|
غسان أمين
|
|
ليس من المبالغة في شيء القول إن ثمة هذه الأيام إجتياحاً أوروبياً حقيقياً للبنان، وهذا على الصعد كافة العسكرية والإقتصادية والثقافية. وهو، بالمناسبة، إجتياح يذكّر إلى حد بعيد بذلك الذي تم في منتصف القرن التاسع عشر حين زحفت القوى الأوروبية الرئيسة آنذاك (بروسيا، روسيا، بريطانيا، فرنسا، النمسا- المجر) على بلاد الأرز لوراثة بلاد العثمانين. الشعارات في القرن الحادي والعشرين هي نفسها شعارات القرن التاسع عشر: وقف الحرب (سواء الأهلية او الإقليمية)، حفظ السلام، والمساعدات على البناء والإعمار. والأساليب هي ذاتها تقريباً: دبلوماسية الأساطيل التي تحمي بموجبها البارجات الحربية الأوروبية القرارات السياسية الأوروبية والغربية. رب محتج هنا: الوجود الأوروبي الحديث يختلف بشكل جذري عن ذلك القديم. فهو لا يمثّل الآن الإمبراطوريات الغربية التي كانت تتقدم في القرن 19 للسيطرة على العالم وإستعماره، بل هو يعكس إرادة الأمم المتحدة الساعية لتحرير العالم والإعلاء من شأن حقوق الإنسان فيه. لكن هذا الإحتجاج أبعد ما يكون عن الحقيقة. صحيح أن الدول الأوروبية ترقص في لبنان على إيقاع موسيقى قرار دولي جماعي يحمل الرقم 1701، إلا ان هذا الأخير لم يكن سوى ورقة تين لستر عورة توجهات غربية، أوروبية - أميركية مشتركة ه_ذه المرة، هدفها إعادة صياغة الوضع اللبناني، ومعه أوضاع كل منطقة الشرق الأوسط الكبير. العنوان العام لهذه التوجهات: وضع الشرق الأوسط في إطار منطقة نفوذ حلف شمال الأطلسي، أو تمديد صلاحيات هذا الحلف إلى الشرق الأوسط. المعنى واحد هنا لأن الهدف واحد. أما لماذا حلف الأطلسي بالتحديد، فلأنه المؤسسة الوحيدة التي يمكن لأميركا في سياقها أن تقبل مشاطرة الأوروبيين نفوذها الإستراتيجي في الشرق الأوسط. وهي قيادته المطلقة، كونه تحت أمرتها بالكامل. لا الإتحاد الأوروبي يفي بهذا الغرض، ولا بالطبع قمة مجموعة الثماني الكبار، ولا بالتأكيد الامم المتحدة. وحده حلف الأطلسي كان منذ الحرب الباردة، وما يزال بعدها، الصخرة الصلدة التي تشيد عليها أميركا كنيسة زعامتها في قارة أوراسيا. في الأيام الأولى لحرب الأسيرين في لبنان، إنطلقت فوراً أصوات قوية في الولايات المتحدة تدعو إلى نشر قوات أطلسية في بلاد الأرز لوقف القتال والحفاظ على السلام. لكن تلك الدعوات إصطدمت آنذاك برفض فرنسا التي رأت في هذه الخطوة تهديداً لصفقتها الثنائية (سايكس - بيكو الجديدة) مع اميركا في لبنان وسوريا. بيد أن ما جرى ويجري الآن، ليس شيئاً آخر سوى التنفيذ العملي لهذه الدعوات. فالجسم الأساسي للقوات الدولية في لبنان يتكوّن من وحدات من دول أوروبية كلها أعضاء فاعلة في حلف الأطلسي. والبوارج التي "تحرس" المياه الإقليمية اللبنانية جاءت من إيطاليا وألمانيا واليونان وفرنسا. وكلها أيضاً (عدا فرنسا) أعضاء فاعلة في حلف الأطلسي. وبالطبع، لن تكون الولايات المتحدة الأطلسية بعيدة عن هذا المشروع الأطلسي. فهي بحكم كونها قيادة الحلف المركزية، ستكون مولجة بتأمين كل العتاد والأجهزة والعمليات اللوجستية لكل من القوات الدولية واللبنانية، وإن كان ذلك سيتم في صيغة مستترة أو خفية. حلف الأطلسي، إذاً، هو الذي سينفّذ عملياً القرار 1701، وهو الذي يفترض أن ينقل لبنان من مستوى العلاقة مع الغرب الأطلسي إلى مستوى الشراكة معه. وكل هذا سيعني أن الحلف سيدشن في لبنان، إضافة إلى أفغانستان والعراق، تمدده الإستراتيجي والتاريخي الكبير في الشرق الأوسط، بعد أن أنهى إفتراسه لأوروبا الشرقية في تسعينات القرن الماضي. لكن، ما خطط الحلف في هذا الصدد، وما فرص نجاحه؟
التمدد
إن تمدّد حلف الأطلسي في الشرق الأوسط لم يبدأ في لبنان، بل في أفغانستان ثم في العراق. في بلاد الأفغان، يقوم الحلف الآن بأخطر أدواره: خوض الحرب بدل حفظ السلام، للمرة الأولى في تاريخه خارج القارة الأوروبية. ففي أول آب/أغسطس الماضي، سلّّم القادة العسكريون الأميركيون الحلف المسؤولية العسكرية في جنوب البلاد حيث يتواجد حالياً6000جندي (ينتظر أن يرتفع عددهم قريباً إلى 9000) من كندا وبريطانيا وهولندا. وهؤلاء يخوضون منذ فترة معارك يومية شرسة ودموية مع حركة طالبان. وفي بلاد الرافدين، لا يزال دور الحلف مقتصراً على تدريب وتجهيز القوات العراقية. لكنه يمكن أن يتحوّل في أي وقت إلى مسؤوليات أكبر، إذا وحينما تقرر الولايات المتحدة تقاسم الكعكة العراقية الدسمة مع الإتحاد الأوروبي. هذه التطورات، مضافاً إليها زحف حلف الأطلسي على لبنان، لم تحدث صدفة أو ولدت من فراغ، بل هي كانت الترجمة العملية لقرار غربي على أعلى المستويات قضى بإعادة توجيه إستراتيجية الحلف بالتدريج من شرق ووسط أوروبا إلى الشرق الأوسط، في إطار ما يوصف الآن في واشنطن وبروكسل بـ" ثاني أكبر تحوّل في أدوار الناتو". الأهداف "الدنيا" لهذا التحوّل هي مكافحة الإرهاب العالمي، ووقف إنتشار أسلحة الدمار الشامل، ومنع تداعيات إنهيار "الدول الفاشلة" في المنطقة، خاصة منها الهجرة من الشرق الإسلامي الفقير إلى الغرب المسيحي الغني. لكن الأهداف العليا تكمن في دمج هذه المنطقة الإستراتيجية - النفطية الحساسة في كل من النظام الأمني الغربي المتوّسع الذي قارب تخوم روسيا والصين، وفي منظومة العولمة. قبل وقت طويل من التمدد العسكري الراهن، وبالتحديد في العام 1994، أطلق الحلف مبادرة الحوار الأطلسي - المتوسطي مع سبع دول هي مصر، الجزائر، إسرائيل، الأردن، موريتانيا، المغرب وتونس، لتمهيد الطريق أمام دوره الجديد في المنطقة. وخلال قمة إسطنبول العام 2004، قرر الأطلسيون العمل على نقل المبادرة من الحوار إلى مستوى الشراكة العملية والفعلية، وفق أنموذج مبادرة "الشراكة من أجل السلام"، التي أدت في النهاية إلى ضم دول شرق ووسط أوروبا إلى منظومته. بيد أن هذا الحوار إرتطم منذ البداية بعقبات عدة أهمها: 1- شكوك دول جنوب المتوسط (عدا إسرائيل) بالحلف. إذ إن هذه الدول تعتبره عامة تهديداً محتملاً، لا شريكاً محتملاً، لأمنها، وهي لا تثق بنواياه ولا بجداول أعماله. 2- خشية هذه الدول، التي تسيطر عليها عموماً القوات المسلحة وأجهزتها الأمنية، أن يتدخل الحلف في شوؤنها الداخلية عبر المطالبة، مثلاً، بالديمقراطية والشفافية. وفي المقابل، يخشى الحلف أن يتهم من جانب شعوب هذه الدول بدعم الإستبداد، إذا ما إكتفى بالتنسيق العسكري وتحديث الجيوش وقوى الأمن في هذه البلدان. 3- سيطرة الولايات المتحدة على الحلف، الأمر الذي لا ينزل برداً وسلاماً على قلوب شعوب هذه الدول، بسبب العلاقة الوثيقة بين هذه الدولة العظمى وإسرائيل. لكل هذه الأسباب لم يصل الحوار الأطلسي - المتوسطي طيلة عشر سنوات إلى أي مكان، عدا بالطبع التنسيق الإستخباري المشترك بين الطرفين ضد الإرهاب. بيد أن هذه الحصيلة لم تؤثر البتة على قرار الحلف إعادة توجيه إستراتيجيته من أوروبا الشرقية إلى الشرق الأوسط. وهذا على أي حال ما ترجم نفسه في الزحف الراهن على أفغانستان والعراق ولبنان (وغداً ربما الضفة الغربية وغزة وغيرهما)، مما قلب المعادلة رأساً على عقب: بدلاً من الحوار تمهيداً للدخول إلى الشرق الأوسط، تقرر الدخول أولاً ثم الحوار!. قد يكون هذا الدخول تدريجياً (أفغانستان) ومتردداً (العراق) و"خجولاًً" (لبنان)، لكنه يتم بخطى ثابتة ووفق أجندة بعيدة المدى.
عقبات .. عقبات
لكن هل ينجح حلف الأطلسي في ضم الشرق الأوسط الإسلامي إلى إمبراطوريته الشاسعة، كما قررت واشنطن وبروكسل في أعقاب أحداث 11 سبتمر 2001؟ العقبات تبدو كبيرة: السمعة التاريخية السيئة للحلف في الذاكرة الجماعية لشعوب المنطقة، منذ الصدام المروّع في الخمسينات بين القومية العربية والغرب. رفض هذه الشعوب (وعلى عكس شعوب شرق ووسط أوروبا) أن تكون جزءاً من الحضارة الغربية، وبالتالي من الأمن الغربي. وأخيراً، وجود قوى ممانعة مهمة في المنطقة لهذا الزحف الأطلسي، على رأسها إيران وسوريا والعديد من المنظمات المسلحة التابعة لهما. لكن، وعلى رغم العقبات، يمتلك الناتو ثلاثة أوراق قوية تشجعه على المضي قدماً في مشروعه الشرق أوسطي: 1- المصالح الحيوية التي تتضمن ضمان موارد النفط وخطوط إمداداته، وأمن إسرائيل وبقائها، ومنع الفوضى والإرهاب الشرق أوسطيين ما قبل الحديثين، من إختراق جدران القلعة الأوروبية ما بعد الحديثة. 2- الإرادة السياسية لترجمة هذه المصالح إلى إستراتيجيات محددة. 3- التجربة التاريخية للحلف في التمدد بنجاح إلى مناطق أخرى. كل هذه الأوراق مهم بالطبع. لكن الأهم هي الورقة الثالثة، لأنها تزّود الحلف بخريطة طريق واضحة ومفصلة حول أنجع السبل لإختراق المنطقة. والمقصود هنا بالتحديد تجربة الحلف مع \ وفي شرق ووسط أوروبا، في إطار ما أطلق عليه مبادرة "الشراكة من أجل برنامج السلام". هذه المبادرة انطلقت في البداية على مستوى غاية في التواضع، وإعتبرت آنذاك مجرد أداة من أدوات الدبلوماسية الهادفة إلى تطبيع العلاقات مع دول حلف وارسو السابق. من دون إستثارة عداء روسيا. بيد أن الأهداف والنشاطات الاولية لهذه المبادرة ما لبثت أن توسّعت بسرعة، عبر الإغراءات التي قدمها الحلف لدول شرق ووسط أوروبا، من مساعدات عسكرية وتقنية، إلى المناورات المشتركة، وصولاً إلى ربط المصالح الأمنية لهذه الدول مع الغرب. وبهذا، لم يخلق الناتو فقط الثقة المطلوبة مع الدول الإشتراكية السابقة لتحقيق أهدافه، بل مهّد أيضاً الطريق أمام توسعه اللاحق. والآن، يسعى الحلف إلى جعل هذه المبادرة النموذج الذي يجب تطبيقه في منطقة المتوسط - الشرق الأوسط، بما في ذلك الوعد بمنح دول هذه المنطقة حق العضوية الكاملة فيه. وهذا سيكون ممكناً مع وجود تركيا فيه، ومع إستعداد إسرائيل ودول عربية للإنضمام إليه. بيد أن مسؤولي الناتو يعترفون بأنه سيكون من الصعب عليهم تحقيق النجاح نفسه في الشرق الأوسط كذلك الذي حققوه في أوروبا الشرقية. على أي حال، الأطلسيون لم ينتظروا نجاح عملية الحوار مع الشرق أوسطيين كي يبدأوا دخولهم التاريخي إلى المنطقة. هذا الدخول يعمّد الآن بالحديد والنار في أفغانستان، وبقوة دبلوماسية البوارج الحربية الشهيرة في لبنان، وبعمليات التدريب والإعداد في العراق، وربما قريباً في الفصل بين الفلسطينيين والإسرائيليين في غزة وبعض مناطق الضفة الغربية. ومن يدري؟ ربما لا يطول الوقت قبل أن نرى آلاف الطائرات الأطلسية تقوم في بعض مناطق الشرق الأوسط بالمهمة ذاتها التي قامت بها سابقاً في صربيا وللهدف ذاته: الإدماج بالقوة في النظام الأمني الغربي، وفي النظام الإقتصادي المتعولم. وهذا مستقبل تنبأ به في وقت مبكر المخطط الإستراتيجي الأميركي بارنيت، حين شدد على أن حلف الأطلسي إما أن يكون "جيش العولمة" أو لا يكون.
|