|
البلديات بين منحة الأقوياء وحقوق الضعفاء |
|
|
|
عارف زيد الزين
|
|
يمكن تعريف البلدية بأنها إدارة محلية تقوم ضمن نطاقها بممارسة الصلاحيات التي يخولها إياها القانون وهي تتمتع بالشخصية المعنوية والاستقلال المالي والإداري. معنى ذلك أن البلدية مستقلة عن السلطة المركزية وعن الدولة. لكن الغريب أن أولى البلديات اللبنانية تكونت قبل أكثر من نصف قرن من إعلان الدولة اللبنانية (في 31 آب/أغسطس 1920) أي قبل إرساء أي سلطة مركزية لبنانية، أو سن أي قوانين في المجلس النيابي اللبناني، إذ تأسست بلدية دير القمر في 18 آب/أغسطس 1864 عندما عين متصرف جبل لبنان، داوود باشا، مجلسها البلدي وكانت صلاحياتها محدودة جداً ومستمدة من المتصرف، وليس من القانون. وكذلك بلدية بيروت التي تأسست عام 1867 وتم تعيين أعضائها الـ (12) بدلاً من انتخابهم. وهي لا تتمتع بالشخصية المعنوية ولا بالاستقلال المالي والإداري.
بعد استقلال لبنان صدر القانون 29/63 تاريخ 29 أيار/مايو 1963 معالجاً موضوع البلديات ثم صدر المرسوم الاشتراعي 118/77 بعد ما سمي بحرب السنتين والطروحات الفيدرالية التي طرحت خلال هذه الحرب، فجاء القانون مقيداً للبلديات من خلال تصديق القائمقام أو المحافظ أو وزير الداخلية. ونص القانون على انتخاب أعضاء المجلس البلدي وفقاً للنظام الأكثري.
في 13 تشرين الأول/أكتوبر 1964 أذاع الزعيم الراحل كمال جنبلاط مشروعه الإصلاحي وتضمن أحد بنوده الانتخابات البلدية وفقاً للنظام النسبي. تبنت الحركة الوطنية هذا البند في برنامجها المرحلي المنشور في 19 آب/أغسطس 1975 وأضافت إليه إنشاء مجالس تمثيلية إقليمية (أي شكل من أشكال اللامركزية الإدارية الموسعة). وطرح الرئيس أمين الجميل في برنامجه الإصلاحي الذي عرضه في مؤتمر لوزان في 13 كانون الأول/ديسمبر 1984 اعتماد لامركزية إدارية واسعة. بالرغم من كل هذه المشاريع الإصلاحية خلا الدستور اللبناني بعد تعديله عام 1990 من أي إشارة إلى البلديات بل أشار فقط إلى المناطق الإدارية المنصوص عنها في المادة 3 من دستور 1926 الذي لم يذكر البلديات. لكن اتفاق الطائف لعام 1989 في البند 3 وتحت عنوان «الإصلاحات الأخرى» نص في الفقرة (أ/4) على اللامركزية الإدارية الموسعة من خلال إنشاء مجالس للأقضية، ونص في البند (أ/5) على تعزيز موارد البلديات من دون الدخول في التفاصيل. لكن نص البند (أ/2) الذي يشير إلى توسيع صلاحيات المحافظين والقائمقامين جاء مناقضاً لما ورد في الفقرة السابقة عن اللامركزية الإدارية الموسعة. كمال جنلاط: الانتخابات وفقاً للنظام النسبي. بعد مضي أكثر من عشرين عاماً على اتفاقية الطائف قدم وزير الداخلية زياد بارود مشروعه الإصلاحي (تم نشره في جريدة النهار في 19 كانون الثاني/يناير 2010) بما يخص الانتخابات البلدية والاختيارية، فتبنى مشروع كمال جنبلاط بالنسبة إلى النظام النسبي، لكنه حصره فقط في المدن الكبرى) أكثر من 21 عضواً بلدياً) في المسودة الأولى لمشروعه. ثم تراجع أمام ضغوط بعض القوى السياسية التي أصرت على تطبيق النسبية في جميع المناطق، فتم تبني هذا الاقتراح في المسودة الثانية من مشروعه. وحصل الشيء ذاته بالنسبة إلى الكوتا النسائية وحول الحد الأدنى من الأصوات للفوز بالعضوية (كانت 6 في المئة في المسودة الأولى وأصبحت 10 في المئة في المسودة الثانية). ومن ثغرات المشروع عدم إعطاء الحق للمقيمين مدة معينة في منطقة معينة بالانتخابات. وأبقى المشروع على القيود الموضوعة من سلطة الوصاية والتي تحد من استقلالية البلدية. بالرغم من تبني مجلس الوزراء بالإجماع مبدأ النسبية في الانتخابات البلدية، إلا أن المجلس النيابي لم يبت بهذا المبدأ لضيق الوقت. فاختلف الفرقاء السياسيون حول تطبيق النظام الأكثري في بيروت كدائرة انتخابية واحدة، فاقترح أكثر من طرف ومنهم التيار الوطني الحر تقسيم بيروت إلى 3 بلديات فرفض تيار المستقبل، باعتبار أن بيروت العاصمة يجب أن تبقى موحدة، وسيتم إرساء المناصفة بين المسيحيين والمسلمين، كما فعل الرئيس الشهيد رفيق الحريري عام 1998 و 2004 حتى لو لم ينص القانون على ذلك. وكذلك سيطبق حزب الله وحركة أمل النظام النسبي في مناطقهم حتى لو لم ينص القانون على ذلك، أي إن المناصفة والنسبية سيتم «منحها» من الأقوياء وليس كحق مكتسب من خلال القانون. أمين الجميل: اللامركزية الإدارية استحضرني هذا الموقف بما حصل خلال الحكم المصري للكيان اللبناني قبل (1832 - 1840) عندما ألّف والي بيروت، محمود بك نعمه، عام 1833 مجلس ولاية من 12 عضواً من العائلات البيروتية، وأمر أن يكون مناصفة بين المسيحيين والمسلمين، بالرغم من أن القانون لا ينص على ذلك بل بمنحة من إبراهيم باشا لرعاياه. السؤال: متى سيكون القانون العادل مصدر حقوق الضعفاء فيتحولون إلى مواطنين في الدولة اللبنانية بدلاً من منحة الأقوياء كمصدر لحقوق الضعفاء، فيظلون رعايا للأمراء في غابة الأقوياء؟ |