من التوسع الاستعماري الى الامبريالية الجديدة طباعة ارسال لصديق
غالب ابو مصلح   

Imageعدم الاستقرار كان السمة الوحيدة الدائمة للراسمالية منذ ماركس

يعرف بول سويزي الرأسمالية فيقول: «الرأسمالية هي نظام عالمي تمتد جذوره إلى اواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر، عندما انطلق الاوروبيون من زاويتهم الضيقة في الكرة الارضية، وعند اتقانهم الإبحار لمسافات طويلة، فتجولوا في البحار السبع، قاهرين ومخربين ومتاجرين. ومنذ ذلك الحين تكونت الرأسمالية في قسمين واضحين ومتناقضين. من جهة، هناك حفنة من الدول المسيطرة المستغِلة، ومن جهة اخرى هناك الدول الخاضعة والمستغَلَّة. والاثنتان مرتبطتان بقوة، ولا شيء يجري في ناحية منهما، يمكن فهمه، بتجريده واخراجه من النظام الكلي».1


فمنذ البداية، يقول سويزي، تقدمت الراسمالية عبر اخضاع وتخريب واستغلال البلدان الاجنبية. وكانت النتيجة، نقل الثروة من الاطراف الى المراكز الراسمالية، واعادة تنظيم الاطراف كأجرام تدور حول المراكز وتعتمد عليها. ومن ناحية اخرى مراكمة الموارد الضرورية لإطلاق التنمية في المراكز الراسمالية المهيمنة. وحيث كان النظام السائد في الاطراف، لا يتلاءم مع هذه العلاقة الجديدة، تم تدمير النظام السائد، وبنتائج كارثية على السكان الاصليين.

 


الرأسمالية: جرائم ضد الإنسانية


في اثر البوارج المدججة بالسلاح والبنادق، تدفق التجار والمصرفيون والاداريون «كل هؤلاء الذين جعلوا همهم تحويل المستعمرات واشباه المستعمرات الى موارد لا تنضب من الارباح للمراكز الراسمالية المستعمرة. (ونتيجة لجهود كل هؤلاء) اصبحت الاطراف مختصةً في انتاج المواد الخام التي يحتاجها المركز، ولتأمين سوق السلع الصناعية، التي يحتاجها المركز ايضاً... وبالتالي فإن تخلف الاطراف قد استقر واستمر وتعمق، بينما تم تمكبن المركز من التطور، بمساعدة الثروة التي تم امتصاصها من الاطراف».
ويقول إريك ويليامز، الذي كان رئيساً لوزراء ترينيداد وتوباغو، في كتابه «الرأسمالية والعبودية»
(Capitalism and Slavery) إن الثورة الصناعية في بريطانيا تم تمويلها من الارباح المباشرة وغير المباشرة لتجارة الرقيق الاسود في جزر الهند الغربية.2
فتاريخ العالم الحديث هو الى حد بعيد تاريخ تطور الراسمالية. وتاريخ الراسمالية هو تاريخ التوسع والسيطرة الغربية، تاريخ استباحة شعوب العالم وخيراتها وتسخيرها بشكل وحشي لتسريع التراكم الراسمالي وتوسيع وتعميق السيطرة الغربية، مع ارتكاب ابشع الجرائم ضد الانسانية. ارتكاب جرائم ابادة الشعوب ونهب خيراتها واستعبادها وافقارها، وتسخيرها لخدمة الدول الراسمالية الغربية.Image
يعيد الؤرخون ظهور الراسمالية كنظام، الى تاريخ ظهور الدولة الحديثة، تاريخ صلح وستفاليا سنة 1648، حيث تم الاعتراف بسيادة الحكومات على ارضها، وان لا مؤسسة داخل حدودها تخرج عن سلتطها وحكمها. فقد بدأ انتقال مراكز الثروة في ذلك الحين من الريف الذي يسيطر عليه النبلاء، الى المدن التي يسيطر عليها الملوك، حيث تنمو طبقة من التجار تغذي خزائن الملوك بواسطة الضرائب على التجارة، وحيث تشتري طبقة التجار المراكز البيروقراطية في الدولة الصاعدة، حيث كان يتم بيع المراكز الادارية لمن يدفع الثمن الاكبر.3
لم يسيطر الغرب على العالم، كما ذكرنا، بسمو افكاره وقيمه بل بتفوقه في استعمال العنف المنظّم، كما يقول سامويل هنتينغتون. وارتبط تطور القدرات العسكرية الاوروبية، بالصراعات المستمرة بين الكيانات السياسية الاوروبية، الساعي كل منها الى التفوق العسكري، منذ أواسط القرن السابع عشر بشكل خاص. فتاريخ اوروبا حتى الحرب العالمية الثانية، هو تاريخ الحروب المستمرة بين الدول الاوروبية القوية. وكان تطور تقنيات السلاح، يقود التطور العلمي والتقاني. وكذلك، فإن تنظيمات الجيوش الاوروبية، وتطور التقنيات العسكرية، انعكس على تطور تنظيم جهاز الدولة والمجتمع وتطور الاسواق المالية الاوروبية ومؤسساتها وبضائعها. فتطور هذه الاسواق ارتبط الى حد بعيد، بحاجات الدول لتمويل الحروب. وكانت كلفة الحروب تتصاعد باستمرار مع التطورات التقنية والعلمية للأسلحة والذخائر. وبذلك كانت الحاجة الى الاقتراض إبان الحروب ترتفع بمعدلات كبيرة، لا تستطيع واردات الدولة مهما كبرت، على تغطيتها، وكان لا بد من تطوير الاسواق المالية لتامين هذا الاقراض. بكلام آخر، كانت الحروب وما زالت الى حد بعيد، تشكل قاطرة التقدم العلمي والتقني في الحضارة الرأسمالية الغربية بشكل خاص. وكان استعمال العنف المنظم المجرد من جميع القيم والروادع الاخلاقية والانسانية، السبب الاساسي في قدرة الغرب على السيطرة على العالم. ففي سنة 1800 كان الاوروبيون يحتلون 35 في المئة من مساحات اليابسة في العالم. وفي سنة 1878 اصبحوا يحتلون 67 في المئة من العالم. وارتفعت هذه النسبة الى 84 في المئة قبل الحرب العالمية الاولى.
يقول بول كينيدي، ان التحسينات في تذخير البندقية كان لها اثر هائل في نمو القدرات القتالية للجيوش الغربية. ومع ظهور المدفع الرشاش، الذي سرع اطلاق النار بمعدلات كبيرة، وتقنيات المدفعية ومدفعية الميدان الخفبفة بشكل خاص، تم وضع اللمسات الاخيرة لثورة «القدرة النارية»، والتي ازالت فرصة المقاومة الناجحة من قبل السكان الاصليين. أكثر من ذلك، إن ظهور السفينة الحربية البخارية، اظهرت ان قوة البحرية الاوروبية، وهي الاقوى في البحار، يمكن ان تتقدم وتفرض سيطرتها على البر، عبر القنوات المائية الصالحة للإبحار، مثل انهر النيجر والهندوس ويانغ تسي في الصين. فقد كانت البارجة الاميركية «Nemesis» خلال حروب الافيون 1841 - 1842، كارثة على المدافعين الصينيين. وفي معركة أم درمان (احتلال السودان من قبل بريطانيا(، وبسبب اسلحة جيش «كتشنر» الرشاشة الاكثر تطوراً
(Lee Enfield & Maxims)، تمت ابادة 11 الف من الدراويش السودانيين المدافعين مقابل خسارة 45 جندياَ بريطانياَ خلال نصف ساعات الصباح.4
قبل القرن الثامن عشر كان مستوى انتاج الدول التي تسمى اليوم متخلفة، اعلى منه في اوروبا. ففي القرن التاسع عشر وحتى سنة 1820 كانت الدول المسماة متخلفة أو نامية، تنتج 80 في المئة من الناتج العالمي. ولكن انتاجيتها انخفضت الى 40 في المئة من الناتج العالمي عند بداية القرن العشرين، وذلك حسب تقديرات المؤرخ الاقتصادي «Angus Maddison». ولم يكن هذا الانقلاب السريع في الانتاجية نتيجة نمو القدرات التنافسية الغربية، والتي ولدتها الثورة الصناعية فقط، بل بشكل أساسي نتيجة القهر الاستعماري والسياسات الظالمة، وتحطيم القدرات الانتاجية لتلك الدول بشتى الوسائل. يقول ماكدوف: «إن انماط التجارة ما قبل الراسمالية حول العالم لم تحطمها قوى السوق التي لا تقهر، بل القوى العسكرية المتفوقة، التي ارست اسس تغيير انماط التجارة التقليدية، وحولتها الى سوق عالمية متمحورة حول حاجات ومصالح القوى الغربية».5 ففي تلك المرحلة الاستعمارية، وقبل نضوج النظام الراسمالي، كان من مصلحة صناعة النسيج البريطانية مثلاَ، تحطيم صناعة النسيج الهندية بشتى السياسات، لتنمو صناعة النسيج البريطانية، وتكتسب مزايا اقتصادات الحجم. وبعد ان تمت السيطرة على السوق الهندية من قبل منتجات «لنكا شاير» البريطانية، وتم تدمير حرفيي الهند، انحدرت السوق الهندية وضاقت على الصعيد الاقتصادي.6 وكما يقول لينين، فقد نمت الراسمالية لتصبح نظاماً عالمياً للقهر، ولخنق غالبية سكان العالم مالياً، من قبل حفنة من الدول المتقدمة.

 

الهيمنة الاستعمارية باب الرأسمالية

 


ولكن علاقة القهر والاستبداد والنهب المنهجي، الذي مارسته القوى الاستعمارية الغربية لا يغيّب ثورية النظام الراسمالي، وقدراته الهائلة على تجاوز انماط الانتاج السابقة للراسمالية ليس في المراكز فقط، بل ايضاَ والى حد ما، في الاطراف. كما لا يغيّب دينامية هذا النظام المتغير دائماًَ، ليس على الصعيد المادي فقط، اي على صعيد تطوير وتغيير تقنيات الانتاج، بل ايضاً على إحداث تغييرات عميقة ونوعية على الصعيد الاجتماعي والعلاقات الاجتماعية، كما على صعيد اخلاقيات المجتمع وانماط معيشته.
إن الانتقال من اقتصاد حِرفي يعتمد على مهارة الصانع وتقسيم العمل بين الحرفيين بغية رفع الانتاجية، الى انتاج صناعي حيث يأخذ الراسمالي صاحب الثروة المادية السائلة، أداة الانتاج من يد العامل، ويضعها في الآلة، يمثل جوهر الانتقال التاريخي الى الراسمالية الصناعية، ويعبر عن فحوى الثورة الصناعية التي حولت النظام الراسمالي من مجتمع محافظ نسبياً، ومقاوم للتغيير، الى مجتمع دينامي يرفض الاستقرار كما يقول ماركس. Image
وفي ظل الهيمنة الاستعمارية، كما راينا، نما النظام الراسمالي، لا ليولّد تناقضات حادة وصراعاً مستمراً بين الراسمال والقوى العاملة في دول المراكز الراسمالية فقط، بل والاهم من ذلك، فقد ولّد ثنائية تناقضية بين دول المركز والاطراف، أو بما يسمى دول الشمال ودول الجنوب، وعلى اساس تقسيم عالمي للعمل، يتمثل في نمط من النمو والتخلف، من يملكون ومن لا يملكون، وعلى نطاق اوسع من انقسام البرجوازية/البلوريتارية في الدول الصناعية المتقدمة.
ونتيجة لنمو وعي الطبقة العاملة واتساع تنظيماتها، ونمو ضغوطاتها على النظم الراسمالية الصناعية، عمدت هذه النظم، ومنذ ايام بسمارك، الى اعطاء الطبقات العاملة الكثير من حقوقها ومن الضمانات الاجتماعية لامتصاص ثوريتها، ومن اجل خلق مجتمع اكثر «استقراراً» وتماسكاً، يستطيع التوجه بشكل اكثر كفاءة نحو التوسع الاستعماري، وليكون الاقدر على هذا التوسع بين الدول الراسمالية. وبالتالي، اخذ التناقض الاساسي والصدامي ينتقل تدريجياً من داخل المجتمعات الراسمالية الصناعية الى الخارج.  وعندما تفجر الصراع بين حركات التحرر الوطني في اطراف النظام الراسمالي العالمي من ناحية والدول الاستعمارية المركزية من ناحية ثانية، بعد الحرب العالمية الثانية، وجدنا الطبقات العاملة في بلدان المراكز الصناعية تقف بشكل قوي وراء دولها وانظمتها الممثلة للطبقات الراسمالية، ضد حركات التحرر الوطني. فقد فقدت هذه الطبقات العاملة ثوريتها، واصبحت خادمة للطبقات الراسمالية في دولها المركزية. فقد تم طرح سؤال مهم في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، عندما لاحظ معظم المفكرين اليساريين فقدان الطبقات العاملة في دول المراكز الراسمالية، لثوريتها: هل تستطيع حركات التحرر الصاعدة في دول الاطراف، اعادة تثوير الطبقات العاملة في المراكز الراسمالية؟ وكان الجواب التاريخي على هذا السؤال بالنفي حتى الآن. ثم إن تطور الآلات والتقنيات المتقدمة الأخرى في حقول الصناعة والمواصلات والإتصالات، جعل من الممكن والضروري التوسع المستمر في حجم وحدة الإنتاج الرأسمالي، وإحلال الشركات الكبرى المساهمة «Corporations» مكان الرأسمالي الصناعي الفرد.
إن تكاثف وتمركز وتحول الشركات إلى شركات مساهمة، بدأ جديا في الثلث الأخير من القرن العشرين، وهو يتطور منذ ذلك التاريخ. وبحلول سنة 1962، أصبحت أكبر مئة شركة مساهمة صناعية تسيطر على 58 في المئة من الأرض والبناء والمعدات المستعملة في الصناعة. والحالة نفسها موجودة في بقية الدول الصناعية الكبرى.7


عثرات الرأسمالية

 


لم تكن مسيرة النظام الرأسمالي التاريخية مستوية وسهلة، دون الكثير من العثرات والأزمات الإقتصادية والإجتماعية والسياسية الحادة. بل إن الأزمات الدورية والبنيوية لازمت تطور النظام في دول المركز، وانعكست هذه الأزمات على دول الأطراف. كان هذا النظام يتجاوز أزماته عبر متغيرات تقنية وعلمية جديدة، أحدثت قفزات في الإنتاجية وتغييرات في أنماط الحياة، مثل ابتكار آلة حلج القطن، والسفن البخارية، والطاقة الكهربائية، والقطارات، والسيارة، وتقنيات الحواسيب والإتصالات الحديثة، كما بإحداث تغييرات عميقة في دور الدولة وتنظيم المجتمع، وإعطاء الطبقات العاملة في دول المراكز الرأسمالية الصناعية الكثير من حقوقها، لإجهاض تطلعاتها وحراكها الثوري.
وكانت ألمانيا في عهد بسمارك على شفير ثورة عمالية، إذ عصفت بها أزمات النظام الرأسمالي، الدورية والبنيوية، فشهدت معدلات مرتفعة من البطالة والإضطرابات الإجتماعية، وفشلا لكثير من الأعمال. وكان رد بسمارك على ذلك بـ«العقد الإجتماعي»، والذي فتح صفحة جديدة في تاريخ النظام الرأسمالي. فقد وعد بسمارك ووزراؤه كل شخص بمكان له في النظام الإجتماعي، بهدف تحقيق السلم الأهلي وتجاوز الصراعات الطبقية الحادة. وواكب ذلك تأجيج الكره لبريطانيا، المعادية للتوسع الإستعماري الألماني، بغية تحويل غضب الطبقة العاملة إلى الخارج. وكان الهدف الأساسي هو إحتواء الصراعات الإجتماعية الداخلية في ألمانيا.
فالبنية التي وضعها بسمارك للرأسمالية الإجتماعية كان من أهم مميزاتها «الوقت المنظم». فجميع العلاقات الإجتماعية تأخذ وقتا لتنمو وتترسخ في أذهان الجماهير. إنها قصة حياة، حيث يكون للفرد أهمية بالنسبة للآخرين. ويحتاج ذلك إلى مؤسسة يعيش فيها حياته كلها، مطمئنا إلى دوام عمله ودخله، وإلى نمو هذا الدخل في المستقبل. ومع هذا التنظيم للإقتصاد والمجتمع، إنتشرت الرأسمالية الإجتماعية، وتم إحتواء التيارات الثورية العمالية، كما الصراعات الإجتماعية إلى حد كبير. وحقق قطاع الأعمال في ألمانيا إستقرارا وإرتفاعا في معدلات الأرباح، كما يقول جوزيف شومبيتر، وما زالت القوانين والأنظمة التي وضعها بسمارك سارية المفعول بمعظمها حتى الآن.


«الصفقة الجديدة» الأميركية


وما صنعه بسمارك في ألمانيا تكرر إلى حد ما في الولايات المتحدة بعد الركود الكبير الذي بدأ في سنة 1929، وإمتد لعقد من الزمن، بغية إحتواء ثورية القوى العاملة الأميركية، التي إرتفعت نقمتها بسبب تنامي البطالة والجوع والتهميش والظلم الإجتماعي، فكانت «الصفقة الجديدة» «The New Deal»، التي أعطت القوى العاملة، لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة، بعض حقوقها وبعض الضمانات الإجتماعية.
هدفت الصفقة الجديدة إلى إعادة إنعاش قطاع الأعمال، عبر قانون إعادة إنعاش الصناعات القومية الجامع، في حزيران 1933. فقد أعطيت الصناعة دعما حكوميا من أجل نمو الإنفاق لتثبيت الطلب على الإنتاج ومنع خفض الأسعار. وأعطي العمال حماية أجورهم وساعات عملهم، والحق في المساومة الجماعية عبر النقابات العمالية التي تم تشجيعها. وتم أيضا رفع إنفاق القطاع العام، عبر مشاريع تتطلب أعدادا كبيرة من اليد العاملة، بغية ضخ الأموال في الإقتصاد، ورفع الطلب الداخلي، وزيادة القدرة الشرائية، مع إرتفاع الأسعار والأجور. وتم سن العديد من القوانين لمساعدة المزارعين وأصحاب المنازل المرهونة، المهددين بخسارة ملكياتهم. فخلال سنة 1933، تم توظيف 4 ملايين عامل في مشاريع الأشغال العامة، بتمويل من الحكومة الفيدرالية. وتم سن قانون «Glass Steagel Act»، الذي بنى المؤسسة الفيدرالية للتأمين على الودائع الصغيرة.
وأتت «الصفقة الجديدة الثانية»، 1935 - 1936، في جو الضغوطات من القوى اليسارية والعمالية، وبعداء شديد من اليمين، فتحولت الصفقة الجديدة أكثر وأكثر نحو اليسار. ونظر اليمين المحافظ إلى هذه الصفقة على أنها تهدد حقوق الولايات وحرية الأعمال والسوق الحرة المفتوحة. كما أقر روزفلت قانون إصلاح ضرائبي، سمته الصحافة المسيطر عليها من قبل اليمين المحافظ، قانون «شفط الأغنياء». وكان لهذا القانون الضرائبي وقع ثقيل على الشركات المساهمة الكبيرة وعلى الأثرياء. فللمرة الأولى في تاريخ الولايات المتحدة، حملت الحكومة الفيدرالية مسؤولية الأمن الإجتماعي للمواطنين. فقد سادت الرؤية الكينزية بين فريق عمل روزفلت دون أن يتبنى هو شخصيا الرؤية الكينزية للإقتصاد والمجتمع.
ولكن، وإبان الحرب العالمية الثانية حيث إنتعش الإقتصاد، إنقض اليمين المحافظ على النقابات العمالية، بمساعدة المافيا، ليحد كثيرا من سلطتها وقدرتها على المساومة الجماعية. ثم أتت الماكارثية في أعقاب الحرب، لتشن حملة إرهاب عشوائي على اليسار الصاعد، وتعيد الولايات المتحدة إلى انتهاج سياسات يمينية متشددة، لم تستطع إجتثاث ما حققته الصفقة الجديدة، وحتى بداية الثمانينات، حيث حلت الليبرالية الجديدة مكان الكينزية، بإشراف المحافظين الجدد، الذين ألغوا الكثير من مكتسبات «الصفقة الجديدة» على جميع الصعد.
بشكل عام، إنبثق النظام الرأسمالي الجديد بعد الحرب العالمية الثانية. وتعززت دولة الرعاية في ظل سيادة الفكر الكينزي، الذي وضع على عاتق الدولة وأجهزتها دورا كبيرا، إقتصاديا وإجتماعيا، على صعيد التدخل في السوق، التي لا تستطيع آلياتها المنفلتة من تحقيق الإستقرار والعدالة النسبية في توزيع الناتج المحلي والتخفيف من حدة الدورات الإقتصادية والخروج منها بأسرع وقت ممكن، وبأقل الأضرار الإقتصادية والإجتماعية. كما وضع النظام الرأسمالي الجديد على عاتق الدولة، تنظيم العطاءات والضمانات الإجتماعية وتمويل جزء كبير منها لتضييق الفروقات الطبقية وتحقيق الإستقرار الإجتماعي. كما تم تطوير نهج وسياسات مالية ذات وقع كبير، في مجال إعادة توزيع الناتج القومي لمصلحة الطبقات الإجتماعية الأضعف في المجتمع.


مأزق الرأسمالية


وكان لقيام الإتحاد السوفياتي وتوسعه بعد الحرب العالمية الثانية، وكذلك لتوسيع المعسكر الإشتراكي، الذي مثل قيامه بديلا للنظام الرأسمالي، أثرا كبيرا على قيام دولة الرعاية في الدول الرأسمالية الصناعية، ولإعطاء القوى العاملة فيها الكثير من الحقوق والضمانات الإجتماعية. وبدى أن ذلك العصر، من الخمسينات إلى السبعينات، كانت سمته الأساسية التحول إلى الإشتراكية.
ومع إعادة بناء القدرات الإنتاجية لدول أوروبا الغربية واليابان، ظهر أن النظام السياسي والإقتصادي الذي وضعته الولايات المتحدة وحلفاؤها الأساسيون المنتصرون في الحرب العالمية الثانية - والذي بقي الإتحاد السوفياتي خارج أطره ومؤسساته الإقتصادية - بدأ يدخل في أزمة بنيوية بعد منتصف الستينات من القرن الماضي. وكان النظام النقدي هذا يخضع لمقياس الذهب، إذ تم ربط سعر الدولار بكمية ثابتة من الذهب، وربطت بقية العملات بالدولار، مع حق إبدالها بالذهب من «بحيرة الذهب» التي تم إنشاؤها من قبل الدول غير الإشتراكية، ومركزها الولايات المتحدة. فقد تم تجميع الذهب في «فورت نوكس». وشكل الدولار بالتالي العملة العالمية الأساسية، وجعل من الولايات المتحدة الملاذ الأخير للدول الرأسمالية، ومصرفا مركزيا لكافة المصارف المركزية والحكومات في العالم الرأسمالي. ونجح هذا النظام في خلق إستقرار نقدي عالمي، ساعد كثيرا على تمكين الدول الرأسمالية الأساسية الدائرة في الفلك الأميركي من إستعادة قدراتها الإنتاجية والتنافسية، بعد الدمار الكبير الذي أصابها إبان الحرب العالمية الثانية.
لم يكن الإرتكاز إلى مقياس الذهب في النظام النقدي العالمي، أمرا مستحدثا من قبل الولايات المتحدة الأميركية. بل إن هذا النظام تم إتباعه من قبل الإمبراطورية البريطانية منذ القرن التاسع عشر، حين كان لبريطانيا قدرات إقتصادية وعسكرية، مثل التي كانت للولايات المتحدة بعد الحرب العالمية الثانية. كان الإقتصاد البريطاني يتمتع بفائض كبير في ميزان الحساب الجاري، وكان بالتالي قادرا على الصمود والحفاظ على هذا النظام في حالات الركود أو الإنكماش الإقتصادي. ولكن عندما فقدت بريطانيا تفوقها وقيادتها الإقتصادية في العالم، وأخذت تعاني من مصاعب كثيرة على صعيد ميزان حساب المدفوعات الجاري، وأخذ إقتصادها بالضمور النسبي، وانخفض نصيبها من الناتج العالمي الصناعي وغير الصناعي، كما نصيبها من التجارة العالمية، إنهار النظام النقدي الذي كانت ترعاه، وتم إسقاط نظام مقياس الذهب، وبما أن الإقتصاد الأميركي ما زال الأكبر في العالم، وما زالت السوق الأميركية الأوسع أيضا، فإن مأزقها تحول إلى مأزق عالمي، بل إلى مأزق النظام الرأسمالي العالمي في مرحلته الأكثر إحتكارية وعولمة. وأدى هذا المأزق إلى تغييرات عميقة على صعيد هذا النظام. فمع تحول ميزان المدفوعات الجاري في الولايات المتحدة من تحقيق فوائض كبيرة إلى تحقيق عجوزات متصاعدة، بدأت أزمة حقيقية وعميقة في بنية نظام بريتون وودز. كان هذا النظام يعطي الولايات المتحدة إمتيازا كبيرا يتمثل في قدرتها على سد عجز ميزان المدفوعات الجاري بعملتها الخاصة، ودون تحويل موجودات من الذهب أو العملات الصعبة إلى الخارج. بل كانت وما زالت إلى حد ما تمول إستثماراتها في الخارج بـ«طبع» دولارات تستمر في الدوران في السوق العالمية، ولا تعود إليها. ففي 4 شباط 1965، شن الجنرال ديغول، رئيس الجمهورية الفرنسية في ذلك الحين، خلال مؤتمر صحافي، هجوما عنيفا على إتفاقيات بريتون وودز، قائلا إن نظام الدولار يعطي الولايات المتحدة «إمتيازا إبتزازيا»، إذ إنه يمكنها من تمويل عجز ميزان مدفوعاتها بعملتها المحلية، بالدولار، ودون خسارة إحتياطات من العملات الصعبة أو الذهب. وعند نهاية الستينات، ساد الإعتقاد أن الولايات المتحدة كانت تصدر التضخم إلى العالم، من خلال تصدير الدولارات إلى الخارج، خاصة في ألمانيا، حيث الحساسية من التضخم مرتفعة جداً.8
وإنفجرت أزمة الذهب الحادة في سنة 1968، بسبب خفض سعر صرف الجنيه الإسترليني، الذي ولّد الكثير من الشكوك حول إستقرار سعر صرف العملات الرئيسية في العالم. ولّد ذلك طلبا كبيرا على الذهب، فتحول قسم كبير من إحتياطات الذهب الرسمي إلى القطاع الخاص، عبر «بحيرة الذهب» المكونة بشكل أساسي في الولايات المتحدة. أدى ذلك إلى امتناع الولايات المتحدة عن بيع الذهب إلى القطاع الخاص بسعر 35$ للأونصة، كما كان محددا في إتفاقية بريتون وودز، وتم الإبقاء على هذا السعر للقطاع العام فقط.
وبغية تخفيض عجز ميزان مدفوعاتها، عمدت الولايات المتحدة إلى ممارسة ضغوطات كبيرة على الدول التي تسجل فوائض كبيرة في ميزان مدفوعاتها معها، وخاصة اليابان وألمانيا الغربية.
وفي 15 آب 1971، أسقطت إدارة نيكسون حق إستبدال الدولار بالذهب. وشكل ذلك نكثا بالتزامات وتعهدات دولية وضعتها الولايات المتحدة نفسها. فقد أصبحت بحيرة الذهب لديها لا تكفي لتغطية جزء من دولاراتها العائمة في العالم، والتي يمكن أن تتحول إلى طلب على الذهب. فقد أخذت بحيرة الذهب لديها بالجفاف. وفي اجتماع لندن، قال «كونالي»، وزير المالية الأميركية: «ربما كان الدولار عملتنا، لكنه مشكلتكم.» ويعلق فولكر على ذلك قائلا: «في ذلك الوقت، لم يكن شركاؤنا التجاريون مستعدين لقبول ما رأيناه مطلوبا: إيقاف خروج الدولار الذي كان يسعدهم. كان من الضروري إحداث تغيير كبير في أسعار الصرف، وتحرير تجاري من قبلهم، ومساعدات أكبر في كلفة دفاعاتنا ما وراء البحار».9
وعمدت إدارة نيكسون، وإدراكا منها لشمولية الأزمة الإقتصادية الأميركية، إلى تجميد الأجور والأسعار، وإلى تخفيض الضرائب والإنفاق العام، ووضع ضريبة على الواردات يمكن مقايضتها بسعر صرف جديد للدولار.
وفي أوائل 1973، تم تبني سعر الصرف العائم للعملات بدل إبقاء أسعار الصرف حول سعر مركزي، هو الدولار المرتبط بالذهب. وبذلك، تم الإنتقال إلى اللانظام النقدي العالمي مجددا، والذي صعّد المضاربات على العملات حول العالم، وأجبر دول العالم على رفع معدلات إحتياطاتها من العملات الأجنبية، وخاصة من الدولار، لتتمكن من تأمين إستقرار إقتصاداتها، وحمايتها من موجات المضاربات الحادة، حين تلوح بوادر ضعف في إقتصاداتها، وخاصة في مدفوعاتها الخارجية.
ولكن سياسة خفض سعر صرف الدولار، ورفع سعر صرف العملات الرئيسية الأخرى، لم تحل المشكلة المالية والنقدية الأميركية. فالمشكلة كانت أعمق من ذلك بكثير. ثم عمدت الولايات المتحدة إلى طلب تنسيق السياسيات الإقتصادية والمالية مع الدول الصناعية الرئيسية الأخرى، وخاصة مع اليابان وألمانيا الغربية. وتلزم سياسات التنسيق التي تم الإتفاق عليها الدول على اتباع سياسات إقتصادية مبنية على إستشارات دولية، وهذه السياسات ستكون مختلفة عن السياسات التي يمكن أن تتخذها تلك الدول لولا «التنسيق»، كما يقول فولكر. ولكن سياسات التنسيق تلك لم تستطع تصحيح ميزان المدفوعات الأميركي الذي استمر عجزه بالتنامي، وكان لا بد من إدخال تغييرات أكبر وأشمل على صعيد النظام الرأسمالي العالمي الذي تقوده الولايات المتحدة الأميركية. بكلام آخر، كان لا بد من إحداث تغييرات أساسية في بنية النظام الرأسمالي ليتجاوز أزمته.


المراجع :  

                                                                                                 1Sweezy, paul M., Modern Capitalism, Modern reader, NewYork and    London 1972, p5.
 2Sweezy, ob.sit, p.20 - 21    
 3Replay, John, The new middle ages, Foreign affairs, May-June 2006.  4Kennedy P., ob.sit, p.150
 5Magdoff, Harry. Studies in the theory of imperialism, Imperialism without colonies. Edited by Roger Owen & Bob Sutcliffe, Longman House, Burnt Mill, Harlow Essex U.K. 1972, p.145
 6Michael Barrat Brown, Studies in theories of Imperialism. A critic of Marxist theories of Imperialism. Ob.sit, p.45
 7Ibid, p.7
 8Sennet, Richard. The Culture of The New Capitalism, Yale University Press, New Haven and London, 2006 p.19
 9Volcker, Paul and Gyoten, Toyo. Changing Fortunes. The World’s Money and The Threat to American Leadership. Times Books, 1992, p.43
 
< السابق   التالى >