هل ابتلع «الغول الرأسمالي» المعارضة البيئية العالمية؟ طباعة ارسال لصديق
سعد محيو   

Imageالرأسمالية حقاً «وحش عبقري»، وصيّاد مُحترف وماهر، ومصاص دماء له ألف حياة.
فقد أثبتت المرة تلو المرة أنها قادرة على تحويل الأسود إلى أبيض، والشر إلى فضيلة، والكذبة إلى حقيقة. وهي نجحت طيلة القرون الأربعة الماضية في طحن، ثم ابتلاع، ثم هضم، كل الحركات الايديولوجية والثقافية التي تصدت لها، إلى أن دان لها العالم بأسره بالسمع والطاعة.
وهكذا وُلدت إمبراطورية العولمة الرأسمالية الراهنة، التي تعمل الآن بدأب ونشاط على تحويل أمم العالم قاطبة إلى أمة واحدة دينها الدولار أو أي عملة دولية أخرى ستولد لاحقاً، وديدنها التنافس الوحشي والاستهلاك المادي المنفلت من عقاله.

لماذا تذكّر هذه الوقائع الرأسمالية الآن؟
لأن الرأسمالية حققت مؤخراً فوزاً مظفراً جديداً، حين نجحت في طحن وابتلاع حركة «يوم الأرض» العالمية التي كانت أهم مُتحدٍ لهيمنتها الايديولوجية بعد سقوط الاشتراكية حين وضع مصير كوكب الأرض ومخلوقاته في كفة، واستمرار النظام الرأسمالي في الكفة الأخرى.
قبل أربعين سنة، حين احتفل مئات ملايين البشر للمرة الأولى بيوم الأرض، ترددت في أرجاء المعمورة صرخة مجلجلة واحدة: اسجنوا الرأسمالية كي تطلقوا سراح الأرض وتحرروها من تغيّر المناخ والتسوناميات والزلازل والفيضانات والعصور الجليدية الجديدة.


لكن الاحتفالات بيوم الأرض، بالأمس، كانت على النقيض من ذلك تماماًً. فالرأسمالية طوّعت، أو تكاد، التمرد البيئي العالمي عليها عبر تمويل الكثير من حركاته، وطرحت نفسها على أنها الفارس الأول الذي يتقدم الصفوف لاقتحام قلعة التلوث.
وهكذا، وبين ليلة وضحاها، وُلد ما يُطلق عليه اسم «الاستهلاك البيئي» (Eco-consurmerism) الذي بدأ بالتدريج يحل مكان شعار «رفض الاستهلاك لحماية البيئة»، والذي تتنافس فيه الشركات العملاقة على بيع خمرها القديم بقوارير جديدة.
وعلى سبيل المثال، تتزعم الآن شركة مرطبات عالمية حملة لإعادة تدوير الزجاجات الفارغة، هذا على رغم أنها ترمي في الولايات المتحدة وحدها بليوني زجاجة فارغة سنوياً، ما يعتبر مصدراً رئيساً لتلوث البيئة وتآكلها. لا بل تنشط شركات كيماوية عملاقة لتقديم صورة عن نفسها بأنها المدافع الأول عن «الأرض الخضراء» من خلال تنظيم رحلات رخيصة إلى الأرياف، هذا في حين أنها مُتهمة من قِبَل الأمم المتحدة بأنها المسؤول الأول عن تلوث الأنهار والمحيطات.
لكن تبقى صناعات الأغذية الحيوانية الضخمة هي الأهم في كل هذا التشويه لمعركة إنقاذ البيئة. فهي تصرف الآن عشرات ملايين الدولارات على حملات إعلانية تصوّرها على أنها الصديق الأول لـ«أمنا الطبيعة». بيد أن تقارير الأمم المتحدة تكشف عن أن هذه الصناعات تُطلق غازات دفيئة أكثر من كل السيارات والطائرات والقطارات والسفن مجتمعة. فنحو 51 في المئة من انبعاثات غازات التلوث في العام تنطلق من المزارع الحيوانية، وقطاعات ضخمة من الغابات يتم تدميرها لإفساح المجال أمام استيلاد الذبائح وتوفير الطعام لها. ووفقاً لحركة «غرين بيس»، صناعة الأطعمة الحيوانية مسؤولة عن المجاعة العالمية، ونقص المياه والموارد الأخرى (بما في ذلك النفط) حيث إن كل رطل من اللحوم يحتاج إلى 16 رطلاً من الحبوب وكميات هائلة من الوقود الأحفوري.
هل تعني كل هذه المعطيات أننا خسرنا المعركة ضد الرأسمالية لإنقاذ بيئة الأرض؟
آنياً نعم. فالآلة المالية والايديولوجية الضخمة للرأسمالية اخترقت معظم حركات البيئة، وأقنعتها بأنها ستلبي كل مطالبها وأهدافها.
وهذا يذكّرنا بالعمل الفكري التاريخي للمفكر الماركسي الإيطالي أنطونيو غرامشي، الذي كان أول من اكتشف الديناميات المُعقّدة التي تمارس بها البورجوازية هيمنتها الايديولوجية والثقافية على المجتمعات، والتي تشمل السيطرة على أجهزة الإعلام والتعليم وتوجيهها، ونشر كل أنواع الثقافات التي تغرس المفاهيم الرأسمالية في النفوس والعقول.
بيد أن هذا النصر الآني قد يُثبت بعد حين أنه متطرف في آنيته. وهذا ليس بفضل البشر بل الحجر (أي الطبيعة).
لنستمع إلى ما يقوله الخبير البيئي الكبير البروفسور البريطاني جيمس لافلوك:
«كوكب الأرض الغاضب (الذي يسميه «غايا» لأنه يتصرف كمخلوق عضوي واحد) سيحاول إعادة التوازن إلى الطبيعة. بيد أن ذلك سيعني إزالة الحضارة ومعظم الجنس البشري». لماذا»؟ لأن جنسنا وضع نفسه في حال حرب مع الأرض نفسها. وحدها الكوارث الطبيعية الآن يمكنها أن توقف هذه الحرب التي يدمّر فيها التلوث الصناعي البشري الأعمى المناخ، وتوازنات الرياح، والمحيطات والبحار».
الكوارث الطبيعية بدأت بالفعل، وهذه بعض ملامحها:
- العقد الأول من القرن الحادي والعشرين شهد أسخن جو في نصف الكرة الشمالي منذ ألف عام. وترافق ذلك مع ارتفاع مستويات البحر من 4 الى 8 إنشات عما كان عليه خلال القرن الماضي، أي عشرة أضعاف ما كان عليه قبل 3000 سنة. كل هذا حدث بسبب غابات الحبيسة التي يطلقها الإنسان، مثل ثاني أوكسيد الكربون، والميثان، وأوكسيد النيتروس.
- تزايد وتائر حرائق الغابات في أميركا الشمالية والذوبان المفاجىء للثلوج في أوروبا، قد تكون البدايات الأولى لانقلاب نهائي في المناخ، وربما يعيد إنتاج عصر جليدي جديد.
تلّوث البحار والمحطات الكبرى يزداد سوءاً، وهو  سيؤدي عاجلاً أو آجلاً الى كوارث طبيعية ضخمة، وتفاقم الأمراض والأوبئة.
- ومؤخراً، شهد العالم عيّنة بسيطة، مجرد عينّة، من الأعظم الآتي، حين أدت تسوناميات  وزلازل وفيضانات «غير عادية» إلى مصرع وإصابة وتشريد مئات الألوف في المحيط الهادي.
هذه المعطيات دفعت عدداً من المفكرين إلى الدعوة إلى رفض العلم والحداثة برمتهما ومنح الأولوية لـ«مركزية الطبيعة» على «مركزية الإنسان». لكن هؤلاء قلة تطغى عليها الرومانسية والمُثُل غير القابلة للتطبيق. الأغلبية تنحو إما لإضفاء مسحة إنسانية على النظام الرأسمالي الراهن، عبر الدعوة الى «تخضير» منظمة التجارة العالمية وصندوق النقد الدولي، أو الى إعادة تنظيم جذرية للعلاقات بين الإنسان والطبيعة .
كتب جون بيلامي فوستر، في مؤلفه «الأيكولوجيا والرأسمالية»: «علينا أن نعيد النظر في علاقة الإنسان بالطبيعة، انطلاقاً من إدراك القيمة الكامنة في العالم الطبيعي والعمل على الحفاظ عليها. لكننا في حاجة أيضاً إلى الاعتراف بأنه ليس في وسعنا تجنّب تحويل الطبيعة في خضم عملنا وعيشنا فيها. وفي هذا الإطار، هدفنا يجب أن يكون تغيير الطبيعة بطريقة مستدامة، وتطوير علاقتنا معها في إطار تنظيم عقلاني جديد وحديث».
أفكار جميلة؟
أجل، لكنها من أسف ستتعرض قريباًً إلى الابتلاع و«الهضم» على يد «الغول» الرأسمالي.
 

الصوت الحر

زوارنا الاعزاء، ندعوكم للمشاركة في منتدى الصوت الحر - صوتك ، لمناقشة مواضيع المجلة ومواضيع اخرى في السياسة، الاقتصاد، المجتمع والفن.
www.Sawtak.com