مؤتمر لإلهاء العرب طباعة ارسال لصديق
جميل مطر   

قررت الولايات المتحدة، على لسان رئيسها ولسان وزير خارجيتها، توجيه الدعوة لعقد مؤتمر في الشرق الأوسط لا عنوان واحداً له ولا موضوعاً محدداً ولا يختلف في شيء واحد، إلا التوقيت، عن Imageمؤتمرات مماثلة عقدت خلال السنوات التي أعقبت حرب الكويت. ولن يكون من قبيل التشاؤم أو التفاؤل أو حتى التنبؤ توقع أن هذا المؤتمر، إن انعقد، فأنه لن يلبي مطالب الآملين خيراً من انعقاده ولن يغير كثيراً في وضع قائم، ويستند هذا التوقع إلى خمسة أسباب أو دوافع على الأقل أوجز تفاصيلها في ما يلي:


أولاً: أهداف مبهمة


 مازال هدف الرئيس جورج بوش من الدعوة لعقد المؤتمر غير واضح تماماً. ويستطيع أي مراقب مطلع على أسرار البيت الأبيض ومداولات بوش مع الأستاذة رايس أن يقترح عدداً من الأهداف كلها بالفعل أهداف محتملة. فالرئيس مستعد لأن يقبل على مضض نصيحة بعض العرب والأوروبيين بضرورة توليد انطباع بأن عملية التسوية مع إسرائيل عادت تتحرك، ولذلك جعل التحريك أحد العناوين المقترحة لمؤتمره. والرئيس بوش غير مطمئن لمستقبل حكومة المالكي وللوضع في العراق ولاحتمالات تصعيد الكونغرس معارضته، ولذلك يريد من حكومات العرب تقديم التزامات تدعم المالكي وتسهل خروج عدد من القوات الأميركية. والرئيس تحت ضغط شديد من إسرائيل ومصالح أخرى في أميركا للدخول في حرب مع إيران وعزل سوريا أو ضربها. يريد أيضاً دعماً عربياً لحالة الفوضى في فلسطين وانقسامات قيادتها، ويريد، وقد أعلنها صراحة، مقاطعة شاملة لكل من يعارض حكومة لبنان بالكلمة أو بالسياسة أو بالتصويت أو بالسلاح، ويريد زرع حالة استقطاب ثم تعميقها في المنطقة قبل أن يرحل الجمهوريون عن الحكم.

 

ثانياً: حكومات عرجاء


 إن أغلب الدول المدعوة لحضور المؤتمر تمثلها حكومات تمشي على "سنادات". لا أعلم عن حكومة واحدة تستطيع أن تعلن بأعلى صوتها أنها محل ثقة شعبها وتتمتع بصدقية في المنطقة العربية، أو خارجها، وقادرة على أن تدخل في مغامرة غير محسوبة، سواء كانت مغامرة مع الديمقراطية أو مغامرة الاصطفاف لأغراض حرب دينية. لم ينس هؤلاء أنه إذا كانت في العالم شعوب تعرف شيئاً عن ويلات الحروب الدينية فهي شعوب الشرق الأوسط وبعض شعوب أوروبا.
أنا شخصياً، لا أعرف حكومة عربية واحدة، عازمة على تشجيع الولايات المتحدة أو إسرائيل لشن حرب ضد إيران وإن كان أكثر حكومات العرب يتمنى التزاماً أميركياً بالحماية. ولا أعرف حكومة عربية واحدة لديها من التأييد الشعبي الكاسح ما يسمح لها، مهما كانت الضغوط الخارجية، أن تصطف في مؤتمر أو غيره لتوقع على وثيقة الإعلان النهائي للاستسلام للهيمنة الإسرائيلية على المنطقة.   


ثالثاً: حروب بالوكالة


تعتمد خطة حكومة الرئيس بوش لإشعال مواجهة كبرى بين الغرب وإيران على مفاهيم احتوت عليها تجربة سابقة إذ تعتمد السيدة كوندوليزا رايس في صنع سياستها تجاه إيران على اقتراح جورج كينان في نهاية الأربعينيات فرض حصار على الاتحاد السوفياتي. ونعرف الآن أن أطرافاً لها مصالح معينة تدخلت وقتها لتفسر اقتراح كينان تفسيرات لم تخطر على بال صاحب الاقتراح، بل إن الرجل الذي عاش حتى بلغ المئة سنة وسنة ظل يرفض حتى نهاية عمره التفسير الذي تسبب في أن تتحول دعوته إلى فرض الحصار بالأفكار إلى دعوة لشن حرب باردة بين الغرب والاتحاد السوفياتي وحروب ساخنة بالوكالة في مواقع شتى من العالم.
تستعيد الأستاذة رايس أفكار كينان كلما جاء ذكر إيران، وتأخذ بالتفسير العدواني لمبدأ الحصار فتدعو لشن حرب باردة ضد إيران مثلما فعل وزراء خارجية أميركا مع روسيا على امتداد عقود الحرب الباردة. تحاول رايس بدرجات متفاوتة من النجاح حشد الدول الغربية. وبصعوبة واضحة وبطنطنه مثيرة، مثلما فعلت مع صفقات السلاح التي جمعتها في سلة واحدة لتبدو خطوة متقدمة في الحرب الباردة ضد إيران، تحاول حشد فريق عربي للانضمام إلى الحلف الغربي في هذه الحرب. رأيناها تزعم لحكومات العرب بأنها تمنع بهذا الحشد إسرائيل من شن حرب ساخنة قد تتحول إلى حرب نووية، وتعد هذه الحكومات بحماية أميركية إن انفتحت جبهات حروب بالوكالة على أراضيها. ولاشك عندي أن الأسلحة الجديدة ستكون مفيدة في الحروب الصغيرة التي يمكن أن تشتعل في الجزيرة العربية ضمن إطار الحروب بالوكالة.
أعود لأؤكد اقتناعي أنه لا توجد حكومة عربية واحدة لديها الشجاعة المطلوبة للاشتراك في حرب ضد إيران باردة أو ساخنة، وأظن أنه لا توجد حكومة عربية واحدة على استعداد للمجازفة باستقرار داخلي من أجل إنقاذ ماء وجه الرئيس بوش الذي أذاق معظم الحكومات العربية الأمرين خلال حملة الديمقراطية، فضلاً عن أنه أوشك على الرحيل.  


رابعاً: التدمير الخلاق


 يتجاهل كثير من المعلقين الأميركيين والسياسيين العرب حقائق صارت تمثل جانباً من جوانب الأمر الواقع في الشرق الأوسط. فقد انفرط تنظيم القاعدة قواعد متناثرة ولم تعد هذه القواعد حكرا لدولة دون أخرى، وتفرعت القواعد جماعات وجمعيات وشعباً لأغراض شتى. من ناحية أخرى فقدت المؤسسات في كل مكان عربي ما بقي من صدقيتها وكفاءتها تحت ضغط استشراء الفساد إلى ما وراء المعقول. وبعضها انفرط بالفعل أو انهار. والمثال الأبرز هو ما حدث في فلسطين، فقد وقع تدمير للمؤسسات الفلسطينية بعد تدمير المؤسسات العراقية والصومالية والسودانية وبعد تجميد مؤسسات لبنان وتشويه مؤسسات مصر أو إضعافها. كيف يمكن وحال المؤسسات العربية على هذا النحو، أي على حال "الفوضى المدمرة"، أن تكون النية صادقة وراء عقد مؤتمر بهدف التوصل إلى حلول تضمن تنفيذها مؤسسات في حالة انفراط؟ أم أن النية معقودة على أن تقرر أميركا وإسرائيل والرباعية توسيع مهمة طوني بلير فيتولى إلى جانب بناء مؤسسات في فلسطين بناء مؤسسات في الدول العربية التي تعرضت مؤسساتها "للتدمير الخلاق."  


خامساً: الحروب الباردة ثانية


 لم يحدث في المنطقة العربية التغيير الجذري الذي يوحي باقتراب وقوع تحولات عظمى، فضلا عن أننا لم نشهد تغيرات جوهرية في سلوكيات الدول العظمى تجاه بعضها البعض، أو تجاه منطقتنا. بمعنى آخر لم يحدث في الشرق الأوسط أو في النظام الدولي ما يجعلنا نتصور أن مؤتمراً يدعو إليه الرئيس بوش سوف ينجز شيئاً لم تنجزه مؤتمرات أخرى سابقة على صعيد صنع السلام في الشرق الأوسط.
ننظر حولنا فنرى روسيا تغرس علماً روسياً في أعماق القطب الشمالي إقراراً بأن حرباً باردة ثانية "مع الغرب" توشك الوصول إلى ذروتها، ونرى الولايات المتحدة تحاصر إيران لتسقط حكومتها الإسلامية كما حاصرتها قبل أكثر من نصف قرن لتسقط حكومتها القومية، ونراها، أي أميركا، تدفع النظام العربي نحو استقطاب داخلي، كما فعلت منذ أربعين عاماً أو يزيد، ونرى الصراع العربي الإسرائيلي في مكانه لا يراوح، فالأذى متبادل والنصر النهائي لأي من الطرفين بعيد جداً، والمتطرفون على جانبيه يزدادون عدداً وتطرفاً.
ونرى، ما هو أهم وأبقى، نرى طبقة أو طبقات عربية حاكمة مازالت تقاوم عروض الاستسلام لأميركا ولإسرائيل رغم الاغراءات المصاحبة لهذه العروض. يجوز لنا أن نفترض أنها تقاوم مدفوعة بشعور وطني أو قومي أو ديني حقيقي وجارف. ويجوز لنا أيضاً أن نفترض أنها هي الأخرى، لم تتغير. كانت منذ النشأة كسولاً وبطيئة الحركة ولا تهوى المغامرة وتخاف أن تمسها ريح السياسة الدولية، وكانت أيضاً تكره الصهيونية ولا تأمن لليهود شأنها شأن طبقات حاكمة كثيرة في دول شتى.
وكانت، وأظن أنها مازالت، تتمسك بقائمة أولويات لا تغير في ترتيبها وعلى رأسها بند العلاقات والشكوك المتبادلة بين الأشقاء والأقران من الحكام العرب في الدول المتاخمة والقريبة. إذ يجتمع تحت هذا البند كل ما غرسته التقاليد والتجربة التاريخية واختلافات المذاهب الدينية والأطماع السياسية والمصاهرات والأحقاد القبلية. هنا يتركز اهتمام حكام العرب، فالحدود السياسية بين الدول العربية لم تمنع يوماً عبور الكلمة وإن كانت مقيدة في بلدها، ولا عبور المذهب وإن كانت حركته محدودة في بلده، ولا عبور الغضب وإن كان كامناً أو مقهوراً في بلده. وقبل هذا وذاك لم تشكل هذه الحدود في أي يوم قيداً على الطموحات والأطماع المتعدية الجنسية أو "العابرة للحدود".
                

 

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image