|
العثمانية الجديدة... علمانية مؤمنة تعزل «إسرائيل» وتريح سوريا وإيران لم يكن حدثاً عابراً هذا التلاقي التركي - السوري الاستراتيجي. فهو تحوّل تاريخي في حجم حدث كبير يؤسّس لإعادة هيكلة التوازنات السياسية والاستراتيجية على امتداد المنطقة، وكثيرون هم الذين يرون في الحلف الجديد بوابة كبرى لإدخال سوريا إلى القرن الحادي والعشرين، ليس من البوابة التركية فقط، وإنما من البوابة الأوروبية أيضاً. كيف؟
فبعدما ثبت حزب العدالة والتنمية في المرحلة الأولى لوصوله إلى الحكم في العام 2002، وعلى الصعيد الداخلي أساس نظرته وسياسته لمستقبل تركيا، من خلال كسر حدة العلمانية المتطرفة كما أرادها مؤسس تركيا مصطفى كمال «أتاتورك» وتقديمها بإطار العلمانية المؤمنة، التي تقترب من «العلمانية» الأميركية المتسامحة مع الدين وتبتعد عن «العلمانية» الأوروبية التي تفصل بين الدين والدولة. هاهو «العدالة والتنمية» يتجه للمرحلة الثانية من رؤيته لمستقبل تركيا ولكن هذه المرة على صعيد سياسته الخارجية المبنية على «العمق الاستراتيجي» لا على أساس لعبة المصالح الدولية.
وإذا كان للمرحلة الأولى «أبطالها» كرئيس البلاد عبد الله غول ورئيس الوزراء رجب طيب أردوغان، فإن المرحلة الثانية تشهد على صعود شخصية أحمد داود أوغلو التي لطالما لعبت ومن خلف الأضواء دور المستشار السياسي لرئيس الحكومة أردوغان، بخلفيتها وبمؤهلاتها العلمية والأكاديمية والفلسفية والرؤية الواضحة التي تمتلكها.
الواقعية التركية
منذ اليوم الأول لوصوله للخارجية حرص أوغلو على القول بأن السياسة الخارجية لتركيا ستكون أكثر فاعلية وجرأة، فخلال سنوات عمله السبع كمستشار لرئيس الوزراء سعى أوغلو لإخراج تركيا من سياستها الخجولة والمترددة، البداية كانت عندما وضع حدا لسياسة العداء والجفاء مع الجيران معلناً ضرورة حل جميع الخلافات المجمدة مع جيران تركيا بلا استثناء والتي بدأها بالتقارب مع الاتحاد الأوروبي، ثم بدأ بالتدريج بإقحام تركيا في مشاكل الشرق الأوسط التي طالما تجنبت أنقرة الخوض فيها. ورغم كل ما لقيه من انتقادات داخلية وأميركية بسبب سياسات الانفتاح على سوريا وإيران إلا أن أوغلو نجح في جعل ملف الشرق الأوسط أحد دعائم بروز الدور التركي في المنطقة، وبذلك انتصر أوغلو في سجاله مع البيروقراطيين حول ضرورة رفع صوت تركيا في المنطقة والتحرك بقوة وثقة دون تردد وإدراك القوة الحقيقية لإمكانات تركيا، التي ابتعدت لفترة طويلة عن قضايا الشرق الأوسط فكان ذلك أحد الأسباب التي أضعفت دورها الإقليمي وبالتالي يجب أن ننهي هذا السبب ونتجاوزه ونستمر في هذا التدخل، هذا معنى تعيين أوغلو على رأس الدبلوماسية التركية في هذه اللحظة بالذات. يقدم التقرير الذي نشرته مؤسسة (سيتا) البحثية في أنقرة على موقعها الإلكتروني رؤية أوغلو للسياسة الخارجية التركية عقب تعيينه وزيراً للخارجية في أيار/مايو الماضي، ويناقش التقرير خط السياسة الخارجية التركية الجديد وأدواتها، ولاسيما وسط مجهودات الدولة لحل المشكلات المتأزمة في المناطق المجاورة. ويرى التقرير أن مهمة أوغلو الآن ستكون التحول من التصميم الفكري للسياسات إلى انخراط أكثر واقعية في السياسة الخارجية، إضافة إلى أن عهده سيعمق انخراط تركيا في السياسة الإقليمية والمنظمات الدولية والسياسة العالمية. ولكن التقرير يطرح أيضاً التحديات والصعوبات التي ستواجه أوغلو في منصبه الجديد. في ضوء هذا الواقع فأن فكرة أوغلو في السياسة الخارجية المتكاملة فكرةٌ محفِّزة من حيث تبيُّن أجندة تركيا في السياسة الخارجية، غير أن صحَّة هذه الفكرة ستتوقفُ على حجم الجمهور المتلقي لها في الداخل والخارج. وروى الكاتب التركي آسلي آيدن تاسباس في مقالة في نيويورك تايمز حديث نائب عن حزب الرفاه له قبل عقد من الزمن عن حلم الحزب بإنشاء كومنولث يضم تركيا ومحيطها الآسيوي بما فيها سوريا وإيران، مبرر ذلك الحلم أن مستقبل تركيا في آسيا لا في أوروبا. أما صاحب ذلك الحلم فهو غول الرئيس التركي الحالي، تلك الرؤية حسب الكاتب يحمل لواءها اليوم أردوغان وعرابها وزير خارجيته أوغلو الذي يعمل لكي تتحول تركيا من دولة يقترن اسمها بالأزمات إلى دولة ذات رؤية وهدف واضحين في جميع القضايا في المنطقة والعالم. هذا هو معنى التأسيس لدور إقليمي ودور فاعل لتركيا على المستوى الإقليمي وليس فقط على المستوى الإقليمي ولكن له امتدادات دولية أخرى. مهندس هذه السياسة كما نعلم هو الدكتور أوغلو وسماها اسماً مختصراً جداً ومعبراً جداً وهو سياسة «العمق الاستراتيجي»، الفكرة الأساسية في هذه السياسة هي إعادة تركيا إلى وضع التوازن، لأن استراتيجيي حزب العدالة والتنمية وصناع قراره ومفكريه، أن السياسة الخارجية التركية منذ بداية تأسيس الجمهورية قد افتقدت إلى عنصر التوازن الاستراتيجي في علاقاتها الدولية بمعنى أنها ركزت بشكل مبالغ فيه على التوجه نحو الغرب وأدارت، في الوقت نفسه، ظهرها للعالم العربي وللشرق الأوسط وللشرق بشكل عام. قدم أوغلو رؤيته للسياسة الخارجية التركية معتمداً على ثلاثة محاور كما يراها: الأول يتعلق بدولة تركيا وهو قائم على التوازن بين الأمن والحرية من أجل أن يأخذ البلد موقعه بين أقوى دول العالم. المحور الثاني يتعلق بالإقليم ويقوم على التأثير القوي في الشرق الأوسط والبلقان والقوقاز. المحور الثالث وهو المحور الدولي القائم على أن يكون لتركيا دور وكلمة في جميع القضايا العالمية. فهل نحن أمام حلم إمبراطورية عثمانية بقالب جديد الآن؟ سؤال يطرح نفسه أمام الحركة النشطة التي تقوم بها دبلوماسية أوغلو في المنطقة، أو ما يسمى بالسياسة الخارجية متعددة الأبعاد التي يسعى «العدالة والتنمية» إلى تحقيقها. ولكن كيف نقرأ اتجاهات السياسة الخارجية لأنقرة وأهدافها؟ وما مؤهلات تركيا لأن تكون لاعباً إقليمياً فاعلاً وما الهوامش الجيوسياسية المتاحة أمامها كقوة طامحة؟ حتى لو لم يتحقق الهاجس الإمبراطوري إلا أننا أمام إعادة تشكيل نظرة (أو نظرية) جيوسياسية جديدة تليق بمكانة أنقرة الجيوإستراتيجية ورسالتها التاريخية بعد عقود من الانطواء والسلبية.
 منذ عام 2003، وجد هذا التوجه في تركيا، وفي عام 2004، زار الرئيس السوري تركيا، في عام 2004، زار الرئيس التركي أردوغان طهران وقام أردوغان أيضاً بزيارة إلى طهران، في عام 2006، أوغلو نفسه استقبل خالد مشعل عندما كانت «حماس» محاصرة بعد فوزها في الانتخابات التشريعية، كل ذلك هو تحول، هناك من يرى بأن هذا التحول بدأ بعد أن ملّت تركيا من قضية أوروبا والغرب والانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، إذا ما أخذنا أيضا بعين الاعتبار إحصائية أجريت أخيرا بأن 64 في المئة من الأتراك كانوا يؤيدون الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي انخفضت هذه الأيام إلى 32 في المئة فقط، بالتالي هناك وضع إقليمي أوروبي إن شئت هو ما أدى بتركيا لأن تشيح بوجهها وتنظر إلى الشرق الأوسط.
لا تبدل في السياسة
يعتبر رئيس الوزراء التركي رجب طيب أردوغان أن تقارب بلاده مع إيران لا يعني تبدلا في سياستها الخارجية، مدافعا بذلك عن زيارته الأخيرة لهذا البلد المجاور والتي أثارت انتقادات غربية. وذلك بعدما أثارت الزيارة لطهران في نهاية تشرين الأول/أكتوبر انتقادات في الصحافة المحلية والدولية فحواها أن أنقرة التي تتعثر في مفاوضات انضمامها إلى الاتحاد الأوروبي بدأت تسلك نهجاً مغايراً في سياستها الخارجية عبر الابتعاد عن الغرب. وتساءل أردوغان: «لماذا ندير ظهرنا للاتجاهات الأخرى؟ إن تركيا متجذرة في المؤسسات الأوروبية بمقدار تجذرها في منظمة المؤتمر الإسلامي». وتابع: «في كل مرة تعمل تركيا لتعزيز تعاونها مع إيران أو دول الشرق الأوسط، تبرز انتقادات هنا )في تركيا( وفي الخارج». وكرر أن بلاده تنتظر «مقاربة سليمة» من جانب الغرب حيال البرنامج النووي الإيراني المثير للجدل، وقال: «إن الدول التي تتهم إيران بالسعي إلى امتلاك سلاح نووي تملك هي نفسها هذا السلاح». داعياً إلى نزع كل أسلحة الدمار الشامل في المنطقة والعالم. يدرك العالم أن جغرافية تركيا تتميز بكونها دولة أوروبية في جزء منها وآسيوية في جزء، وأنها أوروبية في ثقافتها في جانب وإسلامية شرقية في جانب آخر، وأنها قوة اقتصادية كبيرة وهي تحتل الرقم 16 بين أقوى اقتصادات العالم. كل هذا يدركه نائب رئيس المفوضية الاوروبية غونتر فيرهوغن الذي أعلن أن الاتحاد الأوروبي يحتاج إلى تركيا أكثر مما هي بحاجة اليه، وذلك في مقابلة أجرتها معه إذاعة «دوتشلاندفنك» الألمانية. وقال «لها اهمية استراتيجية كبرى في كل المنطقة. علينا أن نتخيل ماذا يمكن أن يحصل إذا ما اعتمدت تركيا سبيلاً غير الانخراط في مجموعة الدول الغربية. سيشكل ذلك تهديداً كبيراً علينا ومن الأفضل عدم المجازفة». واعتبر أن انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي «سيعود بفائدة كبيرة علينا وهذا الأمر سيساعدنا على تحسين العلاقات بين الديمقراطيات الغربية والعالم الإسلامي في القرن الواحد والعشرين بدون نزاع».
خيبة «إسرائيلية»
اللقاء الأخير الذي جمع «المجلس الاستراتيجي الأعلى» التركي - السوري في حلب وغازي عنتاب في 13 تشرين الأول/أكتوبر تحت شعار أن لسوريا وتركيا مصيراً واحداً وتاريخاً واحداً ومستقبلاً واحداً، يعتبر تتويجاً لارتقاء العلاقات الثنائية إلى درجة التحالف الكامل على المستويين الاقتصادي والسياسي معاً، كما على المستويين الأمني والاستراتيجي. وقد اتفق الجانبان على إنهاء العمل بنظام التأشيرة (الفيزا)، والسماح لمواطني البلدين بالتجوّل على أساس اعتماد بطاقة الهويّة، كما تمّ الاتفاق على منح الصلاحية لسفارات وقنصليات كل بلد في تمثيل البلد الآخر لدى الأطراف الدولية، وتأكيد الالتزام ببنود اتفاقية أضنة الأمنيّة السريّة وتطويرها وتوسيع نطاقها. ومن الواضح أن الاتفاق في جوانبه السياسية والاستراتيجية، يعتبر نواة تحالف جديد قد يضمّ إيران في المستقبل القريب، ويكون كفيلاً بتغيير الكثير من المعادلات الإقليمية. وملامح هذا التحالف بدأت تظهر بوضوح، بعدما ردم الأتراك والسوريون الفجوة القائمة بينهما منذ أكثر من تسعة عقود، وبالتحديد منذ سقوط الإمبراطورية العثمانية. وكانت نقطة الانطلاق في هذا التوجّه، إبعاد عبد الله أوجلاّن زعيم حزب العمّال الكردستاني عن الأراضي السورية، وفتح صفحة سورية جديدة مع الجارة الشمالية. من الواضح أيضاً أن الحلف السوري - التركي الجديد يضمّ حوالى مئة مليون نسمة (75 مليون تركي و 25 مليون سوري)، وهو يشكّل سوقاً اقتصادية ضخمة، الأمر الذي يفترض أن يثير شهيّة الإسرائيليين وغيرة المصريين والسعوديين وتساؤلات الكبار، وهو يعني أن العثمانيين يعودون إلى الشرق عبر البوابة السورية، وغداً عبر البوابتين الأردنية واللبنانية، فضلاً عن البوابة العراقية، علماً بأن التلاقي مع إيران ليس مستبعداً في المدى القريب أو المتوسّط، وهذه العودة ممكنة بعدما ملأت كل من تركيا وإيران الفضاء العربي كلّه تقريباً، في غياب القرار العربي والسوق العربية المشتركة والدفاع العربي المشترك. وقد شكّلت القّمة التركية - السورية الأخيرة التي عقدت في إسطنبول بداية التحوّل الكبير، بعدما أقرّت إنشاء مجلس تعاون استراتيجي بين البلدين. ويشمل التعاون المجالات السياسية والاقتصادية والمصادر المائية والبيئية والثقافة والتعليم والعمل، على أن يرأس المجلس رئيسا حكومتي البلدين، ويجتمع بالتناوب مرّة على الأقلّ في العام، مع الاشارة الى أن وزراء الخارجية والطاقة والتجارة والاستثمار والدفاع والشؤون الداخلية والموارد المائية والنقل هم أعضاء في المجلس الذي يشكّل البداية في مشروع الحلف الرباعي الذي دعت إليه سورية، والذي يفترض أن يضمّ إيران والعراق في مرحلة لاحقة. وفي مؤتمر صحافي مشترك، قال أحمد داوود أوغلو وزير الخارجية التركي: إن اتفاقات التعاون بين سورية وتركيا ستتّسع لانضمام دول أخرى في المنطقة الى هذا التحالف، والتفاهمات التي حصلت تصلح نموذجاً لتفاهمات لاحقة مع دول المنطقة. لقد أفسدت السياسة الخارجية التركية استراتيجية «إسرائيل» بشكل منهجي منظم. فـ«إسرائيل» تريد أن تعزل إيران وسوريا، وتركيا تكسر هذه العزلة. «إسرائيل» تريد أن توتر العلاقات بين العالم العربي وجيرانه سواء في إيران أو تركيا أو إثيوبيا، وتركيا تكسر هذه الإستراتيجية. فتل أبيب بهذا الواقع تنظر بكثير من الذهول إلى التطورات الدراماتيكية المتسارعة في علاقات دمشق وأنقرة. بل ان الدوائر «الإسرائيلية» لم تستطع إلى الآن تفسير هذا التطور )الغريب( في علاقات السوريين بأحفاد السلطان عبد الحميد وكيف وصلت تلك العلاقات إلى ما وصلت إليه، مضيفة أن جميع المعطيات التي كانت تتقاطع عندها التقارير «الإسرائيلية» الصادرة عن مؤسسات عسكرية وسياسية خلال عام مضى والمتعلقة بالعلاقة السورية التركية لم تشر إطلاقاً إلى احتمال تطور هذه العلاقة بهذا الشكل )التلاحمي( سياسياً وأمنياً واقتصادياً، وأن خشية أخرى تضاف إلى ما سبق تتصل بتطور مساير لتلك العلاقة سيحدث على الأغلب بصبغة شعبية اجتماعية خلال المرحلة المقبلة، ما يعني تثبيت التحالف السوري التركي على أرضية ديمغرافية، وهو ما يصعّب أية محاولة لاختراق هذا التحالف ولاسيما وأنه سيستند إلى قاعدة شعبية وتحديداً في تركيا.
نظرية العمق الحيوي
هناك قوة لدى الجانب التركي تستند الى نظرية «العمق الاستراتيجي» كما أشرنا سابقاً، وذلك يعني ببساطة أن موقع تركيا وتاريخها يضطرانها إلى التحرك في كل اتجاه للحفاظ على مصالحها وأمنها خصوصاً في جوارها الجغرافي كما تعني أن قطيعة تركيا لمنطقة الشرق الأوسط وقضاياها لعقود طويلة يجب أن تنتهي إذا ما ارادت «دوراً عالمياً». ولعل اطلاق أوغلو عبارة «شهر السلام» على شهر «أكتوبر» هو عنوان هذا التحرك الدبلوماسي التركي القوي وهي تلخص ايضا مسار السياسة الخارجية في المرحلة الحالية والمقبلة. أي السعي لإحلال السلام والاستقرار في المنطقة وذلك من خلال التفرغ لمعالجة الملفات الشائكة والطارئة خصوصاً المسألة الفلسطينية من جهة والخلاف بين الغرب وإيران بشأن طموحاتها النووية.
 من جانبه قال الخبير الاستراتيجي عمر تشاغلار تعليقاً على الدور التركي في الأزمة الإيرانية: «إن البعد السياسي من التدخل التركي في الأزمة الإيرانية يمكن تلخيصه كالتالي، ترى تركيا أن المشهد الإقليمي في منطقة الشرق الأوسط قابل للانفجار إذا ما انفلتت الأعصاب على إحدى الجهتين سواء في إيران أو في الغرب». فالمخاوف من التهديدات «الاسرائيلية» بضرب المنشات النووية الايرانية تارة والتسريبات عن مواجهة بين إيران والغرب تارة أخرى تثير هواجس في أنقرة من انفجار الوضع في المنطقة، وهذا بدوره يؤثر على مساعيها الرامية إلى إحلال الأمن والاستقرار في المنطقة. وتعليقاً على هذا التوجه التركي اللافت يرى الكاتب في صحيفة «تركيا» اليومية إسماعيل كابان أن الحدث الأبرز في الحراك التركي كان في الوساطة التركية في الأزمة السورية - العراقية واستضافة اسطنبول لاجتماع رباعي (تركي - عراقي - سوري بحضور جامعة الدول العربية)، وهذا حدث غير مسبوق بكل معني الكلمة: «إذ إن تركيا تتوسط هذه المرة بين بلدين عربيين (سوريا والعراق) على خلاف وساطتها السابقة في محادثات السلام السورية - الاسرائيلية». في ضوء ذلك يخطط حزب العدالة والتنمية استراتيجياً للمدى البعيد وهو باقٍ في السلطة لعشر سنوات أخرى ضمن الشروط الطبيعية لمسار الأمور والتحركات السياسية داخل تركيا، وهو من هذا المنطلق يخطط على المدى البعيد لأن يكون شريكاً وحليفاً لأكثر من قوة إقليمية وأهم هذه الدول تأثيراً تأتي سوريا وإيران. لا شك أن هناك تحللاً في الولاءات التقليدية القابعة في عمق الدولة التركية الكمالية وهناك تغير واتجاهات جديدة نشأت خلال السنوات العشر الماضية وتنمو يوماً بعد يوم باتجاه رؤية مختلفة عن السياسة الكمالية. وفي العمق يبدو أن الناحية العملية للتغيير تشهد تطبيقات جدّية على الأرض، إذ تتحرك العاصمتان السورية والتركية بنشاط لترتيب ملفات إقليمية ودولية مرتبطة مباشرة بمصالح العاصمتين سياسياً وأمنياً ودبلوماسياً، وبعد إلغاء تركيا مشاركة سلاح الجو «الإسرائيلي» في مناورات نسر الأناضول (أناطوليان إيغل) الجوية في تركيا، شهدت مدينة حلب السورية المحاذية لتركية اجتماعاً وزارياً رفيعاً هو الأول لمجلس التعاون الاستراتيجي السوري التركي الذي أُعلن عن تأسيسه خلال زيارة الرئيس السوري بشار الأسد إلى إسطنبول الشهر الماضي، وعلى جدول أعماله ملفات سياسية ودبلوماسية وعسكرية وأمنية واقتصادية. |