د. خالد حدادة للرأي الآخر: النظام الطائفي هو المسؤول دوماً عن تحويل المقاومة إلى قضية خلافية والعمال
الرأي الاخر
الرأي الآخر: بعد مرحلة من الاضطراب السياسي والأمني وصلت خلاله البلاد أكثر من مرة الى شفير الحرب الأهلية، ما هي رؤيتكم للوضع الراهن اليوم، والى المستقبل؟ د. خالد حدادة: أولاً نريد التأكيد على واقع أن البلد خلال الفترة الماضية، تجاوز حافة الحرب الأهلية وعاش مرحلة طويلة، أي أكثر من 5 سنوات، في وسط حرب أهلية تعددت اوجهها، وأبشعها كان الانقسام الأهلي الحاد على أسس مذهبية وليس طائفية فقط ترافقت مع هاجسين كانا دائماً مرافقين لمثل هذه الوقائع: الهاجس الأول عند التحالف السياسي - الطبقي المسيطر في البلد، هو تجاوز الوضع دون المساس بأساس النظام الطائفي السائد، وهم يعرفون جيداً بأنه أصبح بحالة احتضار وبالتالي هاجسهم القضاء من خلال التعبئة المذهبية الحادة على أية امكانية لتغيير فعلي في أسس هذا النظام، والهاجس الآخر الدائم هو ايضاً كيفية ملاءمة ومواكبة هذا الإنقسام مع الأوضاع الإقليمية وتوتراتها..
بهذا المعنى إذا كان اتفاق الطائف في بداية التسعينات من القرن الماضي قد توافق مع حالة توازن اقليمية - دولية وبالتحديد سعودية - اميركية وسورية في الموقف من حرب الخليج الاولى. فإن بدايات القرن الحالي شهدت خللاً بعد حرب الخليج الثانية واحتلال العراق، ومع شعارات الشرق الأوسط الجديد، التي الغت مفاعيل الطائف وأسسه السياسية وبالتالي وضعت البلد المحكوم بتوازنات داخلية هشة أساسها التعايش ضمن منطق المحاصصة بين اجنحة البرجوازية اللبنانية المتحكمة بقرار الطوائف والمذاهب.. وهذا ما حتم الحرب الأهلية المستترة والمعلنة تناغماً مع اختلال التوازن الاقليمي ولم يكن صدفة أن القرار 1559 الدولي هو الذي اعلن وأطلق صفارة هذه المرحلة من الحرب والتي أكد جانبها الإقليمي بشكل سافر العدوان الإسرائيلي في تموز 2006. أما اليوم، ومع الإعتراف الأميركي بعدم التقدم في فرض كامل خطة الإدارة الأميركية السابقة على المنطقة فإن الأميركي مع حلفائه يحاولون الانتقال الى صيغة جديدة في العلاقة مع دول المنطقة التي كانت بالامس مطلوبة للصلب والإعدام، والنظر إليها اليوم كحالة عاقة لابد من تطويعها واحتوائها واغرائها كي لا تشكل عائقاً أمام المشروع الأميركي.. هذه المحاولة الجديدة والتي اقتضت بعض المصالحات العربية، وبشكل خاص الموقف السعودي الجديد من سوريا، والخوف من تكوّن محور تركي - إيراني - سوري، هي عوامل تدفع بالتوازن الإقليمي الهش لينعكس في لبنان حالة انتظارية هشة اقتضت هذه الإحتفاليات الكاريكاتورية من الإنتخابات إلى الحكومة إلى المصالحات المختلفة. هذا الراهن الهش، المترافق مع نجاح قوى النظام على التعايش المؤقت والإتفاق في ما بينها على قضية واحدة اساسية هي منع أية آفاق للتغيير... لن تستمر طويلاً وطبعاً نحن نأسف لذلك، لأننا نرى في ذلك خطراً على السلم الاهلي، ولكن الرغبة شيء والواقع شيء آخر. إن وقائع النظام اللبناني وما يولده من حروب متتالية، وآفاق المشروع الأميركي في المنطقة واستمرار اتجاهاته للسيطرة على الثروة العربية الحالية والكامنة (السودان، اليمن..) واستمرار السعي إلى جعل القضية الفلسطينية في آخر جدول الإهتمام العربي... كل ذلك ينذر بأن حالة الإستقرار الحالية لن تكون طويلة. الرأي الآخر: بالرغم من الاستقرار الظاهر، فإن حالة الإنقسامات الطائفية والمذهبية في المجتمع لا تزال على حالها، فما هو موقع القوى الوطنية العلمانية وسط هذه الإنقسامات وما هو دورها؟ د. حدادة: بالإستناد إلى ما أشرنا إليه سابقاً من اننا نعيش حالة مؤقتة بانتظار حالة تناغم جديدة بين الوضع الإقليمي والإنقسامات الداخلية، فإن القوى العلمانية الديمقراطية أمام فرصة وتحدٍ حقيقي يتمثل بقدرتها على الخروج من حالتين مرضيتين كانتا تؤثران على تبلور التيار الوطني التقدمي العلماني في لبنان، الاولى: في مواجهة الإنقسامات المذهبية وحدتها، اتجهت القوى غير الطائفية والعلمانية إلى التقوقع وبالتالي اعتبار نفسها خارج الصراع وهذا عملياً قد حولها إلى طائفة جديدة معزولة ومتوزعة وضعيفة وبالتالي أفقدها دورها الإنقاذي ووظيفتها الوطنية. والحالة الثانية: استسهال التحاقها بقوى الصراع الطائفي وتشرذمها هي الأخرى بين قوى الطوائف على أساس أولويات الصراع المختلفة ما بين قوى «المقاومة والتحرير» وقوى «السيادة والإستقلال» وبالتالي الإنشداد من كلتا الجهتين باتجاه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وتحويل مقولة التناقض الأساسي إلى فرضية «التناقض الوحيد» الذي يلغي تأثير كل التناقضات الأخرى ومهامها وبشكل خاص المعايير السياسية والإجتماعية للصراع، ويلغي مشروعية وضرورة وجود اتجاه تقدمي ديمقراطي مقاوم يحمل قضية المقاومة والتغيير السياسي والعدالة الاجتماعية كأسس لمعركته يتقاطع مع القوى الأخرى ولكن بما يخدم مشروع التغيير في بلدنا. اليوم هنالك فرصة حقيقية أمام القوى العلمانية الديمقراطية، ونظراً إلى التوافق ولو المؤقت بين الإصطفافات السابقة، لأن تثبت قدرتها على التوحد اولاً وعلى صياغة برنامج حقيقي للمعارضة الوطنية الديمقراطية ثانياً. الرأي الآخر: ما هي الأسباب بنظركم التي أدت إلى اضعاف القوى الوطنية التقدمية وتهميشها، وما السبيل لخروج هذه القوى من أزمتها؟ د. حدادة: في خبايا الجوابين السابقين مضمون الإجابة على هذا السؤال، ويمكن تبويبها على مستويين: الأول: موضوعي، من حيث أن حدة الإنقسامات المذهبية واختلاط مضمون الصراع بأبعاده الوطنية والقومية، وبشكل خاص جذرية المشروع الأميركي للمنطقة وطبيعة القوى المواجهة لهذا المشروع وتنوعها، يجعل من التمايز على أساس الإنتماء الطبقي والإجتماعي وعلى أساس الشعارات السياسية الديمقراطية في لبنان كما وفي العالم العربي، ورغم صحة هذا التمايز وضرورته، عملاً شاقاً وصعباً في ظل هذه الإصطفافات، فهذا التمايز يتطلب حالة وعي متجذرة يطغى عليها الإنتماء والوعي السائدان والعفويان ولا نبالغ إذا قلنا الغرائزيان... الثاني: هو عدم قدرة القوى التقدمية الديمقراطية على مختلف انتماءاتها الايديولوجية، عربياً ولبنانياً، على صياغة مشروعها الخاص للمقاومة وللتغيير وهذا عائد للعديد من الأسباب الخاصة بكل فئة على حدة وعلى العلاقة التاريخية بين القوى المعترضة لهذا المشروع. أما السبيل للخروج فهو في القدرة على صياغة هذا المشروع على المستويين العربي واللبناني، والقدرة على تحديد موقع كل مستوى من التناقضات والمعايير الوطنية والسياسية والإجتماعية ودورها في كل مرحلة والعلاقة بين مكوناتها وممثليها.. الرأي الآخر: من هي القوى والفاعليات التي أخذت المبادرة لإقامة «التحالف الوطني التقدمي»؟ وما هو موقف القوى والفاعليات العلمانية الأخرى من هذه المبادرة؟ هل هي مدعوة للمشاركة في هذا التحالف، وهل تتوقعون مشاركتها؟ د. حدادة: إن العامل المتمثل بشروط الحالة الراهنة والمؤقتة والمتميزة بتوافق التشكيلات الطائفية والمذهبية، على قاعدة تمثيلها الطبقي الموحد، وحالة الموت السريري للنظام الطائفي الذي لم يعد قادراً على الإستمرار إلا تبعاً لتوازنات الوضع الإقليمي و«مصالحاته»، جعلت من تكوّن التيار الوطني التقدمي ضرورة، تندفع باتجاهها كل القوى والشخصيات والشبيبة الحالمة بوطن حقيقي ديمقراطي وبمواطَنة واضحة الإنتماء... وهذا ما يضع كل القوى العلمانية والديمقراطية امام تحدي الإستفادة من هذه الفرصة.. وللحقيقة كانت هناك محاولات مختلفة على هذا المستوى، من اللقاء اليساري التشاوري إلى التجمع الوطني العلماني إلى اللقاء الوطني إلى غيرها.. ما دفع بعدد من القوى أساسها التنظيم الشعبي الناصري وحركة الشعب والحزب الشيوعي اللبناني للمبادرة باتجاه تشكيل إطار تقدمي ديمقراطي يكون نواة تتقدم باتجاه تشكيل الجبهة الوطنية الديمقراطية بمرحلة مناسبة، وانطلق البحث من فرضية أساسية بان هذا اللقاء وإن كان يفترض أن يشكل الإطار السياسي الجامع للقوى والشخصيات - العلمانية التقدمية فإنه لا يلغي اللقاءات الأخرى، والدعوة إلى هذا التحالف ستكون مفتوحة لكل القوى والشخصيات التقدمية العلمانية والديمقراطية المعارضة للنظام وللحكومة الحالية وسابقاتها على قاعدة الموقف من قضية التغيير والموقف من الإجراءات الإقتصادية والمالية التي تعمق من حالة الفقر والجوع والتي تشكل سياسة التنمية أساسها وتشكل اتفاقات باريس الأولى والثانية والثالثة إطارها الذي أجمع عليه الفرقاء المنضوون في ما يسمى حكومة الوحدة الوطنية. وعلى هذا الأساس كل قوى أو شخصية أو جمعية علمانية تجد نفسها في هذا الموقع المعارض، والعلماني التقدمي مدعوة للمشاركة في آليات التحضير هذه ونتوقع مشاركة واسعة من هذه القوى. الرأي الآخر: ما هي العناوين الرئيسية لبرنامج عملكم في المرحلة المقبلة؟ د. حدادة: إن مشروع الوثيقة المقدمة ينطلق من حكم المجتمعين على ان النظام السياسي في لبنان هو المسؤول الأول عن أزمة الكيان الوطني والأزمات السياسية والإجتماعية. فهو الذي هيأ ويهيء شروط الحرب الأهلية المتتالية وهو الذي يبدي التبعية للخارج، وبشكل خاص يحاول محاصرة وخنق منطق المقاومة في وجه العدو الإسرائيلي والمشروع الأميركي. وهي أي قوى النظام مسؤولة عن انهيار الإقتصاد الوطني وإلحاقه مع المراكز المالية في المنطقة والخارج وبالتالي عن الأعباء التي تسببها سياسة الإقتراض المالي الممارسة منذ التسعينات حتى اليوم. إنطلاقاً من ذلك فإن برنامجنا سيركز على تامين موازين قوى شعبية قادرة على حماية السلم الأهلي إنطلاقاً من فهم أن السلم الأهلي أصبح مقترناً إلى حد كبير بالقدرة على تغيير النظام الطائفي في لبنان. وكذلك من موقع التصدي للمشروع الأميركي على قاعدة أن هذا المشروع شكل على الدوام هو والوجود الإسرائيلي الخطر على وحدة لبنان واستقراره. وبان النظام الطائفي هو المسؤول دوماً عن تحويل المقاومة إلى قضية خلافية، والعمالة إلى وجهة نظر، يمكن المساومة معها في إطار حكومة واحدة من قبل البعض. وإحدى المهام الأساسية أمام هذا التحالف ستكون حتماً التصدي الديمقراطي والشعبي للسياسات الإقتصادية المقرة وبشكل خاص لمحاولة استكمال بلع وبيع القطاع العام وثروات الوطن والشعب.