|
صراع الديوك بين الجيش وأردوغان |
|
|
|
اسطنبول - أمين قمورية
|
|
تركيا بين «مطرقتين» الشارع التركي يراقب رهان القوة الجديد بين حكومة أردوغان… والجيش العلماني الذي أسقط أربع حكومات في السنوات الخمسين الماضية من عمر الجمهورية الأتاتوركية... ماض يعتقد كثيرون أنه بات من الصعب تكراره، لكن كيف سينزع فتيل هذا التوتر الجديد؟ وهل يمكن أن تنجح المساكنة بين الحزبيين الإسلاميين والعسكريين العلمانيين؟
مضت سبع سنوات على تولي حزب العدالة والتنمية الحكومة في تركيا. وعلى رغم هذه الفترة الطويلة من الحكم فإن حزب رجب طيب أردوغان لم ينجح في تهدئة مخاوف الفئات الحذرة من برنامجه الإسلامي والمتصلة اتصالاً وثيقاً بالجذور العلمانية للدولة. كما أن هذه السنوات لم تنجح في إحداث «كيمياء» بين هذا الحزب والجيش صاحب النفوذ الواسع في تركيا، والذي يحفل تاريخه بالصدامات مع التيارات الإسلامية التي تعددت أسماء أحزابها مع تعدد المعارك التي خاضتها، لكنها خرجت منها جميعاً منكفئة ومهزومة. وهكذا تنقسم تركيا انقساماً عمودياً بين فريقين: الذين مع الحكومة يعتبرون الجيش أكبر عقبة في طريق سلوك تركيا بخطى ثابتة على طريق الديمقراطية واحتمال عضويتها المقبلة في الاتحاد الأوروبي، والذين مع الجيش يعتبرون أن مجيء أردوغان وصديقه الرئيس عبدالله غول إلى الحكم في أنقرة شكل أكبر ضربة للنظام الذي أرسى أسسه كمال أتاتورك قبل أكثر من ثمانين سنة. ومؤيدو الحكومة يتهمون العسكر بالتحضير لانقلاب على إرادة الناخبين، وفي المقابل قادة الجيش وأنصارهم يتهمون حكومة أردوغان بمحاولة أخذ تركيا إلى مواقع تتناقض مع دستورها ومصالحها، سواء في ما يتعلق بإدارة الأمور الداخلية للبلد، أو بتوسيع العلاقات التركية مع الإقليم المجاور والإيراني منه خصوصاً.
الجيش خلف القضبان والمعركة الجارية حالياً بين حكومة أردوغان والجيش التركي لا تخرج عن هذا الإطار. لكن للمرة الأولى منذ قيام الجمهورية فإن ضباط الجيش حامي الجمهورية والعلمانية، والذين لطالما كانوا بمنأى عن المساءلة يساقون الواحد تلو الآخر إلى أقواس المحكمة. حملة اعتقالات جديدة شملت 18 عسكرياً بينهم جنرال متقاعد، ليرتفع إلى 31 عدد الضباط الأتراك رهن الاعتقال في إطار التحقيق في المؤامرة المعروفة باسم «المطرقة الثقيلة» التي نسجت خيوطها العام 2003 لإطاحة حكومة العدالة والتنمية. ورئيس الوزراء يتوعد بأن «لا أحد سيفلت من العقاب .لا أحد فوق القانون. فهذا البلد ليس بحاجة لديمقراطية مبتورة الطرف. تركيا بلد ديمقراطي خاضع لأحكام القانون». وهكذا بات السؤال: إلى أين ستفضي هذه المواجهة؟ هل كبلت الحكومة الجيش؟ وهل سترضى المؤسسة العسكرية بتلقي أوامر الحكومة المنتخبة بعدما كانت تصدر الأوامر؟ أم أن تركيا على عتبة مرحلة جديدة؟ بعض الخبراء والمحللين يعتبرون أنه من قبيل قصر النظر أن تستخف حكومة أردوغان بقدرة الجيش التركي على المقاومة والدفاع عن ذاته. فشعار «لا أحد فوق القانون» الذي يرفعه أردوغان هو شعار جميل. لكنه شعار يحتاج إلى الدفاع عنه. ووسائل الدفاع الوحيدة التي تملكها حكومة أردوغان لحماية ذاتها هي وسائل القوات الأمنية وفي طليعتها الجيش. وعندما يصير الشك والحذر هما عنوان التعاطي بين الجيش والحكومة، يصير وضع الحكومة صعباً مهما بلغت درجة الالتفاف الشعبي حولها. ومن المهم التذكير بأن عودة الحياة السياسية والمدنية إلى المؤسسات التركية كانت تتم دائماً بفضل عودة الجيش طوعاً إلى الثكن، وليس تحت ضغط أي عامل آخر. ويبدو أن الجانب العسكري - العلماني يحمل نظرة سلبية راسخة تجاه حزب العدالة والتنمية لم تبددها تجربة السنوات الثماني الماضية. والدليل على ذلك هي توالي إعداد الخطط داخل رئاسة أركان الجيش التركي منذ العام 2003 وحتى الآن لإطاحة حكومة العدالة والتنمية. وإذا كانت ظروف عديدة منها الشعبية الكاسحة للحزب حالت دون المضي في تنفيذها حتى الآن، فإن الجيش لا يزال يأمل في أن تتاح أمامه الظروف لخلع أردوغان ورفاقه بشتى الطرق.
بين مطرقتين
ثمة نظرة مغايرة.. إذ إن محللين آخرين يعتقدون أن عهد الانقلابات العسكرية المباشرة قد طوي من حيث المبدأ لاسباب كثيرة أهمها القضاء على الحلم التركي بالانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأن الجيش التركي لن يخرج قواته من الثكن لإطاحة الحكم المدني إلا في «حالة جنون» من المستبعد أن تحدث. لكن في نظر هؤلاء أنفسهم فإن ذلك لا يعني أبداً أن العلمانيين في تركيا وفي طليعتهم العسكر سيقرون بهزيمتهم بسهولة ذلك أنهم لا يزالون يملكون أوراقاً قوية في مواجهة السلطة الشعبية للحزب الحاكم. ويبدو أن المؤسسات القضائية ذات الثقل مثل المحكمة الدستورية ومجلس القضاء الأعلى باتت الآن هي رأس حربة تعطيل أو التشويش على حكم العدالة والتنمية بعدما وصل الصراع بين الطرفين إلى درجة تجاوزت القوانين بل الدستور نفسه. فعلى مدى الأعوام والشهور الماضية، لم تكتف المحكمة الدستورية بالنظر في المسائل المطروحة أمامها ضمن صلاحياتها بل نصّبت نفسها في الكثير من الأمور مكان البرلمان نفسه ما أتاح لها إبطال التعديل الدستوري حول محاكمة العسكريين أمام محاكم مدنية، وإبطال التعديل الدستوري الآخر بالسماح للمحجبات بدخول الجامعات. وهي أمور أكد خبراء ومحللون أنها تتعلق بالسلطة الاشتراعية وتقع فعلياً وقانونياً خارج نطاق صلاحياتها. إثر ذلك، انتقلت العدوى إلى مجلس القضاء الأعلى عندما أقدم على نزع الصلاحيات من أحد المدّعين العامين بعدما أمر باعتقال مدّع عام آخر بتهمة الانتماء لمنظمة «أرغينيكون» السرية المتهمة بالتحضير لانقلاب عسكري والتي تضم عدداً كبيراً من الجنرالات المتقاعدين والصحافيين ورجال الأعمال وغيرهم، وهو الأمر الذي فُسّر على أنه تدخل لصالح قاض يُشتبه في انتمائه إلى منظمة إرهابية من دون الانتظار لاستكمال التحقيق مع القاضي المتهم. لكن الكشف عن مؤامرات التخطيط المتلاحقة لانقلابات على الحكومة، أعطى حزب العدالة ورقة قانونية قوية مكنته من شن حملة مضادة على خصومه العلمانيين المتشددين داخل الجسم القضائي ولتعديل بعض المواد الدستورية المجحفة بحق الحكومة والبرلمان. ذلك أن معظم وثائق الخطط التي اكتشفت وكان المتورطون فيها ضباطاً سابقين كباراً من بينهم قادة القوات الجوية والبحرية والبرية ونائب رئيس الأركان وقائد القوات الخاصة سابقاً وقائد للدرك وما شابه ذلك، كانت أصلية بالكامل. وفي كل مرة كانت رئاسة الأركان تنفي وجود مثل هذه الوثائق ثم لا تلبث أن تلوذ بالصمت. وأحرجت «حرب الوثائق» التي شنها بصورة غير مباشرة حزب العدالة والتنمية على رموز نظام الوصاية العسكرية مؤسسة الجيش وأساء الى صورتها بحيث تراجع التأييد الشعبي لها من أكثر من 80 في المئة في السنوات الماضية إلى 63 في المئة في استطلاع جرى أخيراً وهذا أمر غير معهود في تاريخ تركيا التي يحظى فيه الجيش بسمعة طيبة. وهكذا في مقابل «خطة المطرقة» التي أعدها ضباط كبار في الجيش لإطاحة الحكومة والتي جرى كشفها، شرع قضاة من خارج الجسم القضائي المتجذر في النظام العلماني في شن عملية مضادة هي «عملية المطرقة» لمحاسبة الضباط المتورطين في خطة الانقلاب ومن يساندهم. وكان مشهد محاكمة أفراد منظمة «أرغينيكون» وخصوصاً الضباط المعتقلين قوياً وصاعقاً لدرجة بدا معه وكأن الجيش كله أصبح في دائرة الاعتقال وأن تاريخاً بأكمله قيد المحاكمة. وهذا ما أرغم رئيس الأركان القوي الجنرال أيلكير باشبوغ إلى استدعاء الضباط الكبار في كل الأسلحة والأفرع لتدارس الوضع «الخطير». وفيما يتداول على نطاق واسع أن البديل المتاح لدى المؤسسة العسكرية لمواصلة هذه المواجهة هو الإيعاز للمدعي العام التركي برفع دعوى لحظر حزب العدالة والتنمية على غرار ما حدث مع حزبه الأم حزب الرفاه بزعامة نجم الدين أربكان، فإن اردوغان بدوره بدأ يعد العدة لخوض معركة من نوع آخر إذ لوح بالدعوة إلى استفتاء على تعديل دستوري يقلص دور أجهزة القضاء المتهمة بتجاوز صلاحيتها والعمل كحزب معارض يحاول إفشال الخطط الإصلاحية للحكومة.وقال نائب رئيس الوزراء بولنت أرينج إن «القضاء الحالي يعتبر نفسه فوق القوانين والشعب»، وأضاف إن «السيادة للشعب وهو الذي يختار البرلمان الذي يمثله وهو السلطة العليا التي ستتصدى للأجهزة التي تمارس السياسة أكثر من كونها تمثل العدالة». لكن هذه المحاولة دونها أيضاً عقبة المعارضة العلمانية والقومية في البرلمان التي أجهضت محاولات مماثلة لتعديل الدستور، وهي تقول اليوم إن التعديلات المقترحة محاولة من الحزب الحاكم لفرض نظام إسلامي وتقويض الفصل الصارم بين الدين والدولة. المعركة على ما يبدو طويلة وصعبة ويتداخل فيها المحلي مع الإقليمي والدولي خصوصاً بعدما كبر تاثير تركيا على ما حولها وصارت أكثر تأثراً بالمتغيرات الكبيرة الجارية في العالم. وصار يصعب على العالم الخارجي وخصوصاً الاتحاد الأوروبي الذي تطمح أنقرة للانضمام إليه، فهم الدور السياسي الذي يضطلع به الجيش وكذلك ابتعاد القضاء عن مهمته الأساسية وانخراطه القوي في السياسة أيضاً. وللتذكير فإن الجيش التركي هو الجيش الوحيد في الدول الغربية الذي يحتفظ بصلاحيات سياسية مؤثرة ويشارك في تحديد السياسات الخارجية من خلال مجلس الأمن القومي. وبالنسبة إلى قطاع واسع من المثقفين والإعلاميين الأتراك، فإن لا حل للأزمة القائمة في تركيا إلا بإرساء ديمقراطية حقيقية كاملة لا شبهة فيها وأن يكون العسكر كما في سائر الدول الأوروبية في موقعه الطبيعي على الحدود وداخل الثكن وأن تُمنح الثقة كاملة لخيار الشعب وصوته. |
الاكثر قراءة في هذا العدد
|
|
العدد 46 -تموز - يوليو 2010
|
|