|
غسان مطر
|
|
تأخذنا السذاجة أحياناً إلى التبسيط والتسطيح، فنقرأ ما حولنا مندهشين مرتبكين، وكأنّ الأمور هكذا وُلدت من المصادفات، من دون مسبّبات أو تحضيرات أو استراتيجيات كبرى تخطّط لبلادنا، مدينة مدينة، وقرية قرية، وقبيلة قبيلة، وطائفة طائفة.
تأخذنا السذاجة، فننسى أو نتناسى أنّ ما نشهده اليوم، هنا وهناك وهنالك في عالمنا العربي، هو مشروع مرسوم بأيدي جهابذة القتل الأميركيين والإسرائيليين يساندهم تعاطف أو تأييد أو تسليم بعض العرب، أهلنا الذين يخافون الخروج على طاعة الأسياد. إذا كنّا نعرف العنوان فلماذا تُدهشنا التفاصيل؟ ما يدور اليوم في العراق، وفي فلسطين المحتّلة، وفي لبنان من اقتتال وتذابح ليس غريباً ولا مستغرباً، بل إنّه طبيعي جداً إذا وضعناه في سياق الخطة الأميركية - الإسرائيلية - العربية لنقل الصراع من عربي - إسرائيلي، كما يفترض ان يكون، إلى عربي - عربي، ومسيحي - إسلامي، وشيعي - سني، تثبيتاً لأمن إسرائيل وحماية لها من جهة، وتفتيتاً وإضعافاً لقوى المقاومة والممانعة من جهة ثانية. مثل هذا الكلام لا نقوله للمرة الأولى، ولكن يبدو أنّ الكثيرين بيننا، كلّما طرأ انفجار جديد، يبدأون بطرح الأسئلة والإستنتاجات، متعجّبين، مستغربين، وكأنّهم أمام مفاجأة داهمتهم على حين غرّة.
الفصل الجديد في لبنان اليوم، فصل من فصول الرواية الدموية التي تدور على المسرح العربي، بوعي من أهلها وكتّابها وأبطالها وغاياتها. فلا "فتح الإسلام" خرجت من قمقم سحري، ولا استهداف الجيش اللبناني حدث بالمصادفة، ولا الإستنفارات السياسية والعسكرية وُلِدَتْ بغتةً ومن غير مقدّمات. لنتذكَّرْ أنّ أولّ ما أقدمتْ عليه قوّات الإحتلال الأميركي في العراق كان حلّ الجيش، وترك الأرض سائبة للفوضى والقتل والتذابح. ولنتذكَّرْ أنّ الحكومة الفلسطينية الشرعية التي شكّلتها حماس بعد الإنتخابات، لم يُسمَحْ لها بأن تقيم أجهزةً أمنية تُمسك بالشارع وتمنع الفوضى والإقتتال. عندها نفهم لماذا توريط الجيش اللبناني في معارك تستنزفه وتحجّم دوره من الجنوب إلى الشمال، وتبقيه مصلوباً على خشبة الإنهاك والإستشهاد. وعندها نفهم من أين جاءت "فتح الإسلام" وأخواتها، وما هي المهمّات الموكلة إليها، وما هي الغايات من هذا الفجور الدموي الشرس. من السذاجة التصّور أنّ حادثةً مثل مداهمة "لصوص المصرف" في طرابلس، هي التي جعلت "فتح الإسلام" تنقضّ على الجيش اللبناني فتغدر وتقتل وتذبح. ومن السذاجة عدم الربط بين الساحات المتشابهة، وكأنّنا أمام فعل وردّ فعل عفويَّين مستقلَّين في الزمان والمكان.
سياق واحد ففي الزمان، نحن في سياق المدى الذي تحتاجه "المبادرة العربية" لتسويق نفسها وتمرير بندها الرئيسي الذي هو تصفية المسألة الفلسطينية. وفي الزمان أيضاً نحن في سياق المدى الذي أُعطي لجورج بوش لتحقيق إنجاز كبير، قبل ان يتخلّى عنه الجمهوريون لصالح سواه في حزبه. وفي الزمان أيضاً، نحن في سياق المدى المتبقّي للرئيس إميل لحود قبل أن توضَع اليد على رئاسة الجمهورية اسوة بسائر المؤسسات المحتكَرة من قبل الفريق الأميركي في السلطة اللبنانية. أمّا في المكان، فنحن على الأرض المتاخمة للساحة الفلسطينية، ونحن على أرض المقاومة التي أذلّت إسرائيل وقهرتها. وفي المكان أيضاً، نحن على الأرض المتاخمة لسوريا المطلوب إشغالها وإرباكها وتخويفها. وفي المكان أيضاً، نحن على الأرض الأصلح لانفجار المذهبيات وتنفيذ مشاريع التقسيم والكانتونات المذهبية. في الزمان والمكان إذاً يأتي الإنفجار اللبناني في نهر البارد (وربما في سواه غداً) في سياق طبيعي مع المخطّط الثابت الذي هو إلهاء قوى الممانعة والمقاومة بحروب داخلية تضطرها إلى صرف النظر عن المسألة المركزية التي هي نقل الصراع العربي مع إسرائيل إلى صراعات عربية - عربية، وعربية - إيرانية، وإسلامية - مسيحية، وشيعية - سنية، بعد أن تكون القوى الأمنية الرسمية قد استُنزفتْ وأُنهكتْ، فلا تعود قادرة على ضبط الفوضى ومنع التذابح والإلغاء. هكذا تُمرَّرُ التسويات والصفقات، وهكذا تفقد القوى العربية الحيّةُ حَيْلها وحَوْلها، وهكذا تنتصر قوى "الإعتدال" العربي على قوى "التطرّف"، ويجلس الجلّاد الأميركي ملكاً فوق جثثنا ونفطنا ومصيرنا، وهكذا تأمن إسرائيل شرّنا، وتقتلنا فرداً فرداً وجماعة جماعة، وبلداً بلداً، ثم تكتسحنا رزمة واحدة من المحيط إلى الخليج.
تبادل المنافع وإذا كان من نافل الكلام السؤال عمّن رعى الإرهاب والتطرّف الديني في منطقتنا، لأن ذلك بات معروفاً ومكتوباً وموثّقاً، منذ الصراع في الخمسينات ضدّ جمال عبد الناصر، إلى المجاهدين العرب في أفغانستان، إلى الشيشان وباكستان، إلى... إلى... إلاّ أنّنا لا يجوز لنا أن نقفز فوق سؤال مكمّل وهو: لماذا صار "المجاهدون" إرهابيّين، ولماذا محاربتهم بالسلاح الذي كان يُغدق عليهم، وباليد التي كانت ترعاهم وتدلّلهم؟ والجواب هنا على هذا السؤال لا يخرج عن خطّ المشروع القديم الجديد الذي هو مشروع نقل وجهة الصراع وتأمين سلامة إسرائيل. فالولايات المتحدة خصوصاً والغرب عموماً، حين يعلنان الحرب على الإسلام إنطلاقاً من توصيفه دين إرهاب، إنما يريدان ازدياد التطرّف وتشجيعه فيتحوّل التطرّف الإسلامي من الدفاع عن الأرض إلى الدفاع عن الدين، وتصبح إسرائيل بمنأى عن الخطر، وتمتلىء الساحات العربية قتلى وانفجارات وفوضى وانهيارات. فالمطلوب أميركياً تشجيع الإرهاب بإسم مكافحة الإرهاب، وكل من يتصوّر أنّ الإستراتيجية البوشية الداعية إلى مكافحة الإرهاب صادقةٌ وجدّية مخدوع وموهوم. فعندما يُنعَتُ مليار ونصف مليار من المسلمين في العالم بالإرهابيّين، ماذا ننتظر من المسلمين؟ أن يتركوا دينهم ليُثبتوا أنهم ليسوا إرهابيين؟ أم يزدادوا تصلّباً وتطرفاً وتمسّكاً بدينهم، وأن يدافعوا عنه بالإستشهاد والجهاد؟ ولا يفهمن أحد أنّ هذا الكلام هو تبرير لبريرية التطرّف من حيثما أتى وتحت إي شعار أو عنوان، ولكنّه تفسير وتوضيح للمخطّط الأميركي المشجّع للإرهاب ليُبقي في يده ذريعة التدّخل في أرضنا وثرواتنا ومصيرنا بحجّة مكافحة الإرهاب الذي يهدّد أمنه وسلامته ومصالحه. مثل هذا الكلام يؤكّد على تبادل المنافع بين أميركا وبين التطرّف برغم مظاهر التناقض والصراع. ومثل هذا الكلام يؤكّد أن الإرهاب لو لم يكن موجوداً لكانت أميركا عملت بكل الجهد والوسائل على إيجاده. فالإرهاب هو الخبز اليومي للتدخّل الأميركي في بلادنا ونهب خيراتنا ومنعنا من النهوض والوحدة والتحرّر. عندما نقرأ الأمور بهذا الوضوح، وبهذا التسلسل، وبهذا المنطق، لا نعود نَستغرب ما يجري عندنا، ولا ما سيجري. لكن يبقى أمل وحيد، هو ألاّ يقع اللبنانيون الأبرياء في فخّ المتورّطين من قياداتهم، هذه القيادات المعروفة المنشأ والهوى والتي لا تتورّع عن بيع كل شيء حتى دماء الناس، بأبخس الأثمان إنْ أمّن لها ذلك موقعاً في جنازة الوطن. فالآتي، إذا أكمل المخطّط طريقه المرسوم، ليس تفجيراً صغيراً هنا، وخليّة نائمة هناك، الآتي هو "العرقنة"، كما نراها كل يوم، قتلاً وذبحاً وتدميراً على مساحة العراق، والأميركي البشع يشجّع، وعملاؤه الوقحون يطبّلون ويزمّرون. والآتي الأعظم، هو ألاّ يبقى لنا وطن نفيء إليه، وجيش نحتمي به، ودولة ننتمي إليها. فهل ثمّة من يعي ويفهم ويتّعظ؟!
|