اقتصاد ذو طابع خاص: نظرة شمولية على الاقتصاد المغربي طباعة ارسال لصديق
أ. د. اميل قسطندي خوري*   

تعتبر المملكة المغربية من الدول الاقتصادية الناهضة (emerging economies) شأنها شأن سائر الدول الصاعدة (أو الناشئة) كدول البريك (BRIC) (البرازيل وروسيا والهند والصين) وبعض الدول الداخلة ضمن مجموعة العشرين (G 20) مثل تركيا والمكسيك وجنوب أفريقيا وإندونيسيا والأرجنتين وكوريا الجنوبية والمملكة العربية السعودية. وفي سعيه المستمر لمواكبة تغيرات العصر في مجالات الحياة كافة، بدأ المغرب في الثمانينيات من القرن المنصرم بتوجيه سياساته الاقتصادية الوطنية المنفتحة على مختلف الاقتصادات العالمية نحو تطبيق نظام الخصخصة (ملكية الأفراد لوسائل الإنتاج) (privatization).

Image 

ففي العام 1990 شرعت المملكة المغربية في تنفيذ برنامج التخاصية، وذلك بهدف نقل عدد كبير من المنشآت العامة (المملوكة من قبل الدولة) إلى حظيرة القطاع الخاص. وقد تم تفعيل هذا النظام بشكل فعلي بين عامي 1993 و 1994. ولكن السؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: «هل يمكننا القول إن الاقتصاد الوطني المغربي (بصورته العامة) هو اقتصاد ذو طابع خاص (private-sector economy(؟ على الأرجح، نعم .. يمكننا اعتباره كذلك. فإذا قلنا أن حصة القطاع العام (public sector) من إجمالي الناتج القومي للمغرب (gross national product) تمثل أقل من الثلث، نجد أن حصة القطاع الخاص تصل إلى أكثر من ثلثي هذا الناتج، علماً بأن القطاع العام يمتلك النصيب الأكبر من معظم المشروعات الكبرى للبلاد (كمشاريع الإعمار والإسكان مثلاً). وعلى صعيد التجارة الحرة يرتبط المغرب بعدة اتفاقيات تجارية وعلاقات اقتصادية متينة مع العديد من الدول العربية والأجنبية نذكر منها، على سبيل المثال، اتفاقية أغادير للتجارة الحرة (Aghadeer free trade agreement) وذلك مع ثلاث دول عربية شقيقة: الأردن ومصر وتونس.


اقتصاد متنوع


يتألف الاقتصاد المغربي من ثلاثة قطاعات رئيسية: الزراعة والصناعة والخدمات. يشكل القطاع الزراعي ما يناهز 17 في المئة من مجمل اقتصاد المملكة. ويشمل القطاع الزراعي الصيد البحري والزراعة التصديرية والفلاحة (كتربية المواشي مثلاً). ويساهم الصيد الساحلي من الثروة السمكية بنسبة تقارب 82 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة المغربية. ومن أهم المحاصيل الزراعية (agricultural crops) لاقتصاد المغرب فهي الحمضيات والفاكهة والزيتون والحبوب (كالقمح والذرة والشعير) وقصب السكر والقطاني (كالفول والجلبان والعدس والفاصوليا البيضاء). وتعتبر الزراعة مصدراً رئيسياً من مصادر الدخل الفردي (per capita/personal income) لعدد كبير من سكان المغرب، إذ يعتمد زهاء 40 في المئة من إجمالي عدد سكان البلاد بشكل أساسي على هذا القطاع الحيوي الهام. أما الأنشطة الصناعية فهي تتوزع على عدة محاور نذكر منها الصناعة الاستخراجية (extractive manufacturing) التي تعنى باستخراج المعادن والمياه والطاقة (كإنتاج الكهرباء وتكرير البترول واستخلاص الزيوت الصخرية والطاقة النفطية ومشتقاتها) والصناعة الاستهلاكية (manufacturing consumptive) (كالمنتجات الغذائية والصناعات السمكية والمشروبات والتبغ) والصناعة التحويلية (transformational manufacturing) (كالصناعات الكيماوية وشبه الكيماوية والبتروكيماوية والمعدنية والتعليبية وصناعة النسيج والجلود والورق والورق المقوى ومعدات النقل) والبناء (construction) والصادرات (exports) والأشغال العامة (public works). يساهم قطاع الصناعة بحوالي 35 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمغرب. ومن المنتظر أن يتضاعف هامش الإنتاج الصناعي بحلول العام 2012 بفضل عدة عوامل ومتغيرات اقتصادية نذكر منها مثلا تهافت المستثمرين (private investors) على المملكة وارتفاع معدلات الطلب (consumer demand) على مختلف الصناعات المحلية المغربية، وذلك نظراً إلى جودتها العالية وأسعارها التنافسية المعقولة على مستوى العالم. ومن أهم الدول الأجنبية التي تستثمر باقة كبيرة من أعمالها ومصالحها التجارية (business concerns) المختلفة في المملكة المغربية، نذكر، على سبيل المثال، البرتغال والمملكة المتحدة وفرنسا وإسبانيا والولايات المتحدة الأميركية. أما في ما يخص قطاع الخدمات، هناك حزمة متنوعة من النشاطات الاقتصادية (business cycles) التي تدخل في تشكيلة هذا القطاع الهام مثل التجارة والنقل والمواصلات والإدارة العامة والمؤسسات المالية والاتصالات السلكية واللاسلكية. ويشكل قطاع الخدمات ما يعادل 52 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي للمملكة ما يجعله من أكثر وأنشط القطاعات الاقتصادية من حيث معدلات الإنتاجية والمردوديات الربحية على رؤوس الأموال الاستثمارية (profit returns on capital investments)، ناهيك بتحقيق عوائد إضافية لخزينة الدولة من الرسوم والإيرادات الضريبية. وبناء على ما سلف ذكره من معطيات اقتصادية وبيانات إحصائية (statistical data) يمكننا القول إن الاقتصاد الوطني المغربي يمكن تصنيفه في بوتقة الاقتصاد المعني بالدرجة الأولى بقطاع الخدمات (service economy).

Image
مصادر متجددة


وبالإضافة الى القطاعات اللوجستية الثلاثة التي تشكل بمجملها الدعائم المحورية لاقتصاد المغرب، تعتمد المملكة على مصادر أخرى لجلب سلة متنوعة من العملات الصعبة (hard currencies) للخزينة العامة. تشمل هذه المصادر السياحة (tourism) التي تعتبر إحدى القطاعات الاقتصادية الوطنية الواعدة، والاستثمارات الخارجية المباشرة (direct investments foreign)، وعائدات الجاليات المغربية المقيمة والعاملة في الخارج (expatriates’ returns) من مدخرات الأفراد وتحويلاتهم النقدية من العملات الصعبة التي تساهم بدور فاعل ومؤثر في مجمل الجهود التنموية الاقتصادية والاجتماعية للمملكة (كتشغيل رؤوس الأموال وإقامة مشاريع استثمارية وإنتاجية مختلفة)، إضافة إلى سلة متنوعة من الصادرات المحلية العالية الجودة (كالفوسفات ومشتقاته والملابس الجاهزة والأجزاء الألكترونية والجوارب والمنتجات المعدنية والزراعية والبحرية مثل الأسماك الطازجة وزيت السمك والطحالب البحرية). والجدير بالذكر أن مجمل صادرات المغرب قد سجلت معدلات مقبولة جداً في حجم النمو الاقتصادي (economic growth) فاقت ما نسبته 10 في المئة على مدار سبع سنوات متتالية (2000-2007). وعلى الجانب الآخر من المعادلة النسبية للتجارة الخارجية (foreign trade)، فإن المملكة المغربية تستورد المواد التجهيزية والمواد الاستهلاكية والطاقة ومشتقاتها. ومن أهم المزودين (suppliers/vendors) اللوجستيين لاحتياجات المغرب المختلفة، نذكر مثلاً روسيا وإيطاليا والمملكة المتحدة والصين وألمانيا وإسبانيا وفرنسا والولايات المتحدة الأميركية والمملكة العربية السعودية. أما الدول التي يصدر لها المغرب بالمقابل فهي تشمل إيطاليا وألمانيا وهولندا وفرنسا والمملكة المتحدة وإسبانيا والهند والولايات المتحدة الأميركية.


مرونة عالية


تتميز المملكة المغربية باقتصاد قوي ذي أداء رفيع يتسم بمرونة عالية وتنوع كبير ونظام مالي سليم وقطاع مصرفي متين. كما يتمتع الاقتصاد الوطني للمغرب بدرجة رفيعة المستوى من الديناميكية والاستقرار (dynamism and stability). فقد تمكن المغرب من تقليص المستوى العام للأسعار (general level of prices) بشكل جوهري بفضل قدرته الفائقة التي أظهرها على ضبط تقلبات الأسعار  (prices fluctuations) من خلال إعادتها إلى معدلاتها الطبيعية (regression to the mean) والتحكم في معدلات متدنية من التضخم (inflation) والإبقاء عليها في حدود 1.8 في المئة على مدى أربعة أعوام متتالية (2000-2004). وبالرغم من أن نسبة التضخم قد ارتفعت نسبياً إلى 3 في المئة في 2008 إلا أنها من المتوقع أن تعاود انخفاضها إلى 2 في المئة خلال العام الحالي، وذلك بفضل التراجع النوعي لأسعار مستوردات المملكة الخارجية من السلع الأساسية كالنفط والحبوب والمواد الأولية. كما يتمتع المغرب بجاذبية كبيرة لمختلف الاستثمارات الأجنبية بفضل السياسات التصنيعية الإرادية الحصيفة التي تنتهجها الحكومة المغربية من خلال سن التشريعات التنظيمية والقوانين المحفزة على دعم القطاعات الاقتصادية الإنتاجية المادية (الصناعة والزراعة والتصدير) لوجستياً ومالياً والاستغلال الأمثل لرؤوس الأموال التشغيلية وإقامة المشاريع الإنتاجية المدرة للدخل القومي والفردي، وصولاً بالمحصلة النهائية إلى بناء بركة واسعة من الوظائف وفرص العمل المتنوعة التي من شأنها أن تؤدي إلى زيادة الدخول الإجمالية للمواطنين والتخفيف من حدة الفقر وخفض معدلات البطالة المرتفعة. ففي هذا الإطار، تمكن المغرب من تحقيق نجاح نوعي ملموس في جذب واستقطاب العديد من الاستثمارات الأجنبية التي وجدت في هذا البلد مناخاً مناسباً وتربة خصبة للاستثمار على أراضيه. فقد لمسنا ترجمة حقيقية لهذه الاستثمارات في قطاعات اقتصادية متنوعة شملت صناعة الطائرات وتركيب السفن (الحربية والسلمية على حد سواء) والصناعات الغذائية والأوفشورينغ والنسيج والاتصالات. ومن العوامل اللوجستية التي ساهمت بفاعلية كبيرة في تحقيق نتائج إيجابية في هذا الاتجاه، نذكر مثلاً التسهيلات المرنة التي وفرتها الدولة للمستثمرين والموقع الاستراتيجي الهام للمملكة (الذي يربط بين القارة الأفريقية وأوروبا عن طريق مضيق جبل طارق) (Gibraltar) واتقان المغاربة لعدة لغات عالمية مختلفة وتوفر الأيدي العاملة (labor force) المؤهلة والرخيصة. وللاستفادة القصوى من مجمل الفرص الاستثمارية الخارجية (foreign investment opportunities) التي أتاحتها الأجواء التشجيعية لهذه العوامل مجتمعة، قامت العديد من الشركات الأوروبية الكبرى بتحويل مجموعة واسعة من أنشطتها الإنتاجية المختلفة الى المملكة حيث تم توجيه هذه الاستثمارات النوعية واستغلالها بشكل فعال في صناعات عديدة ذات تكنولوجيا عالية (state-of-the-art technology) مثل السيارات والألكترونيات والصناعات الميكانيكية، على سبيل المثال لا الحصر. فالشراكة الاستراتيجية (strategic alliance) بين مجموعة رونو الفرنسية وشركة صوماكا المغربية لصناعة السيارات لهي خير مثال على ذلك.


امتصاص الصدمات الخارجية


كما يتمتع المغرب بقدرة عالية على امتصاص الصدمات الخارجية (كصدمات العرض) (supply shocks) والتعامل معها بحصافة شديدة ما جعله قادراً على مواجهة الظروف الدولية الصعبة التي اتسمت بالارتفاع التاريخي لأسعار الغذاء والمواد الأولية الخام (raw materials) والسلع الأساسية الضرورية والتوأمين المذهبين (الذهب الأسود والذهب الأصفر) والصمود بقوة عارمة في وجه الأزمة المالية العالمية الراهنة (global financial crisis) التي كان لها أشد الانعكاسات السلبية على كافة الاقتصاديات الدولية وتجاوز تداعياتها المؤلمة بكل ثقة واقتدار وثبات وإصرار. وإن كان ثمة برهان ساطع على قدرة المغرب على الإمساك بزمام الأمور والتحكم الصارم في دفة التوازنات الاقتصادية الكبرى (macro economics) والتمكن منها والمحافظة عليها في مسارها الصحيح، فليس هناك خير دليل على ذلك من تسجيل المملكة نمواً اقتصادياً باهراً بلغت نسبته 5.8 في المئة في العام 2008 والذي من المتوقع له أن يتعاظم إلى 6.7 في المئة خلال العام الجاري. ومن الجدير بالذكر أن الفضل الأكبر في تحقيق مثل هذا النمو كان لقطاع الزراعة.
ويعتبر المغرب من البلدان الغنية بالموارد الطبيعية المتنوعة مثل الفحم والملح والمعادن المختلفة كالحديد والباريتين والرصاص والمنغنيز والكوبالت والنحاس والزنك والفليورين والانتيموان والفضة والذهب. كما تعتبر المملكة المغربية من أغنى الدول كافة بمادة الفوسفات الحيوية، إذ يقدر مخزونها الاستراتيجي (strategic reserve) بما يعادل 75 في المئة من مجمل الاحتياطيات العالمية. وعلى صعيد الإنتاج الاستخراجي يعتبر المغرب ثالث أكبر دولة منتجة للفوسفات على مستوى العالم وأول مصدر لهذه المادة اللوجستية وأول المصدرين للنسيج لدول الاتحاد الأوروبي (European Union) وأول منتج للحامض الفوسفوري بنسبة تصل إلى 46 في المئة من مجمل الإنتاج العالمي الكلي (world mass production). بالإضافة إلى ذلك يعتبر المغرب من كبار مصدري الأسماك. ومع كل هذه الميزات والحسنات الإيجابية للمغرب على صعيد الإنتاج الوطني، إلا أن المملكة مازالت مقلة نوعاً ما في إنتاج الانتراسيت والبترول والغاز الطبيعي الذي لا يتعدى معدله 20 في المئة نظراً إلى محدودية (scarcity) هذه المصادر من الطاقة الأرضية الكامنة، الأمر الذي يجعل المغرب بالكاد يغطي احتياجات السوق المحلية  (domestic market needs) ما يضطره في نهاية المطاف إلى الاعتماد بشكل كبير على الطاقة المستوردة من الخارج.


التنمية المستدامة


وبالرغم من مجموعة العوامل القسرية التي تعيق تقدم المغرب باتجاه تحقيق النمو الاقتصادي المنشود (كالبطالة المتزايدة (unemployment) وتعرض قطاع الإنتاج الزراعي لموجات متكررة من القحط والجفاف (drought) والارتفاع المطرد للنمو السكاني (population growth) والاعتماد بشكل شبه كلي على تصدير سلعة استراتيجية واحدة - الفوسفات)، إلا أن المغرب مازال ماض مضي الخيل الأصيل على طريق الإصلاح الاقتصادي (economic reform) والتنمية المستدامة الشاملة. فعلى سبيل المثال، تولي الحكومة المغربية اهتماماً جلياً بتطوير قطاعات اقتصادية أخرى (كقطاع النفايات المنزلية مثلاً)، وذلك من خلال إجراء إصلاحات شاملة على مختلف الأصعدة القانونية والتنظيمية والتشريعية والمؤسسية والمالية والتقنية والبيئية والاجتماعية. كما أن الحكومة لا تدخر جهداً في تحقيق الإنجازات تلو الإنجازات على المستويين الاقتصادي والاجتماعي، وذلك من خلال سعيها المتواصل وعملها الدؤوب الجاد لإطلاق برامج اقتصادية متنوعة تهدف إلى تطوير العديد من القطاعات الاقتصادية المحورية المختلفة (مثل الاتصالات والتجهيزات الصناعية والزراعية والبنى التحتية) وتحسين مستوى خدمات وسائل ومرافق النقل من جسور وشبكات طرق برية وسكك حديد وموانىء (كميناء المحمدية وطنجة والداخلة والناضور) ومطارات (كمطار الدار البيضاء والرباط وفاس وأغادير ومراكش وطنجة والعيون). وضمن رؤيتها التطويرية الرامية إلى النهوض بالاقتصاد الوطني للبلاد، فقد تبنت الحكومة المغربية سياسات اقتصادية واضحة المعالم تجلت في وضع وتنفيذ مخططات تنموية شاملة (economic development plans) تهدف إلى العمل على رفع سوية أداء وعطاء القطاعات الرئيسية الثلاث (الصناعة والزراعة والخدمات) التي تشكل بمجملها العمود الفقري لاقتصاد الدولة. من هذه المخططات نذكر مثلاً «المخطط الأزرق» الذي تم وضعه خصيصاً للنهوض بالسياحة و«مخطط الانبثاق» الذي يهدف إلى الارتقاء النوعي بالقطاع الصناعي و«المخطط الأخضر» الذي يعنى بتطوير الزراعة وتحسين مستويات الإنتاج لهذا القطاع اللوجستي الهام.



*مستشار إداري وخبير اقتصادي، عمان / المملكة الأردنية الهاشمية
E-mail: هذا البريد محمى من المتطفلين , تحتاج إلى تشغيل الجافا سكريبت لمشاهدته

 
< السابق   التالى >