نحو حروب غير مقدّسة ولا نهاية لها طباعة ارسال لصديق
عبد الرحمن بيضون   

مثلث الأزمات الجديد: جنوب آسيا - القرن الإفريقي - شبه الجزيرة العربية

ماذا يعني تمدّد الحركات العنفية الراديكالية من الصومال وأفغانستان وباكستان إلى اليمن؟
أمر واحد: فشل الاستراتيجية الأميركية - الأطلسية في تصفية هذه الحركات بعنف مضاد، أو بالأحرى بالعنف المضاد وحده.
أفغانستان توفّر دليلاً حسياً قوياً على ذلك. إذ استطاعت منظمة طالبان، التي توصف بأنها «قروسطية»، الصمود في وجه أعتى حلف عسكري في التاريخ (حلف شمال الأطلسي) كان يُعد خلال الحرب الباردة لالحاق الهزيمة العسكرية بدولة عظمى. وهي فعلت ذلك ليس فقط بسبب قوة العصبية القَبَلِية الباشتونية، بل أولاً وأساساً لأن الغرب فشل في تسهيل ولادة دولة - أمة أفغانية تحظى برضى وموافقة غالبية الشعب الأفغاني على المستويين الوطني والاقتصادي.

باكستان دليل آخر. فطالبان الباكستانية لم تكن لتقوم لها قائمة في تلك الدولة النووية لولا اهمال المناطق الحدودية القبلية المُفقَرَة، فيما كانت مئات ملايين الدولارات من المساعدات الأميركية تتدفق على حكومة إسلام أباد لـ«شراء» تعاونها في حرب أفغانستان. والآن، وعلى رغم كل جهود الجيشين الضخمين الباكستاني والأميركي، تبدو طالبان الباكستانية في موقع لا يقل قوة عن شقيقتها الأفغانية.

Image 


أما الصومال فهو فيلم وثائقي حي عن الطريقة التي يمكن فيها للعنف أن يولد وينمو ويترعرع في كنف ثالوث الفقر وفقدان الأمل والدولة الفاشلة.
في كل هذه الحالات الثلاث كان ثمة تظلمات لم يستمع أحد إلى صرخاتها، وأوضاع اقتصادية - اجتماعية لم تعالج، وفساد سياسي وإداري يتغذى من خزائن وكالات الاستخبارات الغربية. وفوق هذا وذاك، كان العنف العسكري الغربي يطال في الدرجة الأولى المدنيين في هذه البلدان، فيوفّر بذلك أرضاً خصبة لجذب تجنيد شبان جدد في الحركات العنفية.
والآن جاء دور اليمن الذي به سيكتمل قوس أزمة أمنية كبرى تطال مثلث جنوب  آسيا - القرن الإفريقي - شبه الجزيرة العربية برمته. وكما حدث مع الدول الثلاث أعلاه، يُرجح أن تُكرر القوى الأطلسية لعبة دعم الحكومة اليمنية لمواجهة تنظيم القاعدة وحلفائه، وتتجاهل العوامل الحقيقية التي جعلت اليمن ما هو عليه حالياً: دولة فاشلة تشكّل مرتعاً ممتازاً للعنف على أنواعه.
إلى متى يمكن أن يستمر هذا اللعب الغربي بنار الحروب غير المقدسة هذه؟
طالما أن وتائر العنف لاتزال قصراً على خطف طائرة من هنا ونسف سفارة من هناك، سيكون الغرب راضياً بأن «يتسلى» بحروبه العسكرية والاستخبارية مع الحركات الراديكالية، طالما أن هذه الأخيرة لن تستطيع تغيير موازين القوى معه قيد أنملة (خبير أطلسي وصفها بأنها ذبابات مزعجة على جسد ديناصور).
بيد أن الصورة قد تنقلب رأساً على عقب إذا ما انتقلت بعض المنظمات العنفية من الأسلحة التقليدية إلى أسلحة الدمار الشامل الكيماوية والبيولوجية أو حتى النووية. إذ حينذاك سيكون الغرب أمام أحد خيارين: إما تدمير الدول التي انطلقت منها هذه العمليات بأسلحة الدمار الشامل نفسها، ما سيعني تدفيع عشرات ملايين الأشخاص ثمن خطايا حفنة أشخاص قد لا يتجاوز عددهم العشرة أو العشرين (كما حدث في 11 أيلول/سبتمبر)، أو تركيز الجهود على معالجة الجذور الاقتصادية والوطنية والثقافية للعنف.
على أي الخيارين قد تقع قرعة الغرب حينذاك؟
في ضوء السياسات الغربية الراهنة، لا أحد يجرؤ حتى على التفكير بالرد!


العولمة والعنف


هذه نقطة.
وثمة نقطة ثانية لاتقل أهمية، تتعلق بطبيعة إطلالة الغرب وإمبراطورية العولمة على المشاكل في اليمن وقوس الأزمات هذا.
فالاسرة الدولية لم تحرّك ساكناً، طالما كان اليمنيون يقتلون اليمنيين، والفقراء يذبحون المُفقرين، وطالما أن كل الفظائع ترتكب داخل القفص اليمني.
لكن، ما أن مُسّت شعرة واحدة من الرأس الغربي خلال محاولة اختطاف الطائرة إلى ديترويت، حتى ملأ الضجيج الكاسح العالم بأسره. فتداعت الدول الغربية إلى عقد مؤتمر طاريء حول اليمن في لندن، وأكد الرئيس الأميركي أوباما أنه، كما ديك تشيني وجورج بوش، لا يقل «حربجية» عن عتاة الصقور الجمهوريين، وبدأ الحديث عن مرحلة جديدة من الحرب العالمية ضد الإرهاب.

Image
هذه كانت العولمة قيد التنفيذ. لكنها عولمة من نوع خاص للغاية. إذ ليس فيها سوى عين واحدة لترى شيئاً واحدا: المصالح الرأسمالية الغربية التي من أجلها يكون إعلان الحرب وشنّها كشربة ماء.
هي عولمة عوراء إلى درجة أنها تنسى أن أمن اقتصادياتها بات مرتبطاً أشد الارتباط بأمن أو لا أمن دول فقيرة كاليمن والصومال وأفغانستان وباكستان، وأن الحرب وحدها لن تكون كافية لتأسيس نظامها العالمي الجديد.
هذه النقطة الأخيرة كان قد أكد عليها أحد أبرز منظّري البنتاغون والعولمة توماس بارنيت. فهو شدّد في دراسة بعنوان خريطة البنتاغون الجديدة: الحرب والسلام في القرن الحادي والعشرين» على أن الولايات المتحدة لاتزال تعمل على أساس ردود الفعل على الأزمات. صحيح انها تدخلت عسكرياً في حقبة التسعينيات بأكثر مما فعلت طيلة الحرب الباردة، إلا ان البنتاغون صنّف هذه التحركات تحت خانة «العمليات العسكرية» لا تحت خانة «الحرب»، وكأنه يريد ان يقول انها لا معنى إستراتيجياً لها. وهذا غير صحيح، برأي الكاتب. فالعمليات العسكرية وحالات الانتشار الحربي تركزت في تلك الاجزاء من العالم المُستبعدة مما يسميه «مركز العولمة الفاعل». وهو يعرفّ هذا المركز كالآتي:
1 - أي  دولة او منطقة تكون فاعلة إذا ما كانت تتفاعل مع مضمون التدفقات التي تتأتى  من خلال إدماجها ما هو قومي بما هو إقتصاد عالمي (الأفكار، المال، الاعلام).
2 - أي دولة او منطقة تكون فاعلة حين تسعى الى تنسيق «قواعد حكمها الداخلي» مع الحكم العالمي الصاعد للديموقراطية، وحكم القانون، والأسواق الحرة.
3 - أي تكون «غير متصلة» (بنظام العولمة) حين تفشل في كسب ثقة الشركات متعددة الجنسيات بها. وهذا يمكن ان يحدث لأن الدولة تكون ثيوقراطية، أو معزولة جغرافياً، أو مرتبطة بالعالم عبر حكومة فاسدة.
اليمن تنطبق عليه جُل هذه المواصفات. وهو فوق ذلك يبدو في وضعية حَوَل حقيقية، حيث تركّز حكومته عيناً عسكرية على الشمال وأخرى استخبارية على الجنوب، قافزة بذلك فوق الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي تسببت بثورة الحوثيين وتمرّد الحضرموتيين.
بيد أن شيئاً من هذا لا يهم الغرب المتعولم. القاعدة هي الآن همه الوحيد. ولذلك، ومن أجل ذلك، تذكّر مؤخراً أن ثمة دولة نازفة ومتألمة على خريطة العالم اسمها اليمن وقرر مد يد العون لها. العون لمن؟ للحكومة نفسها التي تسببت اخطاؤها بكل الانهيارات الراهنة. حقاً إن هذه عولمة عوراء، وبامتياز أيضا.
هذا في اليمن. ماذا الآن عن أفغانستان وباكستان؟


أميركا المشتتة


أميركا، أغنى وأقوى دولة في العالم، انشطرت إلى أميركتين حيال ما يجب فعله في الحرب مع أفقر دولة على وجه البسيطة: أفغانستان.
وهذا شمل الإدارة والكونغرس والأمة الاميركية نفسها.

Image
ففي جانب، يقف الجمهوريون في الكونغرس بقيادة مرشح الرئاسة السابق جون ماكين، (ومعهم بعض الشيوخ الديمقراطيين) الذين يدعمون بقوة قائد القوات الأميركية - الغربية في أفغانستان الجنرال ستانلي ماكريستال في مطالبته بإرسال 30 إلى 40 ألف جندي أميركي إضافي «لحسم المعركة مع طالبان والقاعدة».
وفي الجانب الأخر، يتخندق نائب الرئيس بايدن وإلى جانبه عدد لابأس به من الشيوخ الديمقراطيين، الذين يرفضون الغوص في وحول أفغانستان، ويفضلون قصر الحرب على الطائرات بدون طيار وعلى وحدات الإستخبارات على الحدود الأفغانية - الباكستانية.
وفي منتصف الطريق بين الجانبين يبرز موقف وزير الدفاع غيتس، الذي يريد أن يشق طريقاً ثالثاً بين ماكين وبايدن، قوامه عدم قصر الحرب على «أجهزة التحكم من بعد» (كما يطالب بايدن) وفي الوقت نفسه عدم دفع عشرات آلالف الجنود إلى المعمعة (كما يريد ماكين).
اما الشعب الأميركي، فقد دلتّ كل الاستطلاعات الاخيرة على أنه منقسم هو الآخر حول هذه القضية، مع وجود غالبية تعتبر أن هذه الحرب ليست ضرورية للحفاظ على الامن القومي الأميركي.
أين الرئيس أوباما من هذه الفوضى الأميركية، التي تذكّر الكثيرين بالنقاشات الحامية حول جدوى حرب فيتنام في ستينيات القرن الماضي؟.
إنه في حيرة كاملة من أمره.
ولا عجب. فحرب أفغانستان ستكون هي الحدث الذي سيحدد ليس فقط وضعيته في التاريخ، بل أيضاً (وهذا الأهم بالنسبة إليه) مصير ولايته الثانية في البيت الأبيض.
فهو إذا ما قبل منطق نائبه بايدن ثم اندلعت أعمال إرهابية جديدة في الأرض الاميركية، فإن كيانه سيتزلزل بفعل الحملات الواسعة التي ستشن ضده وتتهمه بأنه هو المسؤول عن انكشاف الأمن القومي الأميركي، عبر تهاونه في الحرب ضد االقاعدة وطالبان.
وهو إذا ما رضخ لمطالب ماكين والعسكر، فسيغرق في مستنقع حرب لانهاية لها تؤدي بدورها إلى إفقاده الولاية الثانية، خاصة إذا ما بدأت أكياس جثث الجنود الاميركيين تتدفق على المطارات الأميركية.
ماذا إذاً؟ ماذا سيفعل؟Image
كل الدلائل خلال الأشهر القليلة الماضية كانت تشي بأن أفغانستان ستتحول بالفعل إلى بؤرة الصراع الرئيسة في الشرق الأوسط الكبير وقارة أوراسيا، خاصة في حال نفّذ أوباما وعوده بسحب القوات الاميركية بسرعة من العراق «للتركيز على حرب أفغانستان»، كما قال مراراً خلال حملاته الانتخابية.
وكل الدلائل كانت تشير أيضاً إلى أن الاستراتيجية الأميركية الجديدة في أفغانستان، ستكون محفوفة بالمخاطر، لسببين إثنين:
الأول، التعقيدات الاقليمية والدولية الضخمة التي تحيط بالأزمة الأفغانية، والتي حولّت هذه البلاد المنكوبة إلى ساحة قتال وصراع مفتوح بين العديد من القوى الخارجية.
والثاني، استمرار تردد الولايات المتحدة، حتى في ظل الإدارة الاميركية الجديدة، حيال الأسلوب الأمثل لتحقيق «النصر» في أفغانستان.
بالطبع، كلا السببين مترابطان في شكل وثيق. وكلاهما يستدعي وجود إستراتيجية أميركية عليا قادرة وحدها على الإحاطة بكل جوانب الأزمة كي تتمكن من توفير حل شامل هناك. فهل سيكون أوباما في وارد بلورة مثل هذه الاستراتيجية؟Image
سنأتي إلى هذا السؤال بعد قليل. لكن قبل ذلك فلنستعرض معاً طبيعة الصراعات الخارجية المحركة للأزمات الداخلية في أفغانستان.
إرتبط اسم أفغانستان في التاريخ بتعبير «اللعبة الكبرى» الذي استخدمه الإمبرياليون البريطانيون لوصف التنافس الروسي - الانكليزي في القرن التاسع عشر على لوحة شطرنج أفغانستان وآسيا الوسطى. بيد أن هذه اللعبة الكبرى آنذاك تضمنت أساليب صغيرة اقتصرت على عمليات استخبارية محدودة وحروب قصيرة شنت بالبنادق ومن على ظهور الخيل بين الروس والبريطانيين، ووقف خلالها الشعب الأفغاتي في صفوف المتفرجين.
والآن بعد أكثر من قرن لا تزال هذه اللعبة مستمرة، لكن عدد اللاعبين هذه المرة شهد انفجاراً كبيراً، وأصبحت بيادق اللعبة (الشعب الأفغاني) منغمسة في الصراع، وبات لهيب المعارك في هذه البلاد العصية على السيطرة تهدد بمضاعفات تمس كل قارات العالم كما أثبتت ذلك بوضوح أحداث 11 أيلول/ سبتمبر 2001 في واشنطن ونيويورك.
باكستان تعتبر اللاعب الإقليمي الرئيس في أفغانستان. والرئيس برويز مشرف دعم الغزو الاميركي لأفغانتسان العام 2001 لأنه رأى أن من مصلحته الاشتراك في الحرب ضد تنظيم القاعدة، مع مواصلة دعم حركة طالبان كورقة ضغط على أفغانستان. وقد استمر هذا الوضع لخمس سنوات إلى أن شهد صيف العام 2006 تصاعداً كبيراً في عمليات طالبان بعد أن فسرت إسلام أباد وطالبان قرار واشنطن بنقل القيادة العسكرية إلى حلف الأطلسي على انه تمهيد لسحب القوات الأميركية. هذا يوضح أسباب تصاعد أعمال العنف الطالباني في المناطق القبلية الباكستانية على الحدود، وما تبعها من عمليات كوماندوس أميركية في هذه المناطق.
بالطبع، هذا لايعني أن طالبان مجرد دمية في يد إسلام أباد، ولا يعني أن هذه الاخيرة لها الكلمة العليا الاخيرة على الأولى. كل ما في الأمر ان أجهزة الأمن الباكستانية تعيش هاجس وجود مؤامرة هندية- اميركية للسيطرة على أفغانستان، تمهيداً لتقسيم باكستان نفسها إلى دويلات متصارعة. ولذا فهي تدعم طالبان سراً لعرقلة هذه المخططات.Image
الهند هي الطرف الثاني المهم في اللعبة. فهي افتتحت قنصليات في معظم المدن الأفغانية كغطاء تعمل تحته مخابراتها العسكرية (التي يطلق عليها اسم «جناح التحليل والابحاث») لأضعاف النفوذ الباكستاني في البلاد، وهي تنفق الأموال بغزارة لدعم حكومة قرضاي وتشجيعها على التصدي لإسلام أباد.
إيران هي القوة الاقليمية الثالثة التي تنشط في أفغانستان على جبهتين متناقضتين: فهي من جهة تدعم واشنطن في حربها ضد القاعدة وطالبان، وهي من جهة أخرى تدعم القاعدة لمنع واشنطن من التمركز العسكري في شكل دائم في البلاد خوفاً من أن يلي ذلك إجتياح أميركي لاحق لأراضيها.
ثم هناك المملكة السعودية التي تلعب هي الأخرى لعبة مزدوجة مماثلة مع كل من باكستان- طالبان ومع أميركا - حلف الأطلسي.
وعلى الصعيد الدولي، ثمة ثلاث قوى رئيسة ناشطة في أفغانستان. فإلى الولايات المتحدة هناك الصين التي تملك نفوذاً هائلاً على باكستان (على مستويي التسليح العسكري والدعم السياسي) وتقف معها لموازنة القوة الهندية الصاعدة. ثم هناك روسيا التي تعتبر الوجود العسكري الأميركي الدائم في أفغانستان تهديداً مباشراً لامنها القومي ولمناطق نفوذها في آسيا الوسطى، في الوقت ذاته الذي تدعم فيه جهود ضرب الأصولية الاسلامية في البلاد.
لوحة معقدة للغاية، أليس كذلك؟
حتماً. وهي تزداد تعقيداً حين نضع في الاعتبار الانقسامات الإثنية في أفغانستان حيث نصف السكان (في الجنوب والغرب) من الباشتون والنصف الآخر خليط من الإثنيات الناطقة باللغتين الفارسية والتركية. بيد ان هذه الإنقسامات على خطورتها لم تمنع الأفغان على مدار التاريخ من رفض كل المحاولات الاجنبية لاحتلال بلادهم.
ففي العام 1838 حاول البريطانيون غزو أفغانستان لضمها إلى إمبراطوريتهم، لكن الأفغان العاديين (وليس الامراء الإقطاعيون) تصدوا لهم وذبحوا كل الجيش البريطاني الغازي، فإضطرت لندن إلى وقف الغزو.
وفي العام 1878 غزا الإنكليز مجدداً. ومجددا جاءت المقاومة من الأفغان العاديين، فإضطر البريطانيون إلى الإنسحاب ولكنهم سيطروا على المناطق الحدودية وعلى السياسة الخارجية للبلاد.
في 1919 نشبت الحرب الأفغانية الثالثة حين تقدم الجيش الأفغاني نحو المواقع الإمبراطورية البريطانية في الهند، مما اجبر واشنطن على الاعتراف بإستقلال أفغانستان.
في العام 1979 نشبت الحرب الأفغانية الرابعة بعد الغزو الروسي، مما أدى إلى قتل وجرح وتشريد ربع الشعب الأفغاني. وقد انتهت الحرب بإنسحاب الروس وبدء إنهيار إمبراطوريتهم.
والآن، تستمر الحرب الأفغانية الخامسة التي دشنتها الولايات المتحدة. فهل سيكون مصيرها أفضل من سابقاتها؟
نعود الآن إلى سؤالنا الاول: هل سيكون أوباما قادراً على صياغة استراتيجية عليا جديدة للخروج من نفق الحرب الأفغانية؟
الامر سيعتمد على الطرف الذي سينتصر في الجدل الداخلي الدائر الآن بين دوائر صنع القرار الأميركي.
فإذا ما انتصر الجناح المتصلب الذي يرى الحل في مواصلة الصراع حتى الثمالة، ستكون أفغانستان، ومعها باكستان وكل منطقة أوراسيا على موعد مع إنفجار كبير جديد.
أما إذا ما انتصر الجناح المعتدل، فسنشهد تحركاً دبلوماسياً ضخماً يتمحور حول مجلس الأمن ويكون هدفه الرئيس:
- طمأنة الباكستانيين إلى أمنهم الداخلي ومصالحهم في أفغانستان، والعمل في الوقت ذاته على حل مشكلة كشمير لنزع فتيل التفجير مع الهند تمهيداً لتحييد أفغانستان عن صراعات نيودلهي - إسلام أباد.
- القيام بخطوات مماثلة مع إيران وروسيا عبر التأكيد لهما بأن واشنطن لاتخطط لإقامة قواعد عسكرية دائمة في أفغانستان.
- تشجيع الصين والسعودية على لعب أدوار اقتصادية أكبر في آسيا الوسطى، في إطار خطة نهوض اقتصادي شاملة في المنطقة.
- إجراء مصالحات داخلية في افغانستان يتم خلالها دمج طالبان في نظام سياسي جديد يفترض أن ينشأ بعد إنسحاب القوات الأطلسية من البلاد.
قد تبدو هذه التوجهات طوباوية أو مثالية. لكنها في الواقع المدخل الوحيد للخروج من المأزق الأفغاني. وهو، بالمناسبة، مأزق قد ينقلب قريباً إلى ورطة استراتيجية كبرى لكل الأطراف المنغمسة حالياً في هذه اللعبة الكبرى الجديدة.
أو هذا على الأقل ما يراه الكاتب البريطاني تشارلز فيرنديل، الذي كتب في الغارديان (23 أب/أغسطس(:
«يقول لنا الجنرال بيرايوس، مكرراً ادعاءات أوباما وبراون، أن حرب أفغانستان هي حرب ضرورة، وأن هدفها تجنّب العمليات الإرهابية انطلاقاً من تلك البلاد. لكن هذه مبررات زائفة كلياً».
فيرنديل على حق بالطبع.
فقوات حلف الأطلسي تقتل اليوم عشرات آلاف الأفغان، بذريعة حماية أرواح عشرات الغربيين الذين «قد» يُقتلون غداً أو بعد عشرين سنة على يد إرهابيين يفترض أنهم يخططون لهجماتهم في أفغانستان. لكن، هل التخطيط في عصر الإنترنت والهاتف الخليوي والنقل الجوي السريع يجعل المرء في حاجة إلى اللجوء إلى الجبال كالنساك أو الرهبان للقيام بالمهمة؟ أليست «السي. أي. آي» (التي تتعرض الآن إلى المساءلة في أميركا حول ممارساتها التعذيبية) هي التي أقامت مدارس التدريب الجوي في فلوريدا التي تخرّج منها منفذوا عملية 11 أيلول/سبتمبر؟
ثم: حرب الضرورة هذه تخاض ضد من؟
الأطلسيون يقولون إنها ضد تنظيم طالبان التي تعيش من زراعة الأفيون وتمنح «القاعدة» الملاذ الآمن. لكن هذا أيضاً تبرير واه.
إذ ليس هناك في الواقع تنظيم طالباني واحد بل 14 تنظيماً مختلفاً يحملون الإسم نفسه، من دون أن تتوافر لهم هيكلية تنظيمية مركزية واحدة. كل ما يجمعهم هو العداء للإحتلال الأجنبي ولحكومة قرضاي التابعة له.
أما زراعة الأفيون، فالوقائع تشير إلى أن طالبان قضت عملياً على هذه الزراعة في منطقة هيلماند في الفترة بين 1996 و 2001، وأن من يقوم بالترويج لهذه الزراعة الآن (كما يؤكد فيرنديل) هي حكومة قرضاي نفسها التي اتهمها المعارضون الأفغان بالقيام بأكبر عملية تزوير في التاريخ في الانتخابات الرئاسية الأخيرة.
وماذا عن احتضان «القاعدة»؟
الأدق أن يُقال هنا إن هذا التنظيم يمكن أن يتواجد في أفغانستان بسبب الحرب الأطلسية فيه لا العكس، وإن انتهاء هذه الحرب سيُلغي فرص وجوده فيها. فأفغانستان المستقرة والمسالمة والمستقلة، والتي تصب فيها الأموال الغربية (وغير الغربية!) الهائلة لخدمة المجهود الحربي، لا يمكن أن تكون ملاذاً للقاعدة فيما حكومتها الوطنية منهمكة في إخراج البلاد من لعنة كونها أفقر دولة في العالم. وهذا ما استنتجه التقرير الشجاع الذي بثته «البي.بي. سي» الأسبوع الماضي، وقالت فيه إنه لو خصص الغرب بلايين الدولارات التي ينفقها لتمويل «حرب الضرورة» على حل مشكلة الفقر والفقراء في أفغانستان، لما كان ثمة حرب هناك.
بيد ان الغرب لن يفعل ذلك. وهو إذا ما قرر الإنفاق، فسيخصصه للمجهود الحربي الذي تتغذى منه صناعاته العسكرية الضخمة.
ولان الأمر على هذا النحو، لن يتمكن أوباما، حتى لو أراد، من طي صفحة الحرب الأفغانية بهدوء، بل هو سيكون مضطراً (كما فعل) إلى زيادة عديد القوات الأميركية هناك (وإن ليس بالعدد الذي يطالب به الجنرال ماكريستال وماكين). وهذا ما سيجعله يغرق، وبالتدريج، في الفخ الأفغاني الذي بات يشبه إلى حد بعيد ما كانه الفخ الفيتنامي للرئيسين كينيدي وجونسون. وهذان الأخيران، للتذكير، كانا ديموقراطيين أيضاً.
* * *
هكذا تبدو الصورة في قوس الأزمات الأمنية الجديد. فإلى أين من هنا؟
إلى «حروب غير مقدسة» تبدو بلانهاية ومرشحة للتمدد من مثلث جنوب آسيا - القرن الإفريقي - شبه الجزيرة العربية إلى باقي أنحاء القارتين الآسيوية والإفريقية.
إنها حروب «إمبراطورية العولمة» التي تخاض ضد من يسميهم الغرب الآن «برابرة القرن الحادي والعشرين».
لكن، هل ثمة ضرورة هنا للتذكير بأن البربرية الحقيقية تكمن في ممارسات رأسمالية عالمية أفلتت من عقالها؟
لا نعتقد!

 
التالى >