|
سلمان عباس
|
لا أدري لماذا تذكرت الزعيمين صائب سلام والشيخ بيار الجميل، عندما شاهدت دانييل سبيرو (مسؤول الطلاب في القوات اللبنانية) ونادر النقيب (مسؤول الطلاب في تيار المستقبل). الزعيمان القديمان واحد منهما مسلم والآخر مسيحي، وكان الاثنان يعبران عن حبهما لبعضهما البعض ومن خلال هذا الحب المتبادل كانا يعلمان المسلمين كيف يحبون المسيحيين والعكس أيضاً، لأن لبنان بمفهومهما لا يقوم إلا بجناحيه المسيحي والمسلم (عكسنا الأديان من أجل التوازن) وربما بسبب هذين الجناحين طار الوطن المسلم... والمسيحي.
فبيار الجميل كان يحب إخوانه المسلمين لدرجة أنه لم يكن ينسى عيداً من أعياد المسلمين إلا ويقوم بواجب المعايدة. ولأن أحداً ليس أفضل من أحد فصائب سلام أيضاً يحب إخوانه المسيحيين، إلى درجة أنه كان لا يمانع من الذهاب إلى الكنيسة. ودار الزمان دورته، وأخذ الله المحبيْن صائب سلام وبيار الجميل إلى جواره، ولأن عطف الله على لبنان كبير، لأنه لبناني على حد زعم رئيسنا الأسبق أمين الجميل الذي هو وياللصدفة ابن بيار الجميل، فإنه (الله) عندما حرمنا من بيار وصائب فإنه رزقنا بدلاً منهما أزواجاً أخرى، مسلم ومسيحي، وأيضاً يحبان بعضهما البعض من أجل الجناحين اللذين سبق ذكرهما، بل ويذوبان عشقاً ببعضهما البعض، دليلاً على حب المسلمين للمسيحيين والعكس صحيح أيضاً. جملة اعتراضية: ماذا لو لم يعد سمير يحب سعد لا سمح الله؟ في يوم أحد أسود قام مغول الفلسطينيين وتتر السوريين بغزو السفارة الدنماركية، وحي الأشرفية المسيحي. وحاول بعض اللبنانيين الحضاريين من المسلمين (وكل اللبنانيين حضاريون(، منع المغول والتتر من إتمام الغزوة، لكنهم لم يستطيعوا، ولذا حدث ما حدث من تدمير وحرق. طبعاً المسلمون يحبون المسيحيين، وبالتالي فبعد هذه الغزوة هناك دور لا بد منه لبيار جونيور، ولصائب جونيور، وهكذا تفتقت العبقرية اللبنانية عن حل سحري فلقد شاهدناهما (خليفتي بيار وصائب) يزوران المراجع الروحية من أجل أن يرى العالم أن المسلمين يحبون المسيحيين. أوليس لبنان أولاً؟ (على فكرة ماذا كان لبنان سابقاً للذين رفعوا هذا الشعار؟ طبعاً لا نتمنى أن يكون بالنسبة لهم ثانياً ولكن من المخيف أن يكون آخراً). إلا أن أكثر المشاهد تعبيراً عن التفاني في الحب والتهذيب اللبناني هو عندما شاهدناهما خارجين من عند سماحة المفتي قباني، (الذي على فكرة هو أيضاً يحب المسيحيين والشيعة) وقررا التصريح. فلأن المفتي قباني مسلم، فإن الذي صرح هناك كان المسيحي، ووقف خلفه تأدباً شريكه في لبنان أولاً المسلم، وهو يصغي بكل جوارحه إلى الجواهر التي يلقيها زميله المسيحي وعلامات التأثر بادية على وجهه. ونفترض أنهما عندما زارا مرجعية مسيحية ما، فإن الذي صرح كان المسلم ووقف تأدباً خلفه المسيحي. إنها قمة التهذيب، والأصالة اللبنانية، عاش بيار وصائب من جديد، إنه علم الاستنساخ اللبناني. بيار وصائب القديمان ينتميان إلى بدايات القرن العشرين، ونحن اليوم في القرن الحادي والعشرين، فحتى مرور قرن بكامله لا يهزنا نحن اللبنانيين فنحن مازلنا نتصرف بعقلية القرن العشرين كي لا نقول بعقلية القرون الوسطى. (على فكرة في القرن الماضي، حين كان بيار وصائب على قيد الحياة انهار الاتحاد السوفياتي وجدار برلين، وقامت وانتهت حربان عالميتان، وأعيد بناء أوروبا وانهارت نمور آسيا). ولكن مازال المسيحي يحب أخاه المسلم والعكس أيضاً. طبعاً نحن لا ندعو أو نتمنى أن يكره أحدهما الآخر، ولكن نذكّر أنه عندما كان بيار يحب صائب وقعت أحداث 1958 ثم حرب أهلية في لبنان وذبح المسلم أخاه المسيحي والعكس صحيح. ولعل هذا التذبيح كان بسبب أن الشقيقين المسلم والمسيحي كانا يعيشان في لبنان «حاف» وليس في لبنان «أولاً» كما هي الحال الآن. وإذا كانت القصة أن ما جرى في لبنان كان حرب الآخرين على أرضنا وذهب بسبب هذه الحرب مئتا ألف قتيل، فهل لبنان «أولاً» يمنع حرباً أخرى لآخرين على أرضنا تنتف لنا جناحي لبنان المسلم والمسيحي؟ إنها الأصالة اللبنانية وإنه الاستنساخ اللبناني لصيغة 1943 التي لعبقريتها، تجعلنا نبقى مصرين على التمسك بها رغم كل الحروب الأهلية التي أوقعتنا بها. ومن الحب ما قتل. |