|
المفارقة الغريبة اليوم أن الغرب المبشر بالعولمة لم يعد يؤمن بها حقاً
ثلاثة اسئلة كبرى حول مصير «الاقتصاد الجديد»، والعولمة، والقرن الحادي والعشرين «الاميركي»: 1 - هل يعني إرتطام اقتصاد الانترنت، أو ما يسمى باقتصاد «الدوت كوم»، بسقف نمو محدد، نهاية ظاهرة الاقتصاد الجديد؟ 2 - وهل بات العالم على شفير ركود اقتصادي شامل؟ ركود قد يهدد هذه المرة مسيرة العولمة التي أعلن الكثيرون «انتصارها النهائي» في اعقاب نهاية الحرب الباردة؟ - 3 ثم: ماذا عن الاقتصاد الاميركي، وعن النظريات التي تحدثت عن خروجه من دائرة ثنائية الازمات الاقتصادية الدورية الكلاسيكية، (النمو - الركود، التضخم - البطالة)، ودخوله مرحلة نمو بلا توقف؟ بل ماذا عن مصير القرن الحادي والعشرين: هل سيبقى الحديث عن «اميركيته» جدياً، اذا ما دخل اقتصاد الولايات المتحدة دائرة التباطؤ او حتى الركود مجددا؟ سنقارب هذه الاسئلة بعد قليل . لكن قبل ذلك، إشارة الى حقيقة أفرزتها تطورات العقد الماضي: معظم، وأحيانا كل، التنبؤات حول المستقبل الاقتصادي للدول كما للعالم، باءت بالفشل. أوروبا لم تتحّول الى الدينامو الجديد للاقتصاد العالمي مكان الدينامو الاميركي. (كما كان الاقتصاديون ينتظرون) ولا شرق آسيا والنمور الاسيوية باتت هي القوة المشّكلة لهذا الاقتصاد (كما توقعت بثقة «اتلانتيك مانثلي»). ولا الولايات المتحدة «كسرت قوانين الاقتصاد الكلاسيكي» (كما تنبأ الاقتصادي والاعلامي مورتمر زاكرمان). والاهم من هذا وذاك، ان التطورات الاقتصادية الحالية اطاحت بوهم عشعش طويلا في أذهان أرباب الكتل الاقتصادية الكبرى الثلاث في العالم، وهي اميركا واليابان والاتحاد الاوروبي، مؤداه ان كلا منها يمتلك الحصانة الكافية ضد الازمات التي تعصف بالدول أو الكتل «المتعولمة» الاخرى. والايام المقبلة ستطيح، على الارجح، ما تبقى من آثار أقدام هذا الوهم.
الاقتصاد الجديد نأتي الآن الى التساؤل الاول حول مصير الاقتصاد الجديد. بصمات أزمة هذا الإقتصاد مبثوثة بالطبع في كل مكان تقريبا في العالم. ففي صناعة بعد صناعة وقطاع بعد قطاع، بات واضحا أن مرحلة «النمو بلا حدود» قد انتهت وأزفت ساعة انتهاء المعجزة وعودة الامور الى طبيعتها بالنسبة للتكنولوجيات الجديدة. هذا التطور كان بمثابة مفاجأة كاملة حتى بالنسبة للمستثمرين الذين كانوا يشكّون بان ثمة تقديرات مغالية بالنسبة لمستقبل شركات «الدوت كوم»، خاصة في ما يتعلق باستمرار صعود الطلب على العقول الالكترونية والبرامج والخدمات. ومما ساهم في مثل هذه التقديرات المغالية، الإزدهار الكبير الذي شهدته اسهم التكنولوجيا المتطورة طيلة العقد الماضي تقريبا. فمن بين مئات مليارات الدولارات التي تدفقت على الشركات عبر البورصات، صرف الكثير منها على شراء أحدث التكنولوجيات برغم أنه لم يكن ثمة حاجة اليها. بيد أن كل هذا لن يدق بأي حال ناقوس حزن يعلن وفاة الاقتصاد الجديد. اذ تدل المؤشرات على أن هذا الاقتصاد، ومعه اسعار اسهمه، ستنتعش، وإنْ هذه المرة بشكل عقلاني أكثر. وهذا لسبب مقنع: اقتصاد الانترنت لم يعد قصراً على شركات الانترنت، بل هو اخترق معظم قطاعات الاقتصاد القديم، حيث باتت الشركات "الكلاسيكية" تخصص حيزاً كبيراً من موازناتها للتطويرات التكنولوجية الجديدة. إن فوائد الشبكة لا تتعلق ببقاء اي من الشركات التي خلقتها هي. وكما يقول الخبير الإقتصادي ليتان فإن شركات «الدوت كوم» «أشبه بالموجة الاولى من هجوم برمائي على الاقتصاد القديم. ومن سوء الحظ تكون الخسائر في الهجوم الاول كبيرة. ومع ذلك فهي تمهد الطريق أمام تقدم المدفعية الثقيلة». والحصيلة؟ الاقتصاد الجديد يقوم بتغيير الاقتصاد القديم وتحديثه. وهو وجد ليبقى.
العولمة والركود
ماذا الآن عن العولمة واحتمالات الركود العالمي؟ مفارقة غريبة: نشير أولاً إلى مفارقة غريبة بدأت تتكشف فصولها هذه الايام: الغرب المّبشر بالعولمة لم يعد يؤمن بها حقاً. أو هذا على الاقل ما أزاحت الستار عنه الازمات الاقتصادية الاخيرة، التي باشرت مؤخرا اختراق الحصون الرئيسة للكتل التجارية الثلاث الكبرى في العالم: الاتحاد الاوروبي والولايات المتحدة واليابان. فهذه الكتل الاقتصادية الكبرى الثلاث تتأبط حالياً ذراع بعضها البعض في مسيرة تباطؤية واحدة: اميركا تتجه نحو الركود وستلتقي اليابان في منتصف الطريق. والنمو الاقتصادي الاوروبي يتباطأ. وباقي الاقتصادات الناشئة تظهر علائم انكشاف واضحة. ومع هذه التطورات المتلازمة والمتسارعة، بدأت الاعترافات من قباطنة الاقتصاد في الدول المتطورة تتوالى بأن العولمة (في جوانبها السلبية) يمكن أن تصيب لعنتها الاغنياء كما الفقراء في العالم. وهكذا كتب جيمس مورغان، المحلل العالمي في مركز السياسة الاقتصادية في لندن يقول، وبدهشة: ما هو غير عادي في الوضع الراهن هو ان الكتل التجارية الثلاث في العالم تتباطأ في الوقت نفسه! وهكذا ايضا، وفيما كان الاوروبيون «يكتشفون» فجاة مدى ارتباط مصيرهم الاقتصادي بالمصير اليانكي بعد تواتر الانباء عن الركود الاميركي، ويتذكرون بأن الشركات الاوروبية اشترت خلال سنة واحدة (العام 2000) نحو 800 شركة اميركية بمبلغ يناهز الـ260 مليار دولار؛ كان الاميركيون يعترفون للمرة الاولى بأن احتمال عودة الاقتصاد الياباني إلى التباطؤ سيكون له تأثيرات خطيرة على اقتصادهم. وعلى هذا النحو، إكتملت الدائرة وحظيت العولمة أخيرا بالاعتراف بوجودها، من جانب الطرف نفسه الذي اخترعها ثم أقنع نفسه بانه «فوقها» أو خارج قوانينها. ومن الآن فصاعدا سنرى نمر العولمة قيد العمل، ولكن في القفص الغربي هذه المرة. وهو مشهد سيكون مثيرا، مثيرا للغاية، ليس فقط على الصعيد الاقتصادي بل ايضا السياسي. أو هذا على الاقل ما أكتشفته «الايكونوميست» حين قالت مؤخرا: «إن حدوث ركود اقتصادي عالمي حقيقي لن يكون مؤلماً فحسب، بل هو قد يحمل مخاطر كبيرة لانه يشجع الدول مرة اخرى على التقوقع وراء الاسوار الحمائية. وهذا يفرض على صانعي السياسات أن يضمنوا بأن أول ركود للاقتصاد العالمي الجديد لن يدفع عجلات العولمة.. الى الوراء»!
مستقبل الاقتصاد الأميركي
هذه التطورات المتسارعة على صعيد الاقتصاد العالمي، تنقلنا الى التساؤل عن مستقبل الاقتصاد الاميركي. هنا، السجال حول الحقائق والاوهام يبدو على اشده. والممثلان الابرز للطرفين المتناقضين فيه (السجال) هما الاقتصادي مورتمر زاكرمان وبروفسور الاقتصاد في مؤسسة ماساشوستس للتكنولوجيا بول كروغمان. الأول متفائل، ويرى أن الحدود الجديدة للولايات المتحدة ستكون الاقتصاد العالمي كله، تماما كما كانت حدودها في القرن الماضي القارة الاميركية الشمالية. فيما يشّدد الثاني، المتشائم، على أن الاقتصاد الاميركي لم يتقدم في الواقع خلال السنوات الاخيرة، بل تأخر الاوروبيون والآسيويون كثيرا، «..وفي عالم من الركود والازمات، فإن البلد الذي يواصل تحقيق تقدم مهما كان متواضعاً، مؤهل لأن يشعر بالرضى عن الذات». ويختم كروغمان بخلاصة أشبه بالنبوءة (وهي خلاصة وضعها قبل بدء الحديث عن تباطؤ الاقتصاد الاميركي): «اذا ما حدث ركود ولو معتدل في الولايات المتحدة، وشفاء ولو معتدل في اوروبا واليابان، وعودة الى الساح من جانب الاسواق الاسيوية الناشئة، فإن كل تلك الاحاديث عن عودة الهيمنة الإقتصادية الاميركية ستبدو سخيفة. والحال أن المؤرخين المستقبليين لن يقولوا بأن القرن الحادي والعشرين كان قرنا أميركياً..». هل ثمة رابط ما بين أحاديث الاسئلة الثلاثة حول ازمة اقتصاد الانترنت، وركود الاقتصاد العالمي والعولمة، وتباطؤ الاقتصاد الاميركي؟ بالتاكيد. وهو رابط يشير الى حتميتين متناقضتين: حتمية استمرار وتجذر الاقتصاد الجديد؛ وحتمية استمرار فشل كل الحتميات الاقتصادية التي تتنبأ بطبيعة ملكية القرن الحادي والعشرين!
|