القتل المستدام والقمع "البنَّاء" طباعة ارسال لصديق
نصري الصايغ   

أمس. انتهت معركة "نهر البارد"، وفاز الجيش اللبناني على "فتح الإسلام"، إحدى المنظّمات السلفية المرتبطة "بالقاعدة". لكن الخوف من الآتي مازال مقيماً.
أمس. لم تنتهِ المعارك الدامية في العراق، في حرب "الجميع ضد الجميع"، والتي تشترك فيها "القاعدة". إلى جانب منظمات سلفية سنية، و "جهادية" شيعية، وقبائل وعشائر وأفخاذ وفلول جيوش، وقوى احتلال عظمى، ولا أحد يتنبأ بنهاية قريبة للمذبحة العظمى، الجميع يتخوّف من سقوط العراق النهائي في نهايته.

 

Imageهذه الأقوال الواردة أعلاه، صادقة وواقعية ومتداولة ولا جديد فيها.
فلننتقل إلى الجهة الأخرى، لنرى وجهاً مختلفاً:
غداً. يرحل العنف عن لبنان. بعد غد، يصفق نخيل العراق ورافداه فرحاً، ويرقص الفرات طرباً. وبعده بأيام تنظم الجامعة العربية كرنفال الإنتصار على العنف، وتضع جدولاً زمنياً لا تنتهي أيامه، لاستقبال المهنئين المحليين والدوليين، بواحة السلام العربية الممتدة من المحيط إلى الخليج.
هذا القول الوارد أعلاه، من يصدقه؟
بالطبع. لن يصدق أحد ما جاء في الوجه الآخر. فالعنف العربي أصيل ومقيم، متفشٍ ومزدهر و ... كل ما نبنيه، معلق فوق جسر - تحته تفتح هاوية شهيتها، للمزيد من القتل.
أما بعد... فالبقية تأتي:



تصدير العنف وتوليده:


الزمن اللبناني الإستقلالي، ينقسم إلى اثنين: زمن التحضير للعنف، وزمن الدخول فيه. بعد عقد من استقلال، تطوَّعت قواه في امتحان عنيف. بعد عقدين، تحضَّر فيها لعنف مجنون، خاض الحروب كلها، بالتسلسل:
حروب تبدأ بانقسام واصطفاف، عابرة المدن والمناطق والطوائف بإسم الطوائف، حتى لم يبقَ حليف لم يقم باغتيال حلفائه جميعاً. وبحيث لم تبقَ يد ممدودة لاستجداء الخارج إلا ووجدت دولاً تنتظر الدعوة للإنخراط، بحرارة الدم.
وخرج اللبنانيون من عنف الخمسة عشر عاماً، ليدخلوا في مرحلة التحضير لعنف جديد يخشاه الجميع، انفجر اغتيالات وتصفيات واصطفافات. داخَلها، عدوان متكرر من إسرائيل، واعتداء "لفتح الإسلام"، كل ما تبقى من وحدة.
سؤال: من أين يأتينا هذا العنف؟
فريق يبسِّط الإجابة. إنه عنف يصدَّر إلينا من الخارج. وكأن اللبنانيين ملائكة يساقون من فراشهم الزوجي، ليصيروا شياطين النهار والليل.
فريق آخر، يحاول أن يجد الجواب في عمق الوجود الثقافي والسياسي للبنان، وللمنطقة العربية برمتها.

لن نبرئ العنف الإستعماري. فهو عنف إجرامي مبرمج ومخطط، وموضَّب في منظومة من العقائد السامية، كالحرية والديمقراطية، مساعدة الشعوب المتخلفة على حكم نفسها بنفسها. تجربة الإستعمار، كانت مولعة بالسيطرة والعنف والإستباحة والإبادات، وهي تجربة مؤيدة بفضائل التبشير الأخلاقي الديني والمدني. وهي تجربة مفضوحة بغاياتها، الهادفة إلى النهب والسيطرة والإستتباع.
بعد موجة الحر في فرنسا والتي ذهب ضحيتها منذ صيفين. أكثر من 15 ألف مواطن فرنسي، في خلال فترة 30 يوماً فقط، ذهب مؤرخ الكوارث في جريدة "لوموند دبلوماتيك" إلى قراءة سجل الكوارث وضحاياها، فوجد أن الفقراء وحدهم يموتون في الزلازل، والمجاعات، والتحولات المناخية الكبرى. معظم من مات في فرنسا من الحر، كان فقيراً. عندما حصلت مجاعة في الهند، لم تتوقف بريطانيا عن سرقة القمح ومصادرته لتسفيره إلى بريطانيا. جاع المزارعون في الهند، واتخم البريطانيون. وهكذا دواليك. الإستعمار عنفي باستمرار.
ولا جديد حتى الآن.
الإحتلال الصهيوني لفلسطين، لم يكن حبيّاً. لقد اشتروا القليل من العرب، ومعظمهم من الأثرياء، واغتصبوا بالعنف ما تبقى من فلسطين، مراراً. ورواية العنف مازالت تكتب، بالدم الفلسطيني.
لكن هذا العنف، برغم فظاعاته وحروبه وطاقاته التدميرية، في فلسطين والعراق ولبنان والسودان والجزائر. عنف مرفوض. عنف تقاومه الشعوب. فيما العنف الآخر، عنف مقيم، منبته عربي، ثقافته عربية. وهو عنف محتضن ومؤيد ومحبوب ومرغوب. ولو أدى إلى آخر العروبة وآخر الأوطان.
العنف عندنا إذاً، عنفان: واحدٌ يُصدَّر إلينا وآخر يولد من أرحام ثقافتنا المنتشرة كالغرغرينا في الجسد الذي يشبّه لنا، أنه حي يرزق.

 

مجتمع بظلاميات متعددة:

يرى الكاتب الفرنسي ألان بيرنيت أن المجتمعات غير النامية - ونحن منها - تتصف بعدد من السمات. معظمها ينطبق علينا. ومن بين هذه السمات ما يستولد العنف والفقر والقمع والتراجع ونشوة الدم.
فما الذي ينطبق على مجتمعاتنا؟
أولاً: إنها مجتمعات غير متحركة، تكتفي بإعادة إنتاج ذاتها. وكم مرة قيل إن لبنان، يعيد إنتاج ذاته، من خلال إعادة إنتاج المشكلات ذاتها. نظامه غير متحرك. وعندما يتحرك يتراجع. فمنذ عهد القائمقاميتين حتى عام 2007، يتحرك لبنان في اتجاه أشد سوءاً من ماضيه. أما بقية المجتمعات العربية. فهي تبذخ في السكون وتتقن فن الإنضباط في الإنغلاق. كل انفتاح اقتصادي وتقني، مبني على قاعدة مغلقة ومقفلة من الحراك الإجتماعي والسياسي، ما يؤدي إلى استخلاف العنف.
ثانياً: إنها مجتمعات معادية للتجدد. وكل تجدد هو نتاج عقل، لا علاقة نسخ. فأين مقام العقل في الحياة العربية، وفي الحياة اللبنانية؟ العقل مطرود. التقليد معبود. فالسنن السياسية تنتقل من جيل إلى جيل وفق تقليد تلف من فيه المعتقدات الإذعانية. من عهود الإمارة والملكية والعشائرية إلى العائلية المتجددة في الوراثة السياسية، عنف مقيم. ذلك أن كل استبعاد للتجدد، يؤدي إلى الإختناق.
النظام اللبناني لا يختنق وحده، بل يخنقنا معه. الأنظمة العربية قابلة للإختناق قريباً، ولكنها خانقة. وعنفية. وبحاجة إلى دعم عنفها، باحتكار الوصاية الأجنبية. الخليج نموذجاً، ولبنان مذهباً.
ثالثاً: إنها مجتمعات مقطعة. قنوات الجماعات فيها مغلقة. فالكردي كردي، والسني سني، والشيعي شيعي والماروني ماروني. التقطيع الديني والمذهبي والطائفي والأقوامي والعشائري ليس له صفة الحفاظ على البقاء، إلا من خلال ممارسة العداء ضد الآخر المختلف. بلاد قطعت بحدود من خارجها، وازدادت الثقافات الانعزالية المتعددة، في تقطيعها من الداخل مجتمعات متنافرة في ما بينها. الرابط الوحيد الذي يجمعها، هو رابط العنف المؤجل، أو رابط العنف المستفحل. العراق نموذجاً، لبنان تمثالاً، السودان ضحية، والحبل الدموي على الجسر العربي معقود بدقة وبشدة.
رابعاً: إنه مجتمع غير متسامح. التسامح يقتضي الإعتراف بالتساوي. العرب لا يعيشون في طابق واحد. كل طائفة أو مذهب أو قوم في طابق. لا تجمع بينهم إلا الجدران الفاصلة. ثقافة الإختلاف وثقافة التغلب، وثقافة التكفير.
خامساً: إنه مجتمع ظلامي. تحرس ظلاميته، مؤسسات سياسية سلطوية قمعية، ومؤسسات دينية سلطوية تكفيرية، ترسم حدود الحلال والحرام والمسموح والممنوع والخير والشر، على قاعدة الموروث الديني. الظلامية الأوروبية، في عصر سيطرة المسيحية، ارتكبت المنكرات ضد رجال العقل والعلم. والظلاميات العربية السياسية والدينية، ترتكب المجازر بحق الفكر وبحق من يحمله وبحق من يختلف بالرأي والقول عن فكر الأكثرية. والظلم مرتعه عنف وخيم.
سادساً:    إنه مجتمع يخضع للوصاية، تمارسه عليه إقطاعيات سياسية ودينية تتحكم بمجمل أنشطته الإجتماعية. التراتب فيه مقدس. لا يحق للشعب أن يمارس أقل قدر من السيادة. ونحن كذلك أيضاً.
سابعاً: إنه مجتمع ذو اقتصاد مكبل وخاضع للهيمنة. فإنتاج الخيرات فيه يكون تحت سيطرة القيمين على السلطة السياسية وأعوانها. لذلك، تحوَّلت قيادات الأنظمة السياسية العربية، الملكية والأميرية و"الجمهورية" إلى شركات عملاقة، تتاجر بالنفط والغاز والخليوي ومشتقات التجارة العالمية.
ثامناً: إنه مجتمع تسوده معدلات ولادة مرتفعة. والعرب، وإن كان أكثر من نصفهم تحت خط الفقر، حتى في الدول الأكثر ثراء في العالم النفطي، فإنهم الأكثر ثراءً في صناعة الفراش الزوجي وخليلاته المتعددات. معدل الولادات مرتفع. أفواه كثيرة وغذاء يتقلص. تفاوت مريع بين فئة تقوم على الإفادة من النهب لتمارس اقتصاد التبذير، وبين فئة يتراجع دخلها، ويزداد استعبادها، لتقتات بعرقها السخي، أو بولائها المهين، لقمة لا تتكافأ مع مستوى الخضوع ودرجة الإذلال.
تاسعاً عاشراً إلى آخره. إنه مجتمع متشنج. شرعية السلطة فيه محل اعتراض دائم، معلن قليلاً، مكشوف نادراً، سري غالباً، عنفي، أقله في النوايا.
- في ظل انعدام شرعية السلطة، تلجأ هذه إلى العنف والقمع، لتصفية حساباتها مع الجماعات المختلفة. وتنمو في هذه المجتمعات، بسبب الوصاية الخارجية، عقدة كره الأجانب. كما تجر السلطة إلى تزكية الخلافات الطائفية والإثنية وإلى ضبطها تحت قبضتها. إنه العنف العربي عنف أصيل، فماذا بعد؟

 

الثقافة المؤجرة:

إن بلوغ العرب القاع السياسي، بعد انتحار الشعارات القومية، وانطفاء الوطنية، واستبعاد الحداثة، واستنقاع السلطة في الوراثة، وتحضيض القيم السياسية، كالحرية والديمقراطية والتنمية، وبعد انتشار حزب الفساد العربي، أقوى الأحزاب العربية على الإطلاق، والمتصل بالرأسمالية الدولية والشركات الناهبة العابرة للقارات، ولّد بديلاً مستمداً من الماضي.

اسامة بن لادن: اي كفر في هذا التكفير
اسامة بن لادن: اي كفر في هذا التكفير

عندما يقفل المستقبل أبوابه. أو عندما تغلق قوى القمع السياسية، أبواب الغد على الشعوب، تعود هذه إلى حقبها السالفة، لتقيم عليها نكوصها وشعائرها ومستقبلها. وهكذا، يعود اللبناني، إلى طوائفه ومذاهبه ويستعيد العربي تراثه "المجيد" المنقسم بين السنة والشيعة والدروز والعلوية والإسماعيلية، وبين القبائل المتعددة الأسماء والعابرة للطوائف والأديان والحدود الوطنية، ويحاول توظيفه في واقعه.
وها نحن اليوم بعدما أقفلت أنظمة القمع والإنغلاق الأبواب أمام شعوبها، فيما شرّعت أبوابها للنهب المتبادل غير المتكافئ، أمام فاتحة عصر جديد، هو عصر استعادة الحروب الماضية. بأسلحة جديدة.
فكيف يفسَّر إذاً، خروج "القاعدة" إلى أفغانستان. ثم تجديد انحرافها ثم تطوير تكفيرها، ليطال الأقرباء أكثر من الأبعدين. عدد قتلى القاعدة من العرب المسلمين، أكبر بمئات المرات، من القتلى "الصليبيين والكفار والرافضة". أي جنون هو هذا الجنون. أي كفر في هذا التكفير؟
وكيف نفسر نشوء "فتح الإسلام". في بيئة سلفية فقيرة، في مخيم نهر البارد، لو لم تكن الثقافة السائدة في المنطقة، هي ثقافة احتضان وتأييد، يشجع عليها رجال دين سلفيون، تمتد سلسلتهم من جبال الأوراس في المغرب والجزائر، وصولاً إلى قلاع الوهابية المنتشرة بالمال، في أصقاع العرب كافة.
وكيف نفسر العنف الطائفي في العراق؟
الجزائر.. رواية العنف العربي ما زالت تكتب
الجزائر.. رواية العنف العربي ما زالت تكتب

فاجع أن يكون هناك احتلال دموي، قاتل، سفاك، سفاح، نهاب، فينفجر العراق في حروب طائفية ومذهبية، مستعيدة حروب العرب، منذ "الردة" إلى مقتل الحسين في كربلاء، إلى مقتل الأئمة واختفاء آخرهم.
فاجع أن يكون عراق الحضارة، بهذه البربرية. وهي ليست بربرية من خارجه، بل من قمع نظامه، وثقافة مؤسساته الدينية والسياسية.
وكيف نفسر. قبل ذلك، العنف الطائفي في لبنان، إبان حروب الخمسة عشر عاماً؟
بهدوء. برغم هذا الضجيج الدامي نتساءل: أين الثقافة؟
بإحترام خجول. استقال المثقفون من دورهم. بعضهم صار من فرسان العولمة، بعضهم من خيول السلفية، بعضهم من بطانة السلطة والسلطان، ومن تبقى منهم، يقتات من الهامش المتاح، ما يتيسَّر له، من مال نفطي، يأتيه من خلال تأجير جهده، مكرهاً، كي يستمر على قيد الطعام.


 أخيراً... هل من نهاية؟

 

 

غداً... سيصبح العالم العربي حديقة سلام. تحضر فيها آثار حمورابي، أبجدية فينيقيا، ملاحم جلقامش وفي العلى عندما... غداً. يتحوّل الربع العربي إلى فضاء من الحرية والعقلانية والتقدم.
من يصدق ذلك؟
غداً... ينتظرنا الأسوأ. منذ قرن ونحن نتراجع. وكل ما نبنيه آيل إلى تدمير ذاتي.
غداً... بمقدار ما نبتعد عن الديمقراطية، نغرق في جاهلية الأديان ومذاهبها المتعددة.
لقد استحقينا جحيمنا... إنه من صنع أيدينا. نحن وقوده، ونحن من أوقده...
ليس جميلاً أن نتشاءم إلى هذه الدرجة. إنما، ليس جميلاً أن نكذب على أنفسنا ونقول، نحن على خير ما يرام. وغداً ستشرق شمس عربية تكشح عنا الظلام.
لا. ليس جميلاً أن نكذب. إنما، الجمال، أن نصرَّ على الأمل. والأمل الذي ينبئ أن الغد، يمكن أن يكون مختلفاً عن حاضرنا وماضينا، إذا تيسَّرت للمثقفين، جرأة القول والفعل والمغامرة والشهادة.
وإذا، وصلنا إلى مستوى فضح المحرمات: السلطات السياسية، السلطات المالية، السلطات الدينية، وسلطات الرجال على النساء.

 

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image