اللاجئون الفلسطينيون في لبنان وحق العودة طباعة ارسال لصديق
صقر أبو فخر   

في 10 كانون الثاني/يناير 2008 دعا الرئيس الأميركي جورج بوش إلى تعويض اللاجئين الفلسطينيين، وإلى عدم تنفيذ حق العودة، والتوليد المنطقي لهذه الدعوة هو أن عدم تنفيذ حق العودة سيعني التوطين بالضرورة. ليس الأمر على هذا النحو الميكانيكي. لكن دعوة الرئيس بوش تشير إلى أن الأسوأ ربما لم يأتِ بعد في المخيمات في لبنان. والأسوأ هو انجراف المخيمات الفلسطينية إلى التشدد الديني، وإلى حال من المهانة الإنسانية بحيث تنمو فيها أفكار التطرف والتكفير والإرهاب. لقد كان المخيم في عهد منظمة التحرير الفلسطينية مكاناً للوطنية الفلسطينية العلمانية ولتطوير هوية نضالية جامعة، ومساحة للحلم بحق العودة، وها هي بعض المخيمات اليوم تتحول، بالتدريج، إلى مجمعات بشرية ذات هويات محلية وذات انتماءات دينية متنافرة. وحينما تغيب الهوية المنعقدة على حق العودة تحضر الهويات التي تتوسل العنف والإرهاب والفوضى. وهذا هو الأسوأ فعلاً.

Image 

تحتفل البشرية المتألمة في العشرين من حزيران/يوليو من كل سنة باليوم العالمي للاجئين. ومع ذلك لم تتمكن البشرية المتألمة هذه، والبشرية المفكرة معها، من حل قضية اللاجئين الفلسطينيين التي صار عمرها واحداً وستين عاماً.
في نهاية 2008 بلغ عدد اللاجئين في العالم نحو 12 مليون لاجئ، بينهم 6 ملايين لاجئ فلسطيني يمثلون أقدم حالة لجوء في الكرة الأرضية. وبحسب إحصائيات وكالة الأمم المتحدة لإغاثة وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين في الشرق الأدنى (الأونروا)، فقد بلغ عدد اللاجئين المسجلين لديها في 31 كانون الأول/ديسمبر 2008 نحو 4.6 ملايين لاجئ، بينما وصل عددهم، بحسب إحصائيات أخرى متينة، إلى ستة ملايين لاجئ من بين 9 ملايين فلسطيني متناثرين في أصقاع الأرض كلها، ولاسيما في لبنان وسوريا والأردن والضفة الغربية وقطاع غزة. ومع أن رياح السياسة الدولية قبلت عودة اللاجئين إلى الأماكن التي هُجِّروا منها في كوسوفو وكمبوديا وفيتنام وراوندا والشيشان والقرم، إلا أن هذه السياسة نفسها لم تقبل، حتى الآن، عودة اللاجئين إلى فلسطين.


في 6 نيسان/أبريل 2008، وبينما كان نائب وزير الداخلية في جمهورية تشيلي يستقبل 39 لاجئاً فلسطينياً وصلوا إليها من مخيم «التنف» على الحدود العراقية - السورية، بعدما امتنعت الدول العربية عن استقبالهم، قال لهم: «ألقوا معاناتكم خلف ظهوركم ودعوا تشيلي تعيد إليكم اطمئنانكم». لاريب في أن موقف الحكومة التشيلية هذا موقف نبيل، بل يمثل ذروة التعاطف الإنساني والسمو السياسي، لكنه يمثل، في الوقت نفسه، فضيحة ومهانة: فضيحة للدول العربية التي ضاقت أرجاؤها بمجموعة من الفسطينيين الذين تقطعت بهم السُبُل جراء الحرب في العراق، ومهانة لهذا المواطن الذي طالما اعتبر نفسه عربياً ومع ذلك عاش في رمال الصحراء خمس سنوات متواصلة قبل أن يجد في تشيلي، التي تبتعد أربعين ساعة سفر عن بلاد الشام، ملاذاً آمناً.
ماساة اللاجئ الفلسطيني هي أنه تلقى ترحيباً متزايداً في سنة 1948، لكنه لم يلبث أن أصبح مرفوضاً وغريباً، تماماً مثلما تُرفض المغتَصَبة في المجتمعات الذكورية المتخلفة، فيتم تحميلها عبء الظلم الذي حلّ بها رغماً عن إرادتها. وفي هذا السياق ليست قضية اللاجئين مجرد قضية إنسانية، مع أنها تحتوي شحنة إنسانية هائلة، بل هي قضية سياسية من الدرجة الأولى. فلو أن القضية الفلسطينية، وجوهرها قضية اللاجئين، هي قضية شعب مُهجَّر من أرضه فحسب، لربما كان الحل في إعادة قسم منه إلى دياره الأصلية وتوطين القسم الباقي أينما أمكن ذلك. وهذا الحل المتخيّل هو خسارة أكيدة للشعب الفلسطيني، لكنه أقل تكلفة، مادية وبشرية، من استمرار الصراع مع إسرائيل. ولو أن مشكلة اللاجئين هي مجرد صراع على الأرض فقط، لربما يقول قائل إن الأرض العربية واسعة جداً، فلماذا لا يحق لليهود أن يعيشوا في فلسطين هرباً من الاضطهاد الأوروبي، ويعيش الفلسطينيون في البلاد العربية مع إخوانهم العرب الآخرين؟ غير أن قضية فلسطين ليست قضية إنسانية فقط، وليست قضية أرض وحدها، إنما هي جوهر المسألة العربية التي ظهرت مع بداية تفكك الدولة العثمانية في سنة 1916 فصاعداً، وذروة صراع ممتد بدأ منذ نحو 170 سنة حينما واجهت الدولة العثمانية الراكدة رياح الحداثة الغربية المتضافرة ومع مشروع إمبريالي فتّاك، فأدت إلى تفكيك المنطقة برمتها، واستعمارها مباشرة وإنشاء دولة يهودية منعت تقدمها وأعاقت تضامنها.

 

حق العودة واحتمالات التوطين

 


حق العودة الذي نصّ عليه قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 194 لا يحتاج، من الناحية القانونية إلى نصوص متكررة كي يكتسب شرعية ما، فهو حق من الحقوق الأصلية للإنسان الذي يكفل حق أي فرد بالعودة إلى بلاده من غير قيود. أما من الناحية السياسية، فإن حق العودة هو الرد على «الترانسفير» الذي نفذته «الهاغاناه» ثم إسرائيل بحق الشعب الفلسطيني في سنة 1948. وحق العودة الموجود نصاً في «الإعلان العالمي لحقوق الإنسان» (10 كانون الأول/ديسمبر 1948)، وفي «اتفاقية إلغاء جميع أشكال التمييز العنصري» (1965)، وفي «الوثيقة الدولية في شأن الحقوق المدنية والسياسية» (1966)، علاوة على «اتفاقية جنيف الرابعة لحماية المدنيين في زمن الحرب» (1949) مقترن، وهذا هو الأهم، بحق تقرير المصير بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة رقم 3236 (22 تشرين الثاني/نوفمبر 1974)، والقرار 3376 (10 تشرين الثاني/نوفمبر 1975). وتقرير المصير كمفهوم سياسي - قانوني يحتاج أرضاً كي تصبح ممارسة هذا الحق ممكنة، وما يمنع تطبيق حق تقرير المصير هو عدم وجود أرض حرة للشعب الفلسطيني.

 لاجئي نهر البارد: لاجئون ينتظرون إيواءهم من جديد
لاجئي نهر البارد: لاجئون ينتظرون إيواءهم من جديد

إن عدم وجود أرض للشعب الفلسطيني كان دائماً يعيق هذا الشعب، أو يمنعه من تنفيذ هذا الحق. وجوهر المشكلة إذاً هو «التحرر الوطني»، أي إن جوهر المشكلة أبعد بكثير من نص قانوني هنا أو نص هناك. واللافت أنه مع صعود حركة المقاومة الفلسطينية منذ سنة 1965 فصاعداً، لم يكن حق العودة يحظى بأي حضور مميز في الثقافة السياسية للفلسطينيين. ولعل مشروع التحرر الوطني التي حملته منظمة التحرير الفلسطينية كان يعني أن العودة هي تحصيل حاصل في ما لو قُيض لهذا المشروع أن ينتصر. لكن، مع توقيع «إعلان المبادئ (اتفاق أوسلو) في حديقة البيت الأبيض في 13 أيلول/سبتمبر 1993 تبين أن قضية اللاجئين ربما يتم التفريط بها، أو على الأقل لا يتم الوصول بها إلى خواتيمها المرجوة. وهكذا تصدت بعض المجموعات الفلسطينية لهذه المسألة، وشرعت في إعلان شأن «حق العودة» كأداة سياسية لمواجهة مخاطر اتفاق أوسلو.
في ما يتعدى المجادلات السياسية اليومية، فإن العودة تبدو مستحيلة إلا في حالتين مستعصيتين حتى الآن: إما مشروع تحرر وطني يرغم إسرائيل على القبول بحق العودة، وهذا ما جسدته منظمة التحرير الفلسطينية وحركة «فتح»، إلا أنهما لم تتمكنا من تحقيق إنجاز تاريخي في هذا الميدان، أو مشروع سلام عربي - إسرائيلي يتم التوافق فيه على حل عادل لمشكلة اللاجئين استناداً إلى القرار 194، وهذا المشروع المتخيّل لم يتمكن العرب والإسرائيليون من إنجازه حتى الآن. لا حل سياسياً، إذاً، للقضية الفلسطينية في المدى المتوسط. في هذه الحال الأمور على ما هي عليه: لاجئون ينتظرون إما العودة المؤجلة، أو الإقامة القاسية في المنافي، أو المصائر المجهولة. ومن بين هذه المصائر «التوطين» الذي راح يحوم في سماء المنطقة العربية منذ عدة سنوات. والغرض من التوطين هو التخلص من عبء قضية اللاجئين، وحرمان الفلسطينيين حقهم في العودة. وفي هذا المضمار، فإن التوطين يعتبر خدمة صافية لإسرائيل، وتكريساً للتطهير العرقي الذي نفذته إسرائيل في سنتي 1947 و 1948.
من مفارقات التاريخ السياسي المعاصر في المنطقة العربية أن فكرة «التوطين» التي عادت مجدداً منذ عدة سنوات، كانت حيّة جداً في السنوات العشر التي أعقبت النكبة الفلسطينية، وقرأنا تفصيلات عديدة من مشاريع التوطين المختلفة مثل «مشروع غوردون كلاب» (1949) و«مشروع بلاند فورد» (1951)، و»مشروع جمعية أصدقاء الشرق الأوسط» في أميركا (1952)، و«مشروع إيريك جونستون» (1955)، و«مشروع داغ همرشولد» (1958)، وغيرها، لكن، لم تتمكن أي جهة، على أهمية هذه الجهات الدولية، من تنفيذ أي مشروع على الإطلاق، وفشلت هذه المشاريع الواحد تلو الآخر. والمؤكد أن من أفشل هذه المشاريع لم يكن الحكومات العربية، بل اللاجئون أنفسهم، ولا سيما حينما تداعوا في أيلول/سبتمبر 1949 إلى عقد «مؤتمر اللاجئين» مباشرة بعد فشل مؤتمر لوزان (17/نيسان/أبريل - 15 أيلول/سبتمبر 1949)، وفيه رفضوا توطينهم في أي بقعة في الدول العربية، وأصروا على حق العودة إلى وطنهم الأصلي. وكان هذا المؤتمر رداً فورياً على تصريح والتر بنيامين رئيس الوفد الإسرائيلي إلى مؤتمر لوزان الذي جاء فيه: «إن عودة اللاجئين إلى إسرائيل مستحيلة»، وكذلك على رسالة موشي شاريت إلى لجنة التوفيق الدولية في 7 شباط/فبراير 1949 الذي قال فيها: «الحل أن يتم بتوطينهم (أي اللاجئين) في الدول العربية، والعودة إلى الوضع السابق باتت مستحيلة كلياً».


لبنان والتوطين


في دراسة أجراها معهد FAFO في سنة 2002 تبين أن عدد اللاجئين المقيمين في لبنان يبلغ نحو 200 ألف لاجئ بينهم نحو 106 آلاف يقطنون في المخيمات. وهذه الأرقام تكاد تطابق تقديرات أخرى جرى استخراجها من بيانات الأونروا ومن سجلات الأمن العام اللبناني ومديرية شؤون اللاجئين. وتشير أرقام هذه المؤسسات الثلاث إلى أن عدد اللاجئين المسجلين في لبنان يناهز 430 ألفاً. لكن ثمة مئة ألف لاجئ هاجر من لبنان نهائياً منذ اندلاع الحرب الاهلية في سنة 1975، وتزايدت الهجرة بالتدريج بعد الخروج الفلسطيني من لبنان في سنة 1982، ولاسيما بعد الحرب المتمادية على المخيمات بين 1985 و 1987. وهناك أكثر من مئة ألف فلسطيني نالوا الجنسية اللبنانية في فترات متفرقة بين خمسينيات القرن العشرين وتسعينياته وهذا يعني أن عدد الفلسطينيين المقيمين فعلياً على الأراضي اللبنانية يكاد لا يزيد على مئتي ألف.

 لاجئو مخيم «التنف» ... الأرض العربية ضاقت بهم.
لاجئو مخيم «التنف» ... الأرض العربية ضاقت بهم.

هؤلاء، بالتوصيف القانوني، هم لاجئون وليسو مواطنين. أي إنهم مقيمون على الأرض اللبنانية بصورة مؤقته حتى لو طالت إقامتهم إلى مدى غير محدد. وأكثر ما يخشى بعض اللبنانيين أن يتحول هؤلاء اللاجئون إلى مواطنين. وهذا هو المعنى الذي تختزنه كلمة «توطين». وهنا ثمة التباسات معرفية وقانونية كثيرة. فالتوطين يعني، في أحد وجوهه، اتخاذ المستوى السياسي اللبناني قرارات سياسية تبيح للفلسطينيين البقاء بصورة دائمة في لبنان من غير الحصول على الجنسية اللبنانية، أي كرعايا لدولة أخرى. أما تحويل هؤلاء اللاجئين، أو الرعايا في أحوال متغيرة، إلى مواطنين فلا يتم إلا بالتجنيس. فالتجنيس، في هذه الحال، هو التوطين واكتساب الجنسية معاً. وبهذا المعنى، فإن التوطين لا يعني التجنيس تماماً، بينما التجنيس وحده هو ما يتيح اكتساب الفلسطيني حقوق المواطن اللبناني. وهذا الأمر خطر على الجانبين: خطر على البنية الديمغرافية في لبنان، وخطر على الفلسطينيين أنفسهم كأصحاب قضية جوهرها «حق العودة». لأن من شأن إدماجهم بالمجتمع اللبناني أن يحيلهم إلى أفراد في طوائف وليس كمواطنين، أي إلى سنّة وشيعة وموارنة وأرثوذكس وكاثوليك.. وهكذا.
التوطين هو الاسم المستعار لنفي فكرة العودة، ولإلغاء الحق في العودة إلى فلسطين. ولبنان سيكون المتضرر الأول من التوطين في ما لو وقع التوطين حقاً. لكنني أحسب أن التوطين ربما يقع، في أحوال شديدة السوء والتغير، في الأردن وفي سوريا لا في لبنان، لأن صورة الواقع تُظهر أن ما يجري حقاً هو «لا توطين ولا عودة»، بل هجرة متمادية. وهذا التهجير، أو الهجرة، إنما هو توطين، لكن في دولة ثالثة، وهو طراز من «الترانسفير» المتدرج.
مادام جميع اللبنانيين ضد التوطين، ومادام جميع الفلسطينيين ضد التوطين، ومادام الدستور اللبناني ينص صراحة على رفض التوطين، ومادام الأميركيون والأوروبيون والعرب يؤكدون أن أي حل لمشكلة اللاجئين الفلسطينيين لن يكون البتة على حساب لبنان، فإين المشكلة إذاً؟
إن هذه المناحة الهاذية التي تصور الفلسطينيين في لبنان كأنهم المسؤولون عن فكرة التوطين هي الوجه الآخر لخطة ترحيل الفلسطينيين من لبنان إلى أي مكان آخر في العالم. بل إن هناك مَن يدعو علناً إلى توزيعهم على الدول العربية ضارباً عرض الحائط بحق هؤلاء اللاجئين في العيش كمجموعة بشرية ذات خصائص اجتماعية مشتركة. وهذا حل فاشي من الطراز الستاليني الذي شرد شعوب القرم ومزّق ترابطها الأسري والعائلي. وهناك مَن يدعو إلى تسهيل انتقالهم إلى دول ثالثة (أي تهجيرهم) كي يتوطنوا فيها (المهم ليس في لبنان)، وهذا حل خبيث يريح إسرائيل في نهاية المطاف، وثمة مَن يريد تحويل رعاية هؤلاء من وصاية الأونروا إلى وصاية المفوضية السامية للاجئين (UNHCR)، وهذا أمر خطير لأنه يلغي دور الأونروا المنصوص في القرار 149 (وهو القرار الذي يتضمن في الفقرة 11 حق العودة)، ويحوِّل اللاجئين من شعب له حقوق قومية معترف بها دولياً، إلى مجرد أفراد فارين من بلدانهم، ويحتاجون إلى الحماية في بلدان تمنحهم المواطنة والحماية معاً. وأبعد من ذلك، فإن البعض لم يتورع عن الدعوة إلى الحياد بين العرب والإسرائيليين، وهذه دعوة إن لم تكن ساذجة سياسياً فهي خبيثة. فمن غير الممكن الحياد إزاء دولة مسؤولة عن وجود 430 ألف لاجئ في لبنان، وهؤلاء لم يأتوا بإرادتهم بل بقوة الطرد. ومَن يضمن ألا يطرد الإسرائيليون، في أحوال ملائمة، الآلاف من الفلسطينيين مجدداً إلى لبنان، خصوصاً من فلسطينيي منطقة المثلث؟ ثم إن لبنان واحد من الأسرة العربية بموجب دستوره وبحسب ميثاق جامعة الدول العربية، وبحسب الجغرافيا واللغة وخيار جزء كبير من أبنائه. وعلى لبنان أن يتحمل، وبقدر إمكاناته، نصيباً من المسألة العربية - الصهيونية، مثلما له الحق في أن ينال مساعدات المجموعة العربية في هذا الميدان.
إن هذه الدعوات كلها، حتى لو افترضنا أنها مجرد تمارين ذهنية، هي دعوات غير ممكنة وغير عادلة وتفتئت على حقوق اللاجئين. حتى إن البعض بات يستخدم «حق العودة» كمبرر لعدم منح الفلسطينيين حقوقاً مدنية وإنسانية، بينما قواعد العدالة الإنسانية وقواعد القانون الإنساني الدولي ومبادئ القانون الدولي تحتم منح هؤلاء اللاجئين حقوقهم الإنسانية والمدنية، لأن من شان ذلك جعلهم مجموعة بشرية لها مصلحة في السلم الأهلي اللبناني، بدلاً من أن ترى في الدولة اللبنانية مؤسسة معادية. والحقوق المدنية والإنسانية لا تُسقط عن الفلسطيني صفة اللاجئ، ولا تجعل بينه وبين العودة سدوداً. هذه هي حال الفلسطينيين في سوريا وفي الأردن، وحتى في المهاجر الجديدة في تشيلي وأستراليا وكندا والولايات المتحدة الاميركية وأوروبا.
كان على الأمم المتحدة نفسها أن تراقب مدى التزام الدول المضيفة للاجئين الفلسطينيين بتنفيذ التشريعات الدولية في هذا الميدان، وأن تُصدر تقارير دورية، فضلاً عن تقرير سنوي، تتضمن سجلاً وافياً عن انتهاك هذه الحقوق. وهذا الأمر الذي كان متعذراً في الماضي صار ممكناً اليوم بفضل العشرات من هيئات حقوق الإنسان ومجموعات الضمير التي تعنى برصد المظالم.
هذا جانب من صورة الحال في لبنان. أما الجانب الآخر فيتجلى في المذكرة التي قدمها ممثل منظمة التحرير الفلسطينية في لبنان السفير عباس زكي إلى الرئيس فؤاد السنيورة في آب/أغسطس 2005 والتي تضمنت ما يلي:
1 - العمل على إعادة افتتاح مكتب منظمة التحرير في بيروت.
2 - الاعتراف بجواز السفر الصادر عن السلطة الفلسطينية.
3 - تأمين الحقوق المدنية والاجتماعية للفلسطينيين في لبنان.
4 - إصدار التشريعات التي تسمح للفلسطينيين بالعمل في المهن الممنوع عليهم العمل فيها.
5 - إلغاء الاستثناء الذي يحول دون اكتساب الفلسطينيين حقوقاً عينية في لبنان.
6 - إعادة تسجيل مَن شُطبت قيوده في سجلات مديرية اللاجئين، ووقف شطب قيود مَن حازوا جنسية أجنبية.
7 - تسوية أوضاع فاقدي الأوراق الثبوتية.
لقد تم تنفيذ أربع نقاط من النقاط السبع أعلاه. ولولا أحداث مخيم نهر البارد لكان الحوار اللبناني - الفلسطيني قد قطع أشواطاً في معالجة بقية النقاط، ولا سيما مشكلة الإرهاب الذي مارسته منظمة «فتح الإسلام» وأدى إلى دمار المخيم، ونشوء مشكلة جديدة هي مشكلة إيواء السكان ثم إعادة إعمار المخيم من جديد.

 
< السابق