طهران والغرب: سياسة حافة الهاوية طباعة ارسال لصديق
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 - العالم
معمر عطوي   

ما الذي حمله لقاء جنيف بين القوى الست المعنية بمناقشة الملف النووي الإيراني، وطهران، مطلع شهر تشرين الأول الماضي، حتى ظهرت مناخات التفاؤل فجأة، لتظلل المشهد السياسي بين الطرفين. في ضوء الايحاء بأن عقدة التخصيب بين إيران والغرب، قد حُلّت، ووضعت حداً للأجواء المشحونة. لكن هذه الاجواء سرعان ما عادت الى المربّع الأول من العلاقات المشحونة بين الطرفين، عند ظهور اجتهاد آخر لدى طهران حول آليات تسليم وتسلّم اليورانيوم المخصّب.

Image
ويبدو أن الموافقة المبدئيّة التي عبّرت عنها إيران، خلال محادثات جنيف، بخصوص تسليم كمية من اليورانيوم ضعيفة التخصيب (3.5 في المئة) إلى روسيا، لتزيد نسبة تخصيبها إلى درجة 19.75 في المئة، ومن ثم ارسالها الى فرنسا لتحويلها إلى قضبان وقود نووي، قبل تسليمها الى الجمهورية الإسلامية مجدداً، من أجل استخدامها في مفاعل طهران للأبحاث الطبية، أوحت يومها أن ملالي النظام الإسلامي، قد تنازلوا عن أبرز عقدة خلافية في هذا الملف.


لكن اجتماعات فيينا بعد نحو أسبوعين من لقاء جنيف، بيّنت حجم الهوة بين الطرفين. إذ برز إجتهاد إيراني لمضمون الاتفاق، الذي قيل إنه من بنات أفكار الرئيس الأميركي باراك أوباما، وقدّمه يومها المديرالعام السابق للوكالة الدولية للطاقة الذرية، محمد البرادعي.
الإجتهاد الإيراني هذا، أتى انسجاماً مع تحوّلات دولية مفاجئة، كان أبرزها الموقف الروسي، المتساهل - على غير عادة - تجاه إمكان فرض رزمة جديدة من العقوبات المشدّدة في مجلس الأمن ضد إيران، ما لم ترضخ الأخيرة لمطالب القوى الغربية الكبرى بوقف عمليات تخصيب اليورانيوم. موقف برز بعد تسويات كبيرة أُجريت بين موسكو وواشنطن، حول الدرع الصاروخية، وسحب فتائل التفجير في القوقاز، ووعود بإعطاء وريثة الاتحاد السوفياتي دوراً في الأمن الاقليمي الأوروبي. طبعاً مع عدم تجاهل الضغوط الإسرائيليّة المتواصلة على روسيا بخصوص عدم إتمام صفقة بيعها طهران نظام صواريخ أرض - جو «من طراز أس - 300». ودفعها للموافقة على عقوبات مشددة و»مشلّة»- حسب التعبير الإسرائيلي.


مواقف مزدوجة


أمام هذه التحولات، كان الموقف الإيراني، يلعب ورقة التخصيب بحذر شديد، فلا هو يسعى إلى الصدام مع الغرب، ولا هو راغب في إحراج حليفته وجارته العظمى، روسيا. في الوقت نفسه بات القيّمون على الأمور في طهران، مدركين لوضع الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، في ظل وضع خيار الحرب جانباً. فموافقة طهران على التخصيب في روسيا، كانت بمثابة لعبة مزدوجة، تنقذ الشريك الروسي من الإحراج مع الولايات المتحدة، فيما يتعلق بالضغط على طهران، وفي الوقت نفسه، توحي للغرب بأنها ليّنت مواقفها قليلاً لمصلحة التسوية.

Image
لذلك أرادوا من خلال الموافقة المبدئية على اقتراح البرادعي - على الأقل في المدى المنظور - أن تنتزع طهران اعترافاً علنياً بحقها القانوني والدولي في الاستفادة من الطاقة النووية السلمية التي تسعى لامتلاكها وفي نفس الوقت إرسال إشارات إيجابية قبل أسابيع من انتهاء المهلة التي وضعها الرئيس أوباما للنظام الإسلامي كي ينفذ مطالب الدول الغربية، وهي تنتهي آخر السنة الحالية.
أما موسكو، التي أوحت معظم التحليلات أن أميركا تنازلت كرمى لعيونها، عن إقامة الدرع الصاروخية المضادة للصواريخ في تشيكيا وبولندا، فقد قبضت الثمن، بوعدها بدورأساسي في الأمن الأوروبي، وإغرائها بعقد صفقات شراء أسلحة روسية من قبل السعودية وإسرائيل، بمليارات الدولارات. فقد كان قرارها، غير الواضح حتى الآن، بتجميد صفقة لبيع صواريخ «أرض جو» من طراز «أس - 300»، إلى طهران نتيجة لهذه الضغوط والإغراءات.
في المقابل، ضمنت طهران أن تخصيب اليورانيوم سيكون لدى طرف ثالث، هو طرف صديق. ومع أنها نظرت بعين الريبة إلى فرنسا وطلبت عدم اشراكها في المفاوضات، بسبب تصريحات سلبية لمسؤوليها تجاه إيران، بيد أن طهران وجدت المخرج لهذه الأزمة باعتبار الاتفاق هو مع موسكو وليس مع باريس.
رغم ذلك، قد يكون الموقفان الروسي والإيراني، صورة لسياسة واحدة، من شأنها حفظ ماء وجه الطرفين، وإعطاء الخصم ورقة «ايجابية» يمكن البناء عليها في المفاوضات اللاحقة. مع أن هذه الورقة باتت تلعبها طهران بطريقة أخرى، من خلال تأجيل الرد على مسودة الاتفاق النووي، ومحاولة تعديل بعض بنودها. وفي هذه المماطلة، خوف إيراني من تسليم الغرب نحو 75 في المئة من مخزونها من اليورانيوم المخصّب (1200كلغ من أصل 1500 كلغ). لذلك اقترحت إرسال الكمية على دفعات، ثم اقترحت بعد ذلك، شراء اليورانيوم من الخارج، مع الاحتفاظ بمخزونها الخاص.
ثمة إرهاصات سبقت الموقف الإيراني الليّن تجاه مطالب الغرب، كانت توحي بأن الأمور تتجه نحو حافة الهاوية. بيد أن المتابع لأداء السياسة الإيرانية طويلة النفس، لا يستغرب هذا الإسلوب في الحوار، والذي يترافق دائماً مع تصعيد في الموقف السياسي والشحن الإعلامي، والذي يمكن وصفه بسياسة حافة الهاوية. تصعيد متزامن مع مناورات عسكرية، كانت أهمها تلك التي جرت قبيل مفاوضات جنيف، حيث تم اختبار صاروخ «شهاب- 3» (2000 كلم)، ثم تبعه بعد أسابيع قليلة اختبار صاروخ «سجيل- 2» يتجاوز مداه مسافة 2200 كيلومتراً. والذي يضع إسرائيل وجميع القواعد العسكرية الأميركية في الشرق الأوسط في دائرة استهدافه، حسبما يرى خبراء عسكريون.
وبدا من الواضح، أن هذا التصعيد في الموقف الايراني والمناورات الحربيّة، لم يكونا سوى ايقاع تأثيري صاخب، من شأنه تحسين شروط التفاوض. مع العلم أن طهران باتت تدرك جيداً أن دول الغرب، وخصوصاً الولايات المتحدة، باتت في موقف حرج. بل انها باتت تعيش مأزق التجربة الكولونيالية، التي تواجهها في العراق وأفغانستان، في وقت تقع فيها تلك الدول الصناعية الغنية، تحت وطأة تحديات الأزمة المالية العالمية.


قنبلة ذريّة... أم؟


وبالتالي، فالمفاوض الأميركي، حتى لو شدد لهجته وطالب طهران بين حين وآخر، بتنفيذ المطالب الدولية، ووقف تخصيب اليورانيوم على أراضيها، فإنه، في المقابل، ليس في موقع من يستطيع فرض الشروط على بلد يملك الكثير من أوراق القوة وعوامل الضغط سياسياً وأمنياً واقتصادياً. ويعرف كيف يلعب بهذه الأوراق لخدمة مصالحه.
من هنا، كانت مفاوضات جنيف، والتي أسفرت عن مسودة اتفاق نووي في فيينا بعد أسابيع قليلة، محطة من المحطات الحسّاسة، التي تسير فيها علاقة طهران بالغرب.
هذه العلاقة شهدت بعض الصدمات، التي أوحت بأن الأمور تتجه نحو التسوية؛ وهي ليست أكثر منها دلالة، زيارة استثنائية قام بها وزير الخارجية الإيراني، منوشهر متكي، إلى واشنطن. سبقها قرار سماح السلطات الإيرانية لدبلوماسيّين سويسريّين، يمثلون مصالح الولايات المتحدة لدى طهران، بمقابلة ثلاثة أميركيين محتجزين لدى الجمهوريّة الإسلاميّة منذ تموز الماضي، بسبب دخولهم البلاد بطريقة غير مشروعة من جهة مدينة السليمانية العراقية.
وبدا أن نتيجة اجتماع فيينا في 18 تشرين الأول الماضي/أكتوبر، لم تكن مفاجئة، إذ إن أهم بند من بنودها، عنيت موافقة طهران على إرسال يورانيوم مخصّب بدرجة 3.5 في المئة الى روسيا، لتخصيبه بدرجة 19.75 في المئة، لانتاج النظائر المشعة في مفاعل طهران البحثي لأغراض طبية، يشير بشكل واضح إلى أن درجة التخصيب المسموح بها لايران هي ما دون الـ 5 في المئة. وهذا يعني تنازلاً أميركياً عن مطلب وقف التخصيب بشكل نهائي، حسبما كانت تصرّح الادارة الأميركية في السابق.
وكون أوباما هو من اقترح على المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن تقوم طهران بارسال اليورانيوم المخصّب الى الخارج لزيادة مستوى تخصيبه، فإن هذا بحد ذاته، يُعتبر إعترافاً ضمنياً من واشنطن بحق طهران بالتخصيب الى درجة لا تتجاوز الـ 5 في المئة. وهو ما كان سائداً في إيران، حسبما عبّر أكثر من مسؤول إيراني في أكثر من مناسبة.
أما  طهران، التي تتذرع بأن برنامجها النووي يقود الى انتاج الكهرباء والتطوير العلمي والطبي، فلا تزال تؤكد أنها لن تزيد نسبة  التخصيب، التي إن وصلت الى 95 في المئة تصبح قادرة على انتاج قنبلة ذريّة. طبعاً، إلاّ في حال فشل الاتفاق مع الغرب، فانها تنوي التخصيب لدرجة 19.75 في المئة، لرفد محطة طهران البحثية باليورانيوم. موقف جاء على لسان الرئيس محمود أحمدي نجاد، وتكرر على لسان أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، سعيد جليلي، وغيره من المسؤولين الإيرانيين. ما يؤكد مضي النظام الاسلامي في تحدي الدول الغربية الكبرى، إذا ما أصرت هذه الدول على تركيع إيران، من خلال سحب ما لديها من مخزونات يورانيوم مخصّب تخصيباً خفيفاُ. وعلى أي حال، لم تكن نسبة 19.75 في المئة من التخصيب، جزءاً من مشروع طهران النووي، حسبما أعلنت أكثر من مرة. على اعتبار أن ما تطالب به هو تركها تقوم بالتخصيب بنسبة 3.5 في المئة لانتاج الكهرباء.
ربما استطاع المفاوض الايراني الذي يرتبط بمصالح كبيرة مع شريكين كبيرين وعضوين دائمين في مجلس الأمن، هما روسيا والصين. (طبعاً روسيا كانت أكثر ليناً تجاه مسألة العقوبات من الصين(، أن يتجنب الدخول في علاقة فتور معهما، بعد أن بدا موقفهما ليناً بعض الشىء في مسألة تشديد العقوبات ضد النظام الإسلامي.
لعله بهذه السياسة ضمن لبلاده استمرار مفاعلاتها النووية. بيد أن واشنطن تمكنت من التلويح لصقورها بالتحول الإيراني «الايجابي»، بما يؤشر إلى تطورات جديدة، قد تكون عقوبات مشددة ضد إيران، مع انتهاء المهلة التي حددتها لها واشنطن آخر العام 2009، لتلبية مطالب مجموعة الست «5+1». طبعاً إذا ضمنت هذه الدول لاسيما الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، وقوف نظيرتيها موسكو والصين، الى جانبها.
لقد «نجت» هاتان الدولتان اللتان ترتبطان بمصالح اقتصادية وجيواستراتيجية وعسكرية مع إيران، من موقف حرج كادت تتسبب به قرارات مفترضة حول عقوبات صارمة. لكن هذه التطورات قد لا تتكرر. إلاّ في حال قررت الدول الغربية اللجوء الى إضعاف النظام الايراني من خلال ثورة مخملية ناعمة، تثير بواستطها الاضطرابات والقلاقل داخل البلاد. لعلها بدأت في استغلال هذه الحركة الاصلاحية المعارضة بشكل غير مباشر، منذ انتخابات حزيران الماضي الرئاسية، ووصلت الى مراحل متقدمة في يوم عاشوراء في 27 كانون الأول (ديسمبر) الماضي، مع سقوط قتلى وجرحى وحصول اعتقالات بالمئات.
في أي حال، لم تكن جنيف سوى محطة، لكنها محطة هامة ومفصلية فيما لو استفاد منها كلا الطرفين، واستطاع تأمين مصالحه بمعزل عن مواصلة النفخ في أبواق التوتير والتصعيد، التي تخدم اسرائيل، وهي الوحيدة اليوم التي لا تزال تتحدث عن جدوى الحرب ضد إيران.  

 
< السابق