|
"هذا ليس القرن الخامس عشر. ليس في وسعك التجوال حول العالم هكذا بكل بساطة لتزرع الأعلام ثم تدعّي ملكية الأراضي. هذا أيضاً ليس القرن السادس عشر ولا السابع عشر ولا القرن الثامن عشر ولا التاسع عشر ولا العشرين حين كان يتم اقتطاع الأراضي عبر النزول إلى السواحل وزرع الأعلام". هكذا تحدث وزير الخارجية الكندي بيتر ماكاي. وهو يعلّق بغضب على وصول غواصتين روسيتين إلى القطب المتجمد الشمالي، لتزرعا فوقه العلم الروسي ولتؤكدا ملكية بلاد القياصرة له. هل غضبة ماكاي في محلها؟ لو كان الأمر كذلك، لتعيّن إعادة النظر بكل النظام العالمي الذي أقامه الغرب طيلة القرون الخمسة الماضية، والذي قام برمته على هذا الأسلوب الإستعماري المتمثل في زرع الأعلام. فحين امتلكت الدول القومية الأورويية الناشئة القوة الصناعية والعسكرية، بدأت سباقاً محموماً في ما بينها لإقتطاع قارات آسيا وأفريقيا وأميركا وأوقيانيا. واللعبة كانت بسيطة: من يسبق في زرع العلم، يربح كل شيء، ما لم تجبره قوة أوروبية أخرى على طي علمه والرحيل. حدث ذلك، مثلاً، حين زرع الفرنسيون والأسبان أعلامهم عام 1833 في جزر الفوكلاند، بيد أن الأسطول البريطاني القوي آنذاك نجح في طردهم ورفع العلم البريطاني بدلاًَ من العلمين الفرنسي والأسباني. ثم تكرر الأمر نفسه، ولكن بشكل معكوس، في أميركا الشمالية، حين دعمت القوات التي ترفع العلم الفرنسي الاميركيين في حربهم ضد العلم البريطاني ونجحت في إنزاله. لعبة الأعلام الإستعمارية هذه استمرت حتى القرن العشرين. ففي عام 1955، رفعت بريطانيا علمها فوق جزيرة روكاول غير المأهولة على بعد 250 ميلاً من إيرلندا، بيد ان هذه الاخيرة ومعها الدنمارك وأيسلندا رفضت هذا الإقتطاع وتقاضي بريطانيا الآن أمام المحاكم الدولية.
ويقول دان فان دير فات، وهو مؤرخ عسكري ومؤلف كتاب "الحملة الأطلسية"، إن الأميركيين كانوا حكماء حين لم يدّعوا ملكية القمر بعد أن زرعوا علمهم فوقه عام 1969! لكن الأرجح انهم سيفعلون ذلك الآن، بعدما هبط الروس 5000 قدم تحت سطح البحر ليدّعوا ملكية القطب الشمالي. فهم (الأميركيون)، على أي حال، أرسلوا بدورهم كاسحات جليد إلى القطب تمهيداً لمنازعة روسيا ملكيته، وسيفعلون على الأرجح الأمر نفسه غداً على سطح القمر إذا ما نفّذ الصينيون وعودهم بزرع علمهم فوقه قريباً. إنها حقاً الألعاب الإستعمارية القديمة للقرن الخامس عشر نفسها تتكرر في القرن الحادي والعشرين، على يد أحفاد وسلالة الإستعماريين الأوائل في القطب الشمالي. الألعاب نفسها؟ ليس تماما. هناك فارق وحيد بين هذين القرنين: عام 1500، كانت الأرض لا تزال بكراًُ ونقية من التلوث والأوبئة والأمراض الحديثة، اما عام 2007 فالمجالد في القطب الشمالي بدأت تذوب بفعل وصول حرارة الأرض إلى أعلى مستوى لها منذ عام 1800، الأمر الذي سيخل بالتوازن بين المياه المالحة والمياه العذبة في المحيطات ويطلق الأعاصير والزوابع والفيضانات من عقالها في كل انحاء البسيطة. وبالتالي، التنافس على زرع الأعلام في القطب الشمالي لا يمكن أن يأتي في وقت أسوأ من هذا الوقت. لكن، من قال إن الغربيين يهتمون أصلاً ببيئة الأرض، أو بالتمييز بين الاوقات الجيدة والسيئة في خضم سعيهم المحموم للسيطرة على الكرة الأرضية؟ لو كان الأمر كذلك، لما تعرضت قارات بأكملها إلى السلب والنهب والتلويث على مدى 400 عام. والآن جاء دور آخر بقعة غير ملوّثه في العالم: القطب الشمالي. فهل نقول لها من الآن.. وداعاً؟ حتماً!
|