفلسفة الرأسمالية. - ثم هناك بالطبع دول العالم الثالث، من سانتا كروز في بوليفيا إلى القاهرة في الشرق الأوسط العربي، مروراً بالطبع بإفريقيا المنكوبة بالفقر والأمراض والأنظمة السياسية الفاسدة. - لا بل لم يستبعد الأميرال بلير نشوب اضطرابات اجتماعية في الولايات المتحدة نفسها. ويُقال هنا (وفق المحلل اليساري مايكل كلير) إن البنتاغون أعدّ خطط طواريء أمنية للسيطرة على البلاد في حال أفلت الزمام من يد القيادة السياسية. هل يعني ذلك أننا قد نشهد في العام الجديد ثورة اجتماعية عالمية؟ كلا.
هل يصاب لبنان بالعدوى؟
فالأرجح هو نشوب اضطرابات يكون في مقدور الدول السيطرة عليها خلال أيام أو أسابيع، إلا إذا ما كانت هذه الدول «فاشلة» وعاجزة عن فرض وجودها كما الصومال أو اليمن. أما لماذا الثورة مستبعدة، فلأن معظم الطبقات الوسطى في العالم (عدا ربما في إيران) التي كانت طيلة التاريخ هي المخطط والمنظم للثورات، لا تريدها هذه الأيام وتُفضّل عليها الصفقات مع الدولة. وهذا سيترك الفئات الفقيرة كي تشن هي حملات الاحتجاج الجماهيري التي قد تصل إلى مرحلة العنف لكن لا إلى عتبة الثورة. وهذا ما حدث بالفعل في اضطرابات الخبز في مصر وهاييتي والجزائر وبوليفيا وبلغاريا وغيرها. نعود الآن إلى لبنان لنقول إن ثمة احتمالاً قوياً بأن تتمدد هذه الاضطرابات إلى لبنان، من ناحية بسبب العدوى وحب اللبنانيين الشهير لركوب موجة الموضات العالمية، ومن ناحية أخرى لأن تفاقم الدين العام قد يسفر في نهاية المطاف عن عجز الدولة (العاجزة أصلاً) عن تلبية المطالب الدنيا للفقراء والطبقة الوسطى، من طبابة وسلع مدعومة وتسهيلات تعليمية. هذه الاضطرابات قد تنشب، رغم ان أداء الاقتصاد اللبناني نفسه سيكون جيداَ في 2010. (لكن هذه «الجودة» لن تطال القطاعات المفقرة من السكان بسبب كونها خدماتية لا انتاجية، كما سنرى بعد قليل(. ويقول الخبراء الاقتصاديون إنه منذ حزيران/يونيو 2009، كانت كل المؤشرات تظهر تحسناً كبيراً على المستوى الإقتصادي في لبنان، إن لجهة الحركة السياحية التي سترتفع هذه السنة أكثر من 40 في المئة لتصل إلى نحو مليون و800 ألف سائح، أم لجهة الحركة الإستثمارية التي تلحظ في الوقت الراهن بعض الطلب على القطاع العقاري من قبل اللبنانيين وبعض الخليجيين، لاسيما في منطقة وسط بيروت«سوليدير»، كما أن الأجوا? الإيجابية تؤدي إلى ارتفاع حجم الإستهلاك المحلي. لذا من المتوقع أن يتجاوز النمو نسبة 6 في المئة هذا العام. ويضيفون إن الحركة الاقتصادية ستكون ناشطة بامتياز خلال سنة 2010، حيث سيكون النمو قوياً جداً، كما إن تحسن وضعية الإقتصاد العالمي سيساعد في تحقيق ذلك، حيث من المتوقع خروج الولايات المتحدة الأميركية من الركود وكذلك الدول الأوروبية الكبرى كالمانيا وفرنسا، إضافة إلى تحسن ملموس في النمو الإقتصادي الصيني». ويوضحون أن المعطيات العالمية في العام 2010 ستساعد الحكومة على تحقيق مؤشرات إقتصادية ومالية إيجابية جداً، لاسيما على صعيد نمو القطاع المصرفي وتعزيز الإستقرار النقدي وزيادة موجودات مصرف لبنان من العملات الأجنبية التي ستتجاوز الـ 26 مليار دولار لتصل إلى 27 ملياراً ونصف المليار دولار. وأكدوا أن احتياط مصرف لبنان من العملات سيستمر في التحسن، نظراً إلى التدفقات المالية من الخارج نتيجة تحويلات اللبنانيين المتواجدين في بلاد الإنتشار من جهة، ونتيجة النمو الملحوظ في القطاع المصرفي اللبناني الذي من المتوقع أن يتجاوز هذه السنة نسبة 17 في المئة، إضافة إلى استمرار التحاويل من الدولار الأميركي إلى الليرة اللبنانية، ما يؤدي إلى انخفاض نسبة الدولرة في القطاع المصرفي في المرحلة المقبلة. الصورة الاقتصادية العامة، إذاً، تبدو واعدة في 2010. لكن هذا (كما قلنا) قد لا ينعكس إيجاباً بالضرورة على الصورة الاجتماعية. وهذا، مرة أخرى، لأن نظام الخدمات لا يطال بعطاياه قسماً كبيراً من الطبقات الفقيرة أو المعدمة. وهذا على عكس الاقتصاد الانتاجي.
دروس التجربة اليابانية
أو هذا، على أي حال، ما تثبته تجربة النمور الآسيوية التي تُقدّم دروسا غنية حول طبيعة الإصلاح الاقتصادي وحول تداخل دينامية التجديد والإبداع مع البنى التقليدية. وهي دروس نادراً ما تقارب في لبنان.  ارتكزت هذه التجربة على الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص ونصف الخاص، وكان هدفها تحقيق انطلاقة سريعة في الفروع التكنولوجية من القطاعات والأقسام الآيلة إلى نشوء صناعات جديدة قابلة للتصدير والمنافسة في الأسواق العالمية. وقد استوحت هذه التجربة النموذج الياباني الذي بدأ بإنجاز محو أمية سريعة في الأرياف وقام بدمج المنشآت العائلية الصغيرة في مسار الاقتصاد الجديد الذي تقوده التروستات الصناعية الكبرى، وذلك عبر إنشاء شبكة من النشاطات الإنتاجية مع المنشآت الصغيرة، من جهة، وعبر تعميم التكنولوجيا الصناعية، من جهة أخرى. لقد ربطت التروستات الصناعية الآسيوية المنشآت الصغيرة بعجلة الإنتاج، وقدّمت لها تقنيات المعرفة والأدوات التكنولوجية وفي أحيان كثيرة المال وديمومة العمل. بيد أن الاقتصاد اللبناني مازال بعيداً جداً عن هذه المقاربة الإقتصادية، إذ لم ينشأ فيه قطاع خاص بهذا الطموح. كما إن لبنان مع الإتحاد الأوروبي، الذي أقام معه شراكة تجارية، لا يأخذ بعين الإعتبار ضرورة تحريك الطاقات الإقتصادية التي تفترض سياسية إقتصادية أخرى. وهي سياسة ينبغي أن تتوفر لها إرادة الخروج من الجمود الإقتصادي وإيجاد آليات لبناء دينامية في هذه البنى الإقتصادية المفتتة التي تسيطر على إقتصاديات لبنان. النمور الآسيوية الآن باتت عنصراً رئيساً في الاقتصاد العالمي، وعما قريب جداً سينتقل مركز الثقل الاقتصادي (والتاريخي) من حوض الأطلسي إلى حوض الباسيفيك بفضل هذه القفزة الانتاجية الآسيوية. وقد كان الباحث ستيفن هامفريز محقاً ودقيقاً حين ربط ربطاً محكماً بين استقرار النظام اللبناني وبين البحبوحة الاقتصادية. والآن، ومع تجارب دبي وسويسرا والنمور الآسيوية، يفترض أن يأخذ لبنان بضرورة شق نهج جديد انتاجي، تكنولوجي، علمي، متطور. فهل يفعل؟ |