|
دول مجلس التعاون الخليجي: الاصلاحات الاقتصادية تراوح مكانها |
|
|
|
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 -
الملف الاقتصادي
|
|
غسان الأمين
|
|
هل تستطيع أسعار النفط المرتفعة توفير الحلول لكل المشكلات؟ أدى ارتفاع معدلات أسعار النفط بين العام 2002 وخريف العام 2008 إلى تعزيز المؤشرات الاقتصادية الكلية في بلدان مجلس التعاون الخليجي الست، البحرين والكويت وعُمان وقطر والسعودية والإمارات العربية المتحدة. فقد وصل متوسط النمو الحقيقي للناتج المحلي الإجمالي إلى 8 في المئة سنوياً في الفترة بين عامي 2002 و2007، حيث كان أداء احتياطيات العملة الأجنبية والاستثمارات والميزانيات، قوياً على حد سواء.
نتيجة لذلك، نما متوسط نصيب الفرد في الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تصل إلى حوالي 32 في المئة في الفترة بين 2002 و2007. ووفقاً لتقديرات صندوق النقد الدولي، ارتفع متوسط نصيب الفرد في الدخل، مُقاساً بتعادل القوة الشرائية (PPP) من 12000 دولار في العام 2002 إلى ما يزيد عن 20000 دولار في العام 2007. ومع ذلك، فقد كان متوسط نصيب الفرد في الدخل يُخفي تباينات كبيرة بين بلدان مجلس التعاون الخليجي، يتراوح بين 16000 دولار في السعودية، الدولة الأكثر سكاناً في الخليج، و36000 دولار في قطر، وهو معدل يفوق متوسط نصيب الفرد في منطقة اليورو والذي يصل إلى نحو 33000 دولار.
تتميّز اقتصادات بلدان مجلس التعاون الخليجي بقواسم مشتركة عدة: الاعتماد الكبير على النفط، وهيمنة القطاع العام في ظل وجود فائض مالي كبير، وقوة عمل وطنية شابة سريعة النمو، والاعتماد المفرط على العمالة الوافدة. كما تواجه بلدان مجلس التعاون الخليجي الحاجة إلى معالجة تحديات مشتركة: تنويع اقتصاداتها ومعالجة ضعف الإنتاجية وإخفاقات سوق العمل، وتطوير القطاع الخاص غير النفطي، وتطوير قدرات المؤسسات الإدارية ومؤسسات القطاع العام. وعلى مدى سنوات، ناقشت بلدان مجلس التعاون الخليجي مسألة الحاجة إلى تبنّي عمل جماعي لمواجهة هذه التحديات. وفي كانون الثاني/ يناير 2008، أطلقت بلدان المجلس سوقاً مشتركة تهدف إلى توسيع التبادل الاقتصادي وتعميقه بما يتجاوز حركة السلع والخدمات لتوفير سهولة انتقال كل من رؤوس الأموال والعمالة. ولم يتضح إلى الآن نوع الترتيبات المؤسسية التي سيتم تطويرها لتطبيق الاتفاقيات في ذلك الاتجاه في صورة فعالة. تواجه بلدان مجلس التعاون الخليجي تحديات مشتركة لكن بدرجات متفاوتة. وهنا لا ينبغي التقليل من شأن التباينات الموجودة بينها على صعيد الثروات الطبيعية والسياسة الاقتصادية. إذ تواجه البلدان ذات الموارد المحدودة نسبياً من النفط والغاز، على غرار البحرين وعُمان صعوبة متزايدة في الحفاظ على المعدلات السابقة للإنفاق العام. ومن جانب آخر، تواجه المملكة العربية السعودية، على الرغم من إنتاجها النفطي الضخم، مشكلة هيكلية مختلفة تتعلق بركود معدلات نصيب المواطن في الإنتاج النفطي، وهي مشكلة تفاقمها الزيادة السريعة في عدد السكان. وفي ظل معدل بطالة قُدِّر بنسبة 15 في المئة في العام 2005، تواجه السعودية ضغطاً ملحاً لإصلاح نموذجها الاقتصادي والاجتماعي الحالي. أما الإمارات العربية المتحدة وقطر، واللتان يبلغ معدل البطالة فيهما 3 في المئة فقط فيما يبلغ نصيب المواطن في الإنتاج النفطي ستة أمثاله في السعودية تقريباً، فيمكنهما المضي قدماً في الإنفاق. وعلاوة على ذلك، تُعاني بعض البلدان على غرار السعودية والإمارات من تفاوت بين المناطق المختلفة داخلها، وهو ماأرغمها على محاولة تطبيق برامج تصحيح في مجال الدعم الاجتماعي والإنفاق. خلال حقبة ارتفاع أسعار النفط، طرح تراكم الثروة سؤالاً حتمياً: هل تستطيع أسعار النفط المرتفعة توفير حلول لكل المشاكل؟ لقد وفّرت أسعار النفط المرتفعة السائدة في السوق لكل اقتصادات بلدان مجلس التعاون الخليجي، وإن بنسب متفاوتة، فوائض ضخمة على صعيدي التجارة والحساب الجاري. ولذا كانت اليد العليا في تقرير مستقبل اقتصادات بلدان المجلس لصانعي السياسات. وقد أُتيحت لبلدان مجلس التعاون الخليجي فرصة تحقيق تغيّر ملحوظ في بناها الاقتصادية عبر استغلال إيرادات النفط المتراكمة، قبل الهبوط الأخير في أسعار النفط على أي حال، لاتزال دول مجلس التعاون الخليجي تتلقى حجماً كبيراً من عائدات النفط. وعلى الرغم من التدهور الأخير في أسعاره، فمن المتوقع استمرار تدفق عائدات وفيرة في السنوات القليلة المقبلة. سعر النفط الموازن للنفقات والإيرادات الذي يحقق توازن ميزانية العام 2010 هو: 36 دولاراً للبرميل في الإمارات، و38 دولاراً في قطر، و48 دولاراً في الكويت، و51 دولاراً في السعودية، و71 دولاراً في عُمان، و73 دولاراً في البحرين. وهكذا قد تقع كل من عمان والبحرين ضمن خطر حصول عجز، لكن يمكن للبلدان الأخرى الحفاظ على ميزانية متوازنة بسهولة أكبر. وبالنظر إلى الاحتياطي التراكمي والأسس الصلبة للاقتصاد الكلي، لا يزال من المتوقع بقوة أن تحقق دول مجلس التعاون الخليجي نمواً قوياً في العام 2010، وإن كان بمعدل أقل من ذلك المسجل خلال فترة 2002-2008. وتعزيز القدرات المؤسسية لإدارة عائدات النفط عبر خلق التوازن ما بين خلق فرص عمل وتحسين مستويات المعيشة يجب أن يحتل أعلى سلّم الأولويات في هذه البلدان. لقد وفّرت عائدات النفط الوفيرة أوضاعاً مؤاتية للنمو في دول مجلس التعاون الخليجي، لكن هذه الدول أضاعت فرصة إصلاح اقتصاداتها بشكل جذري من خلال التعاطي مع التحديات الرئيسة التي تواجهها، مثل الحاجة لتنويع الاقتصاد، ومعالجة الاختلالات في سوق العمل، وزيادة الإنتاجية. كذلك فإن دول مجلس التعاون الخليجي في حاجة إلى مراجعة مناهجها التعليمية لتلبية احتياجات سوق العمل، خصوصاً في القطاع الخاص الناشئ. ويستدعي ذلك إشراك القطاع الخاص أكثر في التعليم العالي والفني من خلال السماح له بالتدخل أكثر في توفير الخدمات التعليمية. ويجب تشجيع الثقافة التي تعتمد على ربط الكفاءة بالتعيينات في المناصب العامة، ويجب أن يعلن القطاع العام بوضوح أنه لا يستطيع الاستمرار في لعب دور رب العمل الأول لمواطني هذه الدول. كما يتعيّن أن تضع دول مجلس التعاون الخليجي مجموعة من الحوافز لتشجيع تشغيل المواطنين، مثل الحسومات أو التسهيلات الضريبية ودعم برامج التدريب بدلاً من دعم الأجور. بالانتقال إلى الهياكل الاقتصادية، نجد أن جهود التنويع تواجه قيودا صعبة. وقد تم بالفعل إعادة توجيه التنويع في الزراعة بعيداً عن الاستثمارات المحلية باتجاه الاستثمارات الدولية. وقد يكون النجاح نصيب التعاقد الخارجي في عملية التنويع هذه في الزراعة. وفي قطاعات أخرى، على غرار الخدمات السياحية والمالية، فقد تم استنفاذ خطط التنويع في جميع دول المنطقة، بحيث بات يُخشى من وجود فائض في العرض في هذه الخدمات. ومن شأن وجود محاولة جماعية لتنسيق تلك الجهود أن يساعد في تفادي الازدواجية، وقد يُحسّن التكامل عن طريق خلق أسواق متمايزة في كل بلد. علاوة على ذلك، تحتاج دول مجلس التعاون الخليجي إلى بذل جهود تحريرية جادة لتحفيز التغييرات المطلوبة في بنية اقتصاداتها. وبالتوازي، ثمة حاجة إلى تطوير إمكانية الحصول على الإئتمانات الكبيرة والصغيرة استناداً إلى تصنيف الأداء، والحد من الروتين، ووجود المحاكم المستقلة والقوية القادرة على التدخل عبر التحكيم. وفي ما يخص السياسة المالية، تكمن المشكلة في أن الإنفاق العام كان الأداة الرئيسة لدعم النمو وإعادة توزيع العائدات النفطية. لكن هذه السياسة المالية التوسعية هشة وقد لا تستطيع الصمود على المدى الطويل. وبالتالي، يجب خلق أدوات تعتمد السياسات غير المالية لتشجيع النمو وتحقيق إعادة التوزيع. بالإضافة إلى ذلك، ثمة حاجة إلى تحسين إدارة الإنفاق العام، الأمر الذي يتطلّب درجة أعلى من الشفافية والمساءلة والانخراط المدني بإشراك مختلف المعنيين في إعداد الميزانية ودعوة هيئات مستقلة إلى مراقبة الإنفاق. لقد أثبتت السياسة النقدية حتى منتصف 2008 أنها غير فعالة ومُقيّدة إلى حد كبير نتيجة لارتباط عملات دول مجلس التعاون الخليجي بالدولار. حتى الآن، حقق نظام الارتباط بالدولار الاستقرار، كما خففت الأزمة المالية العالمية من الضغط التضخمي مع تباطؤ سوق الائتمان وهبوط الأسعار العالمية. لكن، لا زالت العوامل التي أدت إلى التضخم الكبير موجودة، وإذا مااستعاد الاقتصاد العالمي زخمه فيمكن أن نرى اقتصادات هذه الدول تعاني مجدداً. ويشي هذا بوجوب اعتماد سياسات تعالج الأسباب الجذرية للتضخم وأدوات السياسة النقدية الضعيفة، بغض النظر عن النسبة الحالية للتضخم. في حين أن دول مجلس التعاون الخليجي تصبح أكثر انفتاحاً، لا تزال مؤشرات الحوكمة ضعيفة، ولذا ثمة حاجة إلى تطوير إطار لتحسين البيئة التشريعية والتنظيمية. وتمثّل هذه الجهود أهدافاً بعيدة المدى تحتاج إلى تصميم وتخطيط حذر. وإذا كان المرتجى لدول مجلس التعاون الخليجي تحقيق نمو متوازن ومستدام وأقل عرضة إلى تقلبات أسواق الطاقة، فعلى هذه الدول الالتزام مجدداً بإدخال تغييرات أكثر جذرية في الحوكمة والسياسة الاقتصادية والنقدية والمالية. |