|
نشرت "الغارديان" مؤخراً تقريراً تضمن معطيات قد تكون الأولى من نوعها حيال معضلة الشرق الأوسط. قالت: "الكثير من العرب قد لا يعرفون أن يهود إسرائيل باتوا يكنونّ إنتماءً كبيراً لمنطقة الشرق الأوسط، وكثير من اليهود الإسرائيليين لا يعرفون أن العرب يكنّون إنتماءً كبيراً للغرب". هل مثل هذا التقييم دقيق؟ إذا ما كان الأمر كذلك، فهو تطور تاريخي، لأنه يعني أن إمكانية تعايش العرب واليهود على أرض الشرق الأوسط ليست أسطورة استولدها حلم ليلة صيف. ففي النهاية، كان المعتقد حتى الآن أن المعضلة الحقيقية في المنطقة هي شعور العرب بأن الإسرائيليين غزاة صليبيون بلباس يهودي، وشعور الإسرائيليين بأن العرب "غوييم نازيون" بلباس إسلامي. بيد أن هذه الصورة المغايرة لا تثبت كثيراً على أرض الواقع. الواقع الإسرائيلي نعني. فكل ما نسمع ونقرأ ونشاهد عن إسرائيل، يشي بعكس تقرير "الغارديان": من تكسير عظام الفلسطينيين أو حجزهم وراء جدران الفصل العنصري، إلى الإجتياحات العسكرية المتكررة للبنان، مروراً برفض العروض السخية لقمة بيروت العربية بمنح الدولة العبرية سلاماً شاملاً مقابل دولة فلسطينية جزئية. ثم إن المفكرين الإسرائيليين أنفسهم لا يثقون بأن إسرائيل تريد السلام أو هي قادرة عليه.
ثمة هنا ثلاثة نصوص إسرائيلية تؤكد هذا المنحى: الاول، وهو للمؤرخ الاسرائيلي الشهير بيني موريس، الذي كان أول من كشف الظروف الدموية الحقيقية التي أحاطت بولادة دولة إسرائيل "ولادة مشكلة اللاجئين الفلسطينيين"، يؤكد فيه قيام الصهيونيين بأعمال التطهير العرقي منذ عام 1948، والاستناد المطلق بعد ذلك الى مفهوم القوة في التعاطي مع العرب والعالم. والاهم أن موريس يرى ان المشروع الصهيوني نفسه حول الدولة اليهودية، "فكرة مستحيلة تتسبب في دمار مستمر"، برغم انه يمحضها "أحقية أخلاقية" بسبب الحاجة الى حل معاناة اليهود. الثاني، لموتي غولاني: "الحروب لا تحدث هكذا"، يصل فيها الى الاستنتاج بان الايديولوجيا الصهيونية حركة تقوم برمتها على الحاجة الى القتال والتوسّع خارج حدودها، بدون ادنى إهتمام بالمصالح القومية الاسرائيلية. والثالث لنفتالي غولومب، الذي كان أول من تنبأ بنشوب الانتفاضة الفلسطينية الحالية عام 2001. وفي دراسة جديدة "إجابات ممكنة على وضع مستحيل" يقول إن في أساس الحركة الصهيونية "تكمن حاجة لتخويف أولئك المحيطين بنا والذين نعيش بين ظهرانيهم، ومرة أخرى بدون أن يكون لذلك علاقة بالمصالح الرئيسة لدولة إسرائيل". ويضيف غولومب: "السياسات الراهنة يمكن أن تقود الى حرب دائمة ستؤدي في النهاية الى نهاية الصهيونية نفسها ومعها دولة إسرائيل". * * * الآن، إذا ما قارنا هذه النصوص الثلاثة المتشائمة بتقرير "الغارديان" المتفائل، فعلام سنحصل؟ ليس حتماً على الصورة الزاهية لشرق أوسط تأكل فيه الذئاب الخضار، وتغفو فيه الحملان في أحضان الثعالب.
|