|
المعرفة أصبحت هي القوة، والتكنولوجيا أصبحت هي المحرك الأساسي للتاريخ البشري التكنولوجيا لاتزال تسبق السياسة بأجيال، والسياسة لاتزال تلهث، وبمسافة أجيال ايضا، وراء التكنولوجيا. هذه باختصار، هي الحصيلة الحقيقية لما يجري في العالم هذه الايام. قد يحتج البعض هنا بأن مثل هذا التوصيف فيه قدر من المبالغة والمغالاة إذ إن الساحة الدولية لاتزال حافلة بالاحداث السياسية والاستراتيجية الجسام، الى درجة دفعت بعض المحللين الاميركيين الى التحذير من مخاطر تركيز واشنطن الشديد على الاقتصاد والتكنولوجيا على حساب الاستراتيجيا (وبالتالي على المصالح الاميركية). لكن هل هذا الاحتجاج في محله؟ أجل، ولكن نسبيا فقط.  فالعالم شهد بالفعل اندفاعا قويا نحو الاعتبارات الاستراتيجية، بعد نحو عشر سنوات من انصباب اهتمام كل الدول، صغيرها والكبير، على كيفية التأقلم مع العولمة المتزايدة للاقتصاد العالمي. وهكذا تحوّلت كل الانظار في إحدى المراحل الى جنوب آسيا، التي دشنت انضمامها الى النادي النووي عبر التفجيرات الذرية الهندية والباكستانية. وبالطبع هذا التطور ستكون له مضاعفات سياسية واستراتيجية بالغة الاهمية على موازين القوى العالمية «الكلاسيكية»، خاصة اذا ما استمر سباق التسلح النووي والصاروخي بين هاتين الدولتين الآسيويتين العملاقتين.
وفي الوقت ذاته، جاءت الضربة العسكرية الاميركية للعراق، لتذكر الكثيرين بأن النظام العالمي القديم، المستند الى مفاهيم القوة وموازين القوى، لما يسلم الروح بعد، وأنه لايزال ينبض ويركل ويمارس نفوذا واضحا على التوجهات العالمية. إضافة الى ذلك، يجب ألا نغفل الحقيقة بأن الاندفاع الاميركي نحو تثبيت سيطرة واشنطن على منطقة «اورا آسيا»، عبر توسيع حلف الاطلسي وربطه بسلسلة احلاف اخرى تعدها الولايات المتحدة حاليا في آسيا، فيه حيز كبير من الحسابات الاستراتيجية، بقدر ما هي اعتبارات اقتصادية بعيدة المدى. إذ إن هذا المشروع الاميركي الضخم الذي اطلق عليه زبجنيو بريجنسكي اسم «لعبة الشطرنج الكبرى» يعبر في الواقع عن وقوف اميركا على مسافة واحدة (حتى الآن على الاقل) من النظامين العالميين: القديم بكل مفاهيمه السياسية - الاستراتيجية التي لاتزال تستند الى الدولة - الأمة كحجر الأساس في هذا النظام، والنظام الجديد الذي يقوم على مفاهيم ما بعد الحداثة وما بعد الدولة - الأمة بقيادة تحالف العولمة - العلم. هذه التحفظات صحيحة ودقيقة. لكنها، مع ذلك، لا تسقط الحقيقة بأن السباق لايزال غير متكافئ بين السياسة وبين التكنولوجيا ففي اطار هذا السياق واصلت السياسة جني الخسائر الصافية، فيما تتابع التكنولوجيا (ومن ورائها الاقتصاد) قطف ثمار تفوقها الكاسح على الاولى. ورغم ان هذا التطور ليس مستجدا، ويعود بجذوره الى عقود عدة، إلا انه يكتسب مع مرور كل عام زخما جديدا، حيث تسطع التكنولوجيا كنجم باهر الضياء، وتشق طريقها بشكل متزايد بصفتها المحرك الاساسي للتاريخ البشري، على حساب مفاهيم مثل القومية والسيادة والعلاقات الدولية، بل وحتى الديمقراطية (وكل هذه هي «عدة شغل» السياسة).
نماذج قيد التحقق
ولكي لايبقى حديثنا نظريا، فلنستعرض معا كيف امكن للعلم والتكنولوجيا ان يدمغا بطابعهما العالم خلال السنوات القليلة الماضية. أول ما سيخطر على البال هنا، هو بدء تحقق تلك الاحلام البشرية القديمة قدم التاريخ باكتشاف «اكسير الحياة»، وبكسر عائق المكان - الزمان امام الجنس البشري. وعلى هذه الجبهة، كانت الانجازات التكنولوجية مذهلة: - فلقد ولدت خريطة الجينات وهي تحمل في كنفها الوعد الكبير بكسر حواجز العمر البيولوجية وانقاذ الانسان من لعنة الامراض والشيخوخة. وبالطبع الامر لن يقتصر هنا على الاحلام، بل سيؤدي ايضا الى سلسلة انقلابات اقتصادية - سياسية حيث «اقتصاد» الجينات سيكون في حد ذاته اقتصادا عملاقا يقدر بمئات مليارات الدولارات! ونفسية وديموغرافية. - وعلى صعيد الزمان - المكان، جاء وعد العلماء بأنهم سيتمكنون قريبا من اختراع «الكمبيوتر الكمي» الذي قد يجعل قدرات «الجن» في الانتقال بـ«رمشة عين» من مكان الى آخر، مجرد قدرات تكنولوجية «متأخرة». «كمبيوتر الكم» هذا الذي يحاول الاستفادة من نظريات فيزياء الكم الأغرب من الخيال، سيكون قادرا فى غضون 30 ثانية على حل مشكلات قد يحتاج الكمبيوتر الكلاسيكي المتطور الى 10 مليارات سنة لحلها! وعلى رغم اننا قد لا نرى هذا الكمبيوتر قريبا، إلا ان العلماء اثبتوا دوما بأنهم حين يعدون يفون بوعودهم، وبالتالي ليس علينا سوى ترقب ولادة ما قد يكون اضخم اختراق بشري لأسرار الكون والوجود. ومرة اخرى، المضاعفات الاقتصادية - السياسية لمثل هذا الاختراق ستكون مذهلة. ففي العام الماضي سجّلت «التجارة الالكترونية» قفزات كبرى، دفعت العديد من الشركات العملاقة الى تغيير استراتيجياتها الانتاجية والتسويقية بما يتوافق مع ثورة الانترنت. بالطبع، الاختراقات التكنولوجية لم تتوقف عند هذه الحدود، رغم كون هذه الاخيرة تبدو.. بلا حدود! ففي الفضاء، جاء اكتشاف الماء على القمر وفي بعض الكواكب الاخرى، اضافة الى تصوير ما يمكن ان يكون غيوما كونية هائلة من الماء في الفضاء، ليرجح كفة النظريات التي تقول ان الله يريد للانسان (والحياة) ان يتمددا الى كل الكون. وعلى الارض، كان اعلان العلماء بأنهم نجحوا في انماء خلايا بشرية اساسية في المختبر من انسجة جنينية، خطوة عملاقة اخرى نحو علاج امراض مستعصية مثل السكري والشلل والايدز وامراض القلب وغيرها. ومثل هذا الفتح العلمي، قد يجعل البيولوجيا درة التاج الاقتصادي والاجتماعي للقرن الحادي والعشرين.
ماذا أيضاً؟
ثمة الكثير الكثير في الجعبة العلمية - التكنولوجية، إذ إن التكنولوجيا لا تتقدم سنة فسنة بل يوما بيوم واحيانا ساعة بساعة. وفي كل تقدم تخطوه التكنولوجيا نحو التطويرات الاقتصادية الجديدة، تتراجع مواقع القوة الكلاسيكية (أي السياسة) بصفتها المدخل الاساسي للثروات والسلطة (وبالطبع الصراعات والحروب) كما كانت على مدار التاريخ. فالمعرفة تصبح شيئا فشيئا هي القوة، والتكنولوجيا تصبح اكثر فأكثر هي المحرك الاساسي للتاريخ البشري. واذا ما كانت السياسة ومفاهيم القوة التقليدية لاتزال تواصل استعراض عضلاتها، إلا ان كل اللاعبين في الساحة الدولية باتوا يدركون أن ارض التكنولوجيا والعلم هي الأرض التي سيكسبون او يخسرون عليها معركة القوة والزعامة الاقليمية والعالمية والنفوذ. وبالتالي قد لا يكون استعراض السياسة لعضلاتها سوى حشرجة موت نظام قديم، او استمرار لمرحلة انتقالية مؤقتة لايزال يتعايش فيها القديم والجديد، ولكن الى حين. فالسياسة، مهما حاولت لن تستطيع اللحاق بركب تكنولوجيا امسكت بزمام امور العالم.. وأغلقت باب الاجتهاد لمصلحتها الى أمد غير منظور! |