«إذا زلزلت الأرض زلزالها» طباعة ارسال لصديق
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 - علوم

الشهر الماضي، نشرت مجموعة من علماء الأحياء في جامعة أورغون الاميركية بقيادة البروفسور جوزف ثورنتون دراسة في مجلة «ناشر»، أكدت فيها ان التطور البيولوجي حالما يحدث، لا يعود البتة إلى الوراء.
الدراسة، التي بُنيت على سنوات من الأبحاث على مادة البروتين والحشرات، أشارت إلى أنه حين يقع «التَّغيار الإحيائي» (mutation)، وهو التغيّر المفاجيء في الوراثة يُحدث مواليد جديدة مختلفة اختلافاً كبيراً عن الأبوين المُنتجين، فإنه لايعود أبداً القهقرى إلى الخلف.

Image
هذه الحصيلة جاءت لتؤكد مفهوماً ساد طيلة التاريخ البشري، وهو أن التطور يعني شيئاً واحدا: التقدم الى أمام .
الانتقال من الرعي والصيد الى الزراعة، كان تطورا هائلاً الى الامام. وكذا الامر بالطبع مع  النقلة من الزراعة الى الصناعة في القرن التاسع عشر، ومن الصناعة الى الخدمات الصناعية (تكنولوجيا المعلومات والاتصالات) في اواخر القرن العشرين.
وكما في علمي الاقتصاد والاجتماع، كذلك في علم البيولوجيا. فالمخلوقات الحية تتطور الى الافضل دوماً. هذا ما يضمن لها البقاء قي صراع البقاء. من لايتطور لا يتأقلم. ومن لا يتأقلم يندثر ويزول .


بيد ان فريقاً آخر من العلماء في جامعة كاليفورنيا، برئاسة الدكتور بلير فان فولكينبرغ، كان جريئا بما فيه الكفاية لإعلان تمرده على هذه «المسلمة البديهية». وهو سبق أن نشر حصيلة دراسة خرجت بالنتائج التالية:
- الانتخاب الطبيعي، أو التطور، لا يهتم بالمستقبل. ولذا من المحتمل، نظرياً، أن يؤدي هذا التطور ليس الى تقدم وإزدهار مخلوق ما، بل الى دماره وفنائه .
- البقايا المتحجرة للعديد من الثدييات، تشير الى تكرار ظاهرة تطور تؤدي بالفعل الى الفناء. أبرز هذه الثديييات كانت  فصيلة من الكلاب التي يدعوها علماء الحيوان «كانينا».
- قبل 50 مليون سنة، كانت هذه الفصيلة صغيرة الحجم وتعتاش على فرائس صغيرة. لكن تطورها من مخلوقات صغيرة الى كبيرة (وهذا أحد القوانين الرئيسة  للتطور)، جعلها تتخصص في فريسة كبيرة واحدة. وحين إنقرض هذا النوع من الفرائس، إنقرضت أيضا الفصيلة، لانها لم تعد تجد ما يكفيها من طعام، وأيضا لأنها لم تستطع التأقلم سريعا مع ضرورات تنويع مصادر طعامها.
- تبيّن أن معدلات بقاء الحيوانات الكبيرة المتطورة والمتخصصة بطعام واحد، هو ستة ملايين سنة، فيما معدل بقاء الحيوانات الصغيرة هو 11 مليون سنة، أي نحو الضعف.    
هذه الخلاصة لاتنفي الدراسة البيولوجية لباحثي جامعة أورغون، لكنها تؤكد ما هو أخطر: مسألة البقاء برمتها، والتي تعتبر أهم بما لا يقاس من التطور، ترتبط ارتباطاً وثيقاً بالبيئة وبطريقة تعاطي أو تأقلم المخلوقات معها. فهي الأولى والبيولوجيا  في المحل الثاني أو حتى ربما الثاني عشر. وهذا ينسف القناعة  الراسخة المريحة (والمخطئة) بأن التطور إيجابي دوماً، إذ هو يحتمل أن يكون قفزة كبرى إلى الهاوية، أو حتى وصفة مُحققة لأنقراض لاحق.
الدليل؟
إنه في غاية البساطة: قارنوا بين التطور التكنولوجي الهائل الراهن وبين التدهور الهائل الآخر في بيئة الأرض، ثم أطرحوا السؤال: هل سيبقى لهذا التطور قائمة أو أثر، إذا ما زلزلت الأرض زلزالها وأخرجت أثقالها؟
 
< السابق