رؤساء سريون لدولة فائقة العلنية طباعة ارسال لصديق
العدد 39 - كانون الاول - ديسمبر 2009 - مقالات
طلال يحفوفي   

Imageاليوم؟!
يومٌ من الأيام المستنسخة مثل حبّات المسبحة.
لا قيمة لتاريخ يسكن معدة جَمَلٍ يجترّه كلما شعر بالجوع.
مهندس الإضاءة غادر المسرح، فالمخرج بدأ يلملم أغراضه لتنتقل الحركة إلى الكواليس.
البطل يضع عمامته جانباً، قبل أن يرشق الجمهور بنظرة نارية:
أنا ابن جلا وطلاّع الثنايا
متى أضع العمامة تعرفوني» (1)
ضاع المترجم الفوري أمام صعوبة نقل الجملة الى لجنة التحكيم الدولية: همهم الجمهور محتجاً، قام أحد الصبية برشق البطل بحبة ذرة مقلية (2(. فزمجر البطل غاضباً مشيراً الى الجماهير المتململة:
«إني لأرى رؤوساً قد أينعت، وحان قطافها، وإني لصاحبها..» (3)
هوى بيده بحركة مسرحية. فانقضّ الحرس الذي يطوق المسرح ليمعن في الناس تمزيقاً.
أشار بيده الى لجنة التحكيم، فاندفعت قوات خاصة لحمايتها وهي المحصّنة دبلوماسياً..
أُطفِئت الكاشفات..
وبدأت المناظير الليلية تفعل فعلها، لتصبح الصالة بحيرة من الدم الأخضر.

 


***
أين اختفى الإنسان العراقي من على شاشات التلفزة وصفحات الجرائد.
لم نعد نشهد إلا جندياً أميركياً على اليمين، وإرهابياً على اليسار.!
عشرات الآلاف من الجنود المدججين بالسلاح حتى أظافرهم. جاؤوا يحملون أغصان الزيتون وباقات الورود الحمراء، في مواجهة عشرات من «المتسللين الأجانب» المسلحين بالخناجر والبنادق، وبعض القاذفات المضادة للدروع!
تلك هي الصورة الهوليودية للمشهد العراقي.
أما الأطفال والنساء والشيوخ، أما الطلاب والعمال والفلاحون، فقد تحوّلوا إلى «كومبارس»: ممثلون ثانويون، يختبئون خلف الستائر المغلقة، يتظاهرون سراً من أجل لقمة العيش أمام أبواب الجامعة العربية المغلقة، والأمم المتحدة البعيدة.
***
رؤساء «العالم الحر» يتنافسون على زيارات سرية لدعم معنويات جنودهم المثقوبة.
وأما رؤساء «العالم المغلوب على أمره» فيأتون لدعم معنويات الجيش العراقي الذي تحوّل شرطة، والشرطة التي تحوّلت ميليشيا، والميليشيا التي التحفت عباءات القبائل والمذاهب وعصابات الأحياء والزواريب.
رؤساء سريون، يتجولون تحت جنح الظلام، في وطن تحوّل الى جمهوريات فائقة العلنية.
أما الحرية..
وأما الديمقراطية..
فأسماء لجثث في المعتقلات، وأرقام متسلسلة لعبوات حيّة تتجوّل في عاصمة الرشيد.
ولا يبقى بعد انقطاع الكهرباء، وانطفاء الأضواء، إلا قبضة صبي يهلّل، يلوّح، ينادي مستقبلاً لناظره قريب.
(1 - 3) اقتباسات حرفية من خطبة للحجاج بن يوسف الثقفي يوم أرسل والياً على العراق.
(2) - بالعربي الفصيح: «بوب كورن».
 
< السابق