عقد من السياسية الأميركية في الشرق الأوسط طباعة ارسال لصديق
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 - العالم
د. جمال واكيم   

من الشرق الأوسط الكبير إلى مواجهة التمدد الإيراني

قبل نحو عام انتخب باراك اوباما رئيسا للولايات المتحدة. معه بدأت التكهنات باحتمالات تغيير في السياسة الاميركية في العالم توازي التغيير في العقلية التي ادت الى انتخاب اول رئيس اسود للبيت الابيض يقلب سياسات سلفه جورج بوش الابن..

Image 

في العام 2001 وجدت الولايات المتحدة انه بات لزاما عليها ان تستكمل ما كانت بدأته قبل عشرة أعوام وأن تفرض نظاما للشرق الاوسط يكون تابعا لها بالكامل. كانت هذه الحاجة نابعة من شعورها ان عددا من القوى العالمية بات مؤهلا لان ينافسها على صعد عدة اهمها الصعيد الاقتصادي، مصدر القوة الاساسي في عالم ما بعد العولمة. فقد كانت اليابان والمانيا قد سبقتاها باشواط في مجال تطوير وسائط وطرق الانتاج ما جعلها تتراجع في مجال المنافسة الاقتصادية1. كانت هذه القوى قد طورت اقتصاداتها ما جعل الأمل الوحيد للولايات المتحدة هو في السيطرة واحتكار النفط، وهو المصدر الارخص للطاقة حتى اشعار اخر. لقد شكلت حرب الخليج في العام 1991 ابرز محاولة اميركية للاطاحة بالعراق كعائق امام سيطرتها على النفط وكان العام 2001 فرصة امام الولايات المتحدة للقضاء على مسعى الرئيس صدام حسين للخروج من طوق الحصار الذي فرض على بلاده لعقد من الزمن.


قبل عقدين من ذلك التاريخ كان مستشار الرئيس الاميركي جيمي كارتر يختم مسيرته في السلطة الاميركية باستنتاجات عن الاستراتيجية الاميركية الجديدة في العالم على ضوء اهتزاز وضع الاتحاد السوفياتي وسقوطه الذي تم في العام 1991. في كتابه بعنوان «رقعة الشطرنج الكبرى»2  اعتبر بريجنسكي ان الولايات المتحدة يجب ان تبقى القوة العظمى الاولى على ان ترتب الاوضاع الدولية بما يضمن هذه السيطرة باقل الخسائر الممكنة. ولذلك اعتبر انه من اجل ان تحقق الولايات المتحدة هدفها كان لزاما عليها منع تشكل كتلة اوراسيوية تجمع بين اوروبا واسيا عبر السيطرة على الشرق الاوسط3. وبالسيطرة على هذه المنطقة الممتدة من شواطىء الاطلسي الى حدود الصين يتحقق للولايات المتحدة عدد من الاهداف يضمن سيطرة اميركية على العالم. فالشرق الاوسط الاميركي سيدق اسفينا بين روسيا واوروبا عبر خلق منطقة ازمات في منطقة القوقاز تشكل حاجزا دون اتصال الروس والاوروبيين، وهذا الشرق الاوسط الاميركي سيشكل حاجزا بين اوروبا وافريقيا، كما سيشكل حاجزا دون تمدد روسيا جنوبا نحو المياه الدافئة والصين غربا نحو افريقيا4. وقد لعب الناتو دور الاداة بيد الولايات المتحدة لتطويع العملاق الاوروبي5. فقد كان الامن هو نقطة الضعف الاوروبية الرئيسية وقد فجرت الولايات المتحدة منطقة البلقان واستغلتها ليس فقط لاحداث فجوة في الامن الاوروبي ولكن ايضا لابعاد اوروبا عن شمال افريقيا العربي المسلم. كان هذا يصب في صلب استراتيجيتها التي تهدف الى جعل الشرق الاوسط حاجزا عازلا بين اوروبا وافريقيا.


«الرأي العام».. أداة للهيمنة الاميركية


لقد شهدت التسعينات محاولات متعددة الاطراف لعرقلة المشروع الاميركي لكن العام 2001 كان حاسما لجهة توجه الادارة الاميركية لفرض نظامها العالمي. شكلت هجمات الحادي عشر من أيلول/سبتمبر فرصة ذهبية للمحافظين الجدد في الولايات المتحدة لتنفيذ مشروعهم. ولقد تم استغلال الهجمات على برج التجارة العالمي لتجنيد الرأي العام الاميركي لدعم حرب «صليبية» ضد الارهاب على ما جاء على لسان الرئيس الاميركي جورج بوش نفسه. كانت الخطوة الاولى هي في توجيه الضربة لافغانستان لتحديد المدى الاقصى لهذا الشرق الاوسط فكانت الحرب التي اطاحت بحركة طالبان في اواخر العام 2001. ثم كان لا بد من اعطاء عمق لهذا الشرق الاوسط وازاحة عوامل «الشغب فيه» عبر الاطاحة بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين في العام 2003. كانت القوة العسكرية الاميركية قد بلغت اقصى تشغيلها مع الحرب على العراق ولم يعد هناك امكانية لفتح جبهات اخرى. الا ان الرهان الاميركي لم يكن على القوة العسكرية وحدها. فقد كان في الجعبة الاميركية سلاح الاعلام والتجييش الشعبي والتي جربت اول ما جربت في بولندا في السبعينات والثمانينات عبر دعم حركة التضامن المعادية للسوفيات، والتي اضحت لاحقا الاداة الاولى للاطاحة بدول الكتلة الاشتراكية من دون حرب. لقد اثبت الاميركيون باعهم الطويل في هذا المجال متسلحين بخبرات تروتسكيين سابقين آمنوا «بالثورة الدائمة» التي نادى بها تروتسكي والتي شكلت منهج عمل يقتدي به المحافظون الجدد في الولايات المتحدة. لقد اثبتت هذه التكتيكات نجاحها في جورجيا في نوفمبر من العام 2003 حين تمت الاطاحة بالرئيس ادوارد تشيفارنادزه الموالي لموسكو بانقلاب مدني قاده ميخائيل ساكاشفيلي المدعوم من الولايات المتحدة. كما اثبتت هذه التكتيكات نجاعتها بعد ذلك بعام حين قامت تظاهرات احتجاج على نتائج الانتخابات الرئاسية في اوكرانيا ما اوصل فيكتور يوشينكو الى السلطة خلافا لرغبة موسكو.
كان نفس السلاح سيستعمل في لبنان ضد الرئيس اميل لحود وحكومته المدعومين من السوريين عقب اغتيال رئيس الوزراء الاسبق رفيق الحريري. فقد ادى الاغتيال الى ثورة شعبية عارمة لم تكن ايادي الفريق الاميركي الذي قاد عمليتي جورجيا واوكرانيا ببعيدة عنها، ولم يكن بعيدا عنها الاسم الذي اطلق على هذه الانتفاضة الشعبية وهو الثورة البرتقالية على غرار الثورة البرتقالية في اوكرانيا. كان مخططا ان يكون الانقلاب في لبنان مقدمة للاطاحة بالنظام في سوريا6 تليه حرب اهلية تقسم سوريا ولبنان الى كيانات طائفية. وقد تم نبش الارشيف الفرنسي لرسم مخططات للمنطقة تدفع الى تشكيل حزام من الدول الاثنية الطائفية غير السنية على طول الساحل السوري من لواء اسكندرونة الى غزة وابعاد السنة والشيعة عن الساحل الشرقي للمتوسط7. هذه المرة كان المخطط هو في اثارة حرب اهلية تؤدي الى تهجير الشيعة من المنطقة الواقعة جنوب الليطاني الى البقاع وفي وقت لاحق الى جنوب العراق فيما يتم نقل سنة الساحل الى ريف دمشق وحلب على ان تقام دولة علوية في منطقة الساحل السوري من اسكندرونة الى عكار، ودولة مسيحية من عكار الى بعبدا، ودولة درزية تمتد من الشوف الى البقاع الغربي والجولان و جبل الدروز في جنوب سوريا لتشكل عازلا شماليا بين هذه الكيانات الطائفية واسرائيل. هذا ما يفسر سر العلاقة القوية التي جمعت بين الزعيم الدرزي وليد جنبلاط والكنيسة المارونية وقائد القوات اللبنانية سمير جعجع.


بوش 2006، بداية النهاية


عوامل عديدة ادت الى افشال التصور الاميركي ذو النكهة الفرنسية اولها كان الالتفاف غير المسبوق في سوريا حول النظام. لقد احس السوريون بالخطر ولم يروا بالنموذج الذي قدم في العراق عقب سقوط صدام حسين نموذجا مشجعا بعد الدماء التي اريقت والدمار الذي حدث والحرب الاهلية التي نتجت عن ذلك. أما العامل الثاني فكان تصاعد المقاومة العراقية ضد الاحتلال الاميركي والتي انهكته وعرقلت المخططات الاميركية في المنطقة. والسبب الثالث كان عدم اكتمال الانقلاب في لبنان. فحزب الله لم يدجن بعد الاحتيال عليه لدخول التحالف الرباعي، وزعيم التيار الوطني الحر رفض التصور الاميركي في تقسيم لبنان ومعه المنطقة، فهو كان يريد كامل الـ 10452 كم2. هذا ادى الى تقارب بين حزب الله والتيار الوطني الحر اعطى للمقاومة الاسلامية عمقا وبعدا وطنيين كانت بامس الحاجة اليهما في المواجهة التي كانت ستندلع في تموز 2006.

Image
كان العام 2006 حاسما لجهة المواجهة بين مؤيدي المشروع الاميركي في الشرق الاوسط ومعارضيه. كانت المقاومة العراقية في تصاعد مدعومة من سوريا وايران. وكان وضع السلطة الفلسطينية في الارض المحتلة يتآكل لصالح حركة حماس المعارضة لاتفاقيات اوسلو، وكان حزب الله وحلفاؤه في لبنان يستعيدون زمام المبادرة بعدما استوعبوا صدمة العام 2005 عقب اغتيال الحريري. كل هذا جاء في ظل عجز قوى 14 اذار عن نزع سلاح حزب الله فكان ان تم التخطيط لعدوان على لبنان يوجه ضربة قاصمة للمقاومة يليها تأليب الشارع المسيحي على عون بذريعة ان سلاح المقاومة ورط لبنان بما لا قبل له به، وتترافق مع ضغوط دولية لفرض وصاية دولية على لبنان بما يسحبه بالكامل من تحت مظلة السوريين والايرانيين. لكن الحسابات الاميركية لم تأت بالنتائج المأمولة نتيجة صمود المقاومة بالدرجة الاولى ونتيجة لموقف عون الداعم لها. عقب ذلك بدأ موقف جماعة 14 اذار بالتراجع حتى جاءت احداث 7 ايار 2008 حين فرضت قوى 8 اذار بقوة السلاح تعديلا حكوميا اقر في اتفاق الدوحة والذي اعلن رسميا فشل المشروع الاميركي في التسبب بحرب اهلية تؤدي الى انتاج كيانات طائفية في المنطقة.


الاميركيون: حادث الفكة «القضية عراقية»


الفشل الاميركي في لبنان انعكس سلبا على الموقف في مواجهة سوريا وايران. فبعد احداث ايار 2008 بدأت ايران بتصعيد لهجتها في مواجهة الغربيين في حين ان سوريا باتت تشعر بثقة اكبر في التعامل معهم. فلقد شكلت الازمة المالية التي عصفت بالولايات المتحدة اواخر ايام جورج بوش السبب الابرز في مجيء باراك اوباما الى سدة الرئاسة. فـ«سوء ادارة الاقتصاد من قبل الجمهوريين» دفع بالناخب الاميركي الى التوجه الى الديمقراطيين لانتشاله من الازمة التي اعتبرت الأسوأ منذ العام 1929. لكن الازمة نفسها هي التي منعت التمويل عن برامج عسكرية اميركية عدة وباتت العائق امام سياسة اميركية هجومية في الشرق الاوسط. هذا ما يفسر التغيير ولو النسبي في السياسة الاميركية في الشرق الاوسط ومحاولة القادة الاميركيين الابتعاد عن التصعيد مع خصومهم. Image
هذا ما ترجم في العراق حين اعلن رئيس هيئة الاركان المشتركة الاميركية الادميرال مولين «ان القضية سيادية ويجب ان تعالج من قبل القادة العراقيين»، في تعليقه على سيطرة القوات الايرانية الشهر الماضي على بئر نفط في منطقة الفكة في محافظة ميسان العراقية. التصريح اعتمد لهجة مغايرة للهجة الاميركية التي لازمت ولاية الرئيس السابق جورج بوش الابن الهجومية تجاه ايران. فجأة باتت النبرة اكثر تصالحية وتدعو الى «ضبط النفس»، وباتت ايران اكثر هجومية بالمقارنة مع لهجة التهدئة التي اعتمدتها طوال ولاية بوش الابن.
فقد عززت ايران منذ اشهر عدة مواقعها في الشرق الاوسط. فقد شكل فشل اسرائيل في مواجهة المقاومة الاسلامية في العام 2006 عاملا حاسما في ردع الاسرائيليين والاميركيين عن توجيه ضربة الى الجمهورية الاسلامية الايرانية. فقد اظهرت التجربة التي جرت في جنوب لبنان عدم قدرة الضربات الجوية على حسم المعارك، كما فتحت الباب امام اطلالة ايرانية على البحر المتوسط. وقبل نحو عام من الآن كانت حركة المقاومة الاسلامية حماس قد «نجت» من المحاولة الاميركية الاسرائيلية للقضاء عليها حين تمكنت من الصمود في غزة ما شكل ايضا فرصة لايران لتعزيز وضعها الاستراتيجي على ضفاف البحر المتوسط وفي التقاطع الفاصل بين مصر واسرائيل )بحكم العلاقة الوثيقة القائمة بين حماس وطهران(.
وقبل اشهر عدة برز تطور آخر عبر تمرد الزيديين الحوثيين في شمال اليمن ضد الرئيس علي عبد الله صالح. ورغم دخول السعودية على خط دعم الحكومة اليمنية ضد الحوثيين ومن ثم التدخل العسكري الاميركي المباشر في المنطقة الا ان الدلائل تشير الى ان هذا الصراع لن ينتهي قريبا. ولا شك ان العامل الاساسي في تمكن الحوثيين من الصمود هو الدعم الايراني لهم، لكن لماذا تهتم ايران بالصراع الجاري في اليمن؟ مرة اخرى يبدو ان التحالف مع الحوثيين يوصل ايران الى البحر الاحمر للمرة الاولى منذ القرن السادس الميلادي. مما تقدم فان ايران اعتمدت على تعزيز مواقعها في المنطقة في مواجهة الولايات المتحدة بخط يمتد من جنوب لبنان الى غزة وصولا الى اليمن في الوقت الذي تشكل فيه خطوتها باحتلال بئر في العراق محاولة للاختراق في العمق.


أوباما.. الحد من الخسائر


في مواجهة التقدم الايراني تبدو الولايات المتحدة في موقف المتراجع في وقت تتآكل فيه استراتيجيتها في الشرق الاوسط. فالولايات المتحدة التي بدأت بمشروع يهدف الى اختراق يبدأ من الساحل اشرقي للبحر المتوسط وصولا الى حدود الصين مرورا بسوريا والعراق وايران وافغانستان ترى مواقعها الحصينة تخترق في اكثر من موضع دون القدرة على منع ذلك. وهي تعلم ان ايران ليست وحيدة في هذا الاطار ولكن حركتها مدعومة من الصين وروسيا اللتين تعيقان حتى الان تصعيد العقوبات الدولية المفروضة على ايران. والخطورة بالنسبة للولايات المتحدة تكمن في انه اذا تمكنت ايران من تدعيم مواقع الاختراق هذه فستهدد الهيمنة الاميركية على الشرق الاوسط. واذا تم تدعيم مواقع الاختراق هذه فسترى روسيا والصين نفسيهما قادرتين على القفز عبر ايران ومناطق نفوذها في اتجاهين، الاتجاه الاول نحو الجنوب عبر السودان نحو قلب افريقيا، والاتجاه الثاني شمالا عبر البلقان نحو قلب اوروبا وسيكون العالم مفتوحا مرة اخرى امام صراع قد ينهي هذه المرة الهيمنة الاميركية على العالم في مدى عقود قليلة، كما انهت الحرب الباردة دور الاتحاد السوفياتي كقطب عالمي.
ماذا بقي لأوباما والحال هذه؟
الحد من الخسائر إذا تعذر منعها!

 
< السابق   التالى >