بالي جزيرة الأحلام الأندونيسية يقضّ مضجعها الإرهاب طباعة ارسال لصديق
جلنار واكيم   

زيارة مميزة الى جزيرة مميزة

قد تكون بالي من أجمل جزر العالم اطلاقا ومن أكثرها غنى على الصعيد الثقاقي. ولا بد من أن تكون هذه الجزيرة على لائحة كل هاو لاكتشاف مكان وحضارة مختلفين. هذا أمر لا شك فيه. يكفي أن تضع كلمة بالي على الانترنت لتظهر لك صور جزيرة من الأحلام. ولكن وراء صورة أشبه بجنة عدن تخفي بالي حقيقة مرة، تلك التي ارتبطت بتفجيرات متتالية راح ضحيتها أكثر من 250 شخصا. وراء روعة هذا المكان تختبئ صورة الفقر الذي يجذب «فاعلي الخير» اليه، وتولدُ أشكال عديدة من الإرهاب.
في كافة أنحاء جزيرة بالي الاندونيسية، صور معلقة على الجدران كتب عليها «مطلوب». صور بأشكال مختلفة، هنا يظهر هذا الشخص بشارب وفي أخرى يرتدي قبعة. تشبه هذه الصور تلك التي نراها للمجرمين في الأفلام، ولكن هذه المرة الأمر ليس خدعة بل يبدو أكثر جدية.

Image
اسمه نور الدين محمد توب. وهو أكثر الإرهابيين خطورة في اندونيسيا.. فهو متهم بأنه الرأس المدبر لتفجيرات بالي في العام 2005 والتي أودت بحياة ثلاثة وعشرين شخصا. كما أنه متهم بتدبير تفجيرات جاكرتا في 19 تموز من هذا الصيف، كانت حصيلتها تسعة أشخاص بينهم اثنان من منفذي العملية.
صور نور الدين تأتي مضادة لهدوء الجزر الاندونيسية، لتذكّر بمعاناة هذه الدولة من الإرهاب والتفجيرات، كان أكبرها في العام 2002 مع التفجير الذي وقع في منطقة كوتا في جزيرة بالي. يومها قتل في ملهى ليلي مئتا سائح أجنبي غالبيتهم استراليون. كما قتل خمسون اندونيسيا غالبيتهم من العاملين في الملاهي الليلية. جاءت نتيجة هذه التفجيرات شللا شبه كامل في الحركة السياحية في كافة أنحاء اندونيسيا استمر حوالي أربع سنوات. 


بعدها بعدة أيام، وصباح الثامن عشر من أيلول، كانت صور نور الدين مقتولا أكثر الأخبار أهمية وإثارة في كافة أنحاء اندونيسيا. فتصدرت صور هذه الأخير الصحف والإعلام واحاديث الناس.
كان الخبر سارا جدا، تحديدا في بالي. فقد شكل نور الدين توب رعبا حقيقيا على افراد هؤلاء الهندوس الذين يخشون تحريضا أكثر ضدهم وهجوما عليهم. غالبية سكان بالي من الهندوس وتعيش جزيرة بالي على السياحة بشكل خاص، فقد بلغ مجموع السواح في الستة أشهر الأخيرة ستة ملايين سائح.

 

من هو نور الدين محمد توب؟

 


نور الدين محمد توب ماليزي الجنسية. يبلغ من العمر واحداً وأربعين عاما. هرب الى اندونيسيا مع زميله أزهري حسين أحد أبرز أعضاء القاعدة بعد هجوم من قبل السلطات الماليزية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول عام 2001. في اندونيسيا تزوج مستعملا اسم عبد الرحمن أوفي. قبض على زوجته في العام 2005 وحكم عليها بالسجن لأنها ساهمت بالتستر عليه. يقال إن نور الدين والأزهري قاما بالتخطيط للعديد من التفجيرات سوية. كان نور الدين يقوم بالتمويل والأزهري بصناعة المتفجرات، ليصبح لقبهما «رجل المال» و«رجل الدمار».

Image
في العام 2005 قامت السلطات الاندونيسية بمحاصرتهما شرقي جزيرة جافا. يومها قتل الأزهري وهرب نور الدين.
تابعت بعدها السلطات بحثها عنه. فقامت بالعديد من المداهمات في السنوات التي تلت. وفي آب الماضي أعلنت السلطات عن وفاته في هجوم قامت به على احد الأمكنة الذي شكت بتواجده فيه. ولكنهم عادوا وكذّبوا الخبر. هذه المرة، قامت قوات مكافحة الإرهاب بانزال في قرية قريبة من يولا في جزيرة جافا، وأكد مدير الأمن القومي الجنرال بامبانغ هندارو على تطابق البصمات وعلى إيجاد اربع عشرة نقطة مشتركة بين سجلات نور الدين توب والجثة.


مباركة رمضانية وتدخل رباني


كان الهدف من القبض على نور الدين استراتيجيا كما يقول الجنرال بامبانغ هندارو. كما لو كانت هذه العملية مشيئة الهية قبيل انتهاء شهر رمضان الماضي. وهكذا كان لهذه المباركة أهمية خاصة تلعب عليها السلطات الاندونيسية. وبين القاعدة والسلطات الاندونيسية سباق ديني أيضا. فكل من جهته يسارع الى كسب الشرعية الدينية الاسلامية التي يكسب بها الشارع الاندونيسي ذي الغالبية المسلمة. كان هذا الشارع حتى الآن مصدراً مهماً للحركات الدينية المتطرفة أبرزها القاعدة، والتي وجدت في مسلمي اندونيسيا ارضاً خصبة لتجنيد شباب مهتمين بالاسلام بشكل مباشر. أما عن الاسباب الأبرز للاستقطاب فهي الفقر من جهة، والحرص على حماية الاسلام والمسلمين في كافة انحاء العالم من جهة أخرى. وبين تنظيم القاعدة والسلطة الاندونيسية يقع الاندونيسيون في حيرة حقيقية.
ففي جزيرة لومبوك المجاورة لبالي وذات الغالبية المسلمة، يبدو الشارع مسرورا ايضا ولكنه مرتبك في  الوقت نفسه. يقول أحد المسؤولين في الجزيرة انه قد يكون الأمر أفضل هكذا. فنور الدين كان يتمتع بكاريزما خاصة وبالاضافة الى دوره في التمويل والتخطيط لعمليات التفجير، كان وراء تجنيد عدد كبير من الشبان في صفوف القاعدة. غالبية الشارع ترفض التفجيرات العشوائية وتصر على ان الجهاد في سبيل الاسلام بهذا الشكل ليس بالجهاد الصحيح.


ماذا عن لبنان؟


عمل نور الدين كان له صلة بلبنان ايضا. اندونيسيا من أكبر الدول المسلمة كما ان مستوى العيش متدن، مما سمح لنور الدين باللعب على هذين العاملين بشكل أساسي، عامل المال من جهة، وعامل أهمية الدفاع عن ارض مسلمة من جهة أخرى. هكذا، توجه العديد من الشبان الى لبنان في سبيل الدفاع عنه. هذا الأمر اكتشفناه خلال الأحاديث التي كنا نتطرق اليها هنا وهناك في مختلف أنحاء الجزيرة. فبمجرد أن يذكر المرء انه عربي من لبنان حتى يلقاه الاندونيسي بابتسامة عريضة وببضعة كلمات عربية يعرفونها. يقولون لك إنك المسلم الحقيقي لأنك تجيد لغة القرآن. ويذكرون أسماء يعرفونها جيدا: حسن نصر الله ورمضان وفلسطين والسلام عليكم. ثم يضيفون: «نحن نحبكم، لذا ارسلنا شبابنا لمساعدتكم في النضال. أرسلنا الكثير منهم للدفاع عن لبنان».
عن أي نضال يتكلمون؟ قال أحد اللبنانيين الموجودين معنا، لا بد أن شباباً اندونيسيين تطوعوا في حرب تموز. ولكنه يعود ليستحضر حرب تموز ليتذكر انه لم يكن بين مقاتلي حزب الله أية وحدة لا اندونيسية ولا غير اندونيسية. وعندما تعود لتسألهم عن أي حرب يتكلمون، يجيبون الحرب الأخيرة، دون أن يعرفوا أسمها ولا شيء عن تفاصيلها. لم يبق اذاً إلا واحدة، وهي حرب نهر البارد.

Image
اتى الكثير من الشبان الى لبنان بنية صافية. كانوا يبحثون عن سبيل من أجل إكمال ايمانهم والنضال في ارض مسلمة عربية. لهذه الأرض نكهة اخرى نكهة مقدسة ربما. ولكن الواقع جاء مختلفا تماما.
قد تبدو اندونيسيا بعيدة وقد يكون نور الدين الآن مجرد شبح لا أكثر. ولكن بين الخلية التي كان قد أسسها نور الدين والتي ما يزال ينتمي اليها العديد من الشبان والتوق الى الدفاع عن الاسلام دون معرفة من وراء الأمر، المسألة بمنتهى الخطورة. لا شك ان طاقات اندونيسيا لا حدود لها، ان كان على الصعيد الزراعي أو الصناعي أو الثقافي، قد يكون من الجدير بالأهمية أن نلتفت الى هذا البلد الذي يوازي حجم قارة وأن نستفيد من طاقاته بشكل سليم، ليقع هؤلاء الشبان هذه المرة في أيد أكثر أمانة.

 
< السابق