|
لو لم تكن المقاومة موجودة وقادرة ورادعة في لبنان، هل كان ثمة أزمة لبنانية، ومحاور إقليمية ودولية تتصارع حول لبنان؟ وهل كان لبنان مهدداً بالانفجار والتشظّي والاندثار؟ هذا هو السؤال المركزي الذي منه تتناسل الأسئلة. وهذه هي المعضلة الحقيقية التي منها تولد المعضلات الثانوية الأخرى. والمسألة هذه في تداعياتها الداخلية والإقليمية والعالمية يبدو أنها أكبر من أن تهضمها إسرائيل أولاً ودول عربية كثيرة ثانياً، ودول كبرى ثالثاً، ولذلك فإنها أكثر تعقيداً من أن تتوصّل إلى حلها أية مبادرة، مهما صُفِّقَ لها، وتظاهر الأقربون والأبعدون باحتضانها وتأييدها.
الظاهرة الشاذة
فإسرائيل التي حاربت العرب مجتمعين وانتصرت عليهم وفرضت، نعم فرضت، على الكثيرين منهم شروطها للسلام، هل يمكن أن تقبل بأن يتحوّل لبنان إلى ظاهرة شاذة، ظاهرة ممانعة ومقاومة تخوض حروب دفاع وتنتصر وتكسر الأسطورة الإسرائيلية، وتقدّم نموذجاً فريداً في القتال والصمود والانتصار؟ هل تقبل إسرائيل، وهي التي كانت على بُعد خطوة واحدة من توقيع معاهدة سلام مع لبنان بعد اجتياح 1982، أن يتحوّل لبنان إلى مقبرة لأحلامها ولجنودها ولتفوّقها وغطرستها؟ والدول العربية التي صالحت إسرائيل علناً، وتلك التي صالحتها سرّاً، هل تقبل بأن يكون لبنان، وهو الدولة الصغيرة الفقيرة المتعدّدة الطوائف والمذاهب المتنوّعة الاتجاهات الفكرية والسياسية والثقافية، هذه الدول العربية التي أعلنت استسلامها وعدم قدرتها على خوض الحروب مع إسرائيل القوية المحصّنة المنيعة، هل تقبل أن يكون لبنان ظاهرة تسفّه المقولات والحجج العربية، وتحرّض الشعوب العربية على رفض الإذعان والاستسلام؟ والدول الكبرى، وعلى رأسها أميركا، التي اعتبرت بعد سقوط الاتحاد السوفياتي، وانتهاء الحرب الباردة، انها أصبحت مهيمنة على العالم سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، هل تقبل بأن يكون لبنان، وهو الدولة التي لم يحسب لها أحد يوماً حساباً عسكرياً، دولة مواجهة تبدّل في استراتيجيات الدول الكبرى، وتقضّ مضاجع الرؤساء والجنرالات؟ هذا هو السؤال المركزي الذي ما لم يُجبْ عليه، تبقى الأمور على ما هي، بل تزداد تعقيداً إلى درجة قصوى تطرح سؤالاً مركزياً آخر هو: هل اتخذت إسرائيل والدول العربية والعالمية المتضرّرة من الظاهرة اللبنانية قراراً بإنهاء لبنان دولة وكياناً ووجوداً، وتحويله إلى أرض مستباحة بكل المعاني؟
التاريخ والحقائق
لِنَعد قليلاً إلى التاريخ، لعلّنا نتمكن من استجلاء حقائق على ضوء الاحداث والوقائع. سنة 1958 انفجرت في لبنان حرب داخلية عندما انقسم اللبنانيون بين خيارين: خيار عبد الناصر في تعميم الفكر القومي المقاوم وخيار حلف بغداد في ادخال إسرائيل في نسيج منطقة الشرق الأوسط برعاية سياسية وعسكرية أميركية مباشرة أو بالوكالة. والحرب تلك لم تنتهِ إلاّ من خلال تفاهم أميركي - مصري على تجنيب لبنان الانهيار والمجيء بالرئيس فؤاد شهاب على رأس الدولة وانتصار نظرية اللاغالب واللامغلوب. وسنة 1975 انفجرت في لبنان حرب داخلية عندما انقسم اللبنانيون بين خيارين: الخيار الإسرائيلي والخيار الفلسطيني، واستمرت الحرب سنوات، واجتاحت إسرائيل لبنان، ونصّبت عليه رئيسين للجمهورية، ومع ذلك، توقفت الحرب من خلال تفاهم أميركي - سوري قضى بلملمة أشلاء لبنان وإعادة إنتاج مؤسساته من خلال ما عرف باتفاق الطائف، بعدها خرجت منه منظمة التحرير الفلسطينية التي كان القضاء عليها هدف الحرب. في هاتين الحربين، لم يكن لبنان أكثر من ساحة اختبار للصراع الدولي، وللصراع العربي - الإسرائيلي. لم يكن لبنان مشكلة في ذاته، لم يكن لبنان قد أصبح ظاهرة بعد، لذلك كُلِّفَ الأقوياء من العرب بلمّ شظاياه ورعاية وجوده واستقراره.
الصدمة والخيبة
أما بعد سنة 2000، واضطرار إسرائيل إلى الانسحاب من لبنان تحت ضغط المقاومة، فبدأ تشكُّلُ الظاهرة اللبنانية، لكن الحسابات الأميركية - الإسرائيلية - العربية تصوّرت أنها قادرة على احتواء هذا التشكّل قبل اكتماله، والقضاء عليه نهائياً، فكانت حرب تموز 2006 قراراً أميركيا - إسرائيلياً - عربياً لإنهاء المقاومة ومنع انتشار نموذجها وتمدّده عربياً، واستئصال ثقافتها وجمهورها وإشعاعها. غير أن الصدمة الأميركية - الإسرائيلية - العربية جاءت بحجم الفاجعة حين خرجت المقاومة منتصرة في هذه الحرب، وخرجت الجماهير العربية إلى الشوارع مهلّلة معتزّة بالانجاز التاريخي الذي تحقّق في لبنان، ساخرة من ثقافة الاستسلام والتطبيع التي حاول ملوك ورؤساء عرب تكريسها في الذاكرة العربية لتصبح من البديهيات والمسلّمات. هكذا اكتملت الظاهرة اللبنانية الفريدة وفرضت نفسها، وصارت «اللبننة»شعار اعتزاز وكبر، بعدما كانت رمز التفتّت والتناحر. ولهذا السبب، وهو سبب وجيه وكبير، يبدو لنا أن قرار ترك لبنان لمصيره، بل والعبث بهذا المصير حتى التلاشي قد أصبح حاضراً على طاولة راسمي الاستراتيجيات في الشرق الأوسط، وعلى رأس هؤلاء الولايات المتحدة الأميركية، تساعدها إسرائيل، ويخضع لها ملوك ورؤساء عرب. وقد يقول معترض إن في مثل هذا الاستنتاج تشاؤماً كبيراً وتخيلاً كثيراً، ونقول بكل يقين: إن ما نراه من عناد الفريق اللبناني الغارق في الخيار الأميركي واستعداده للذهاب بالبلاد إلى أقصى المنزلقات هو الدليل الصارخ على أن الوفاق في لبنان ممنوع والانقسام حاصل والخراب هدف ثابت.
الخراب هو الهدف
نعم الوفاق ممنوع والخراب هدف ثابت، وما نسمعه من هنا وهناك وهنالك من تصريحات حول دعم المبادرات الوفاقية ليس أكثر من ذرّ رماد في العيون، وما نراه من حركة موفدين ووسطاء عرب وأوروبيين ليس إلاّ لملء الوقت المتبقي حتى لحظة الانفجار الكبرى. الظاهرة اللبنانية صارت عبئاً على المنطق الامبراطوري واتباعه، ولا بدّ من تدمير هذه الظاهرة تماماً كما عندما أصبحت الحرب العالمية الثانية عبئاً على المتحاربين فكان اللجوء إلى السلاح الذري لانهاء الحرب ورفع الأعباء وإعادة تشكيل العالم وفق مصالح الأقوياء. ظاهرة المقاومة في لبنان أدت في التسعينات إلى انفجار ثورة الحجارة في فلسطين، وإلى تطوّر هذه الثورة من استخدام الحجر إلى استخدام السلاح، وإلى انضمام الفلسطينيين بأكثريتهم الساحقة إلى هذه الثورة ورموزها. وظاهرة المقاومة في لبنان أدت إلى بروز المقاومة العراقية التي تكبّد جيش الغزو الأميركي الخسائر الفادحة في الجنود والخطط والأهداف، والمرشّحة لأن تفرض على هذا الجيش انسحاباً ذليلاً من بلاد الرافدين. وبعد حرب تموز والانجاز التاريخي الذي حققته المقاومة في لبنان، لم يعد مستغرباً ولا بعيداً ان تنفجر مقاومات ضدّ القمع والتسلّط والتبعية في دول عربية كثيرة، وفي مناطق من العالم خضعت مثلما الشعوب العربية إلى ثقافة الاستسلام والتفريط بالحقوق التاريخية في الأرض والثروات. فهل يسمح بوش ومعاونوه وعملاؤه لهذا الكون بأن يُفلت من قبضة الشرطي الأميركي، وللثروات المدفونة في الأرض العربية أن تتحرّر من سطوته ونهجه وقراره؟ المعادلة واضحة عندنا وضوحاً كاملاً. لهذا نقول إن خراب لبنان هدف ثابت في مشروع الهيمنة الأميركية على منطقتنا. وهي المرة الأولى التي يصبح فيها لبنان هدفاً في ذاته لا منصّة لإرهاب سواه كما كان حتى حرب تموز الأخيرة.
البديل المستحيل
أمر وحيد يمكن أن يحمي لبنان من القرار الأميركي بالخراب والانتحار هو ألاّ يعود لبنان ظاهرة فريدة في الشرق الأوسط، أي أن تسلّم المقاومة سلاحها وتحلّ نفسها وترضى بما رسمه الأميركي والإسرائيلي لها. ولأنّ هذا الهدف الأميركي مستحيل ومرفوض من المقاومة ومن جمهورها اللبناني العريض، ومن جمهورها العربي والإسلامي الذي يملأ ساحات العواصم، فإن قرار أميركا الثابت هو تهديم الهيكل اللبناني على من فيه. فهل ما عجزت عنه أميركا وإسرائيل وأكثرية الأنظمة العربية التابعة لهما في حرب تموز الماضية، بات اليوم ممكناً؟ في الجواب نقول: ليس عند أميركا ما تخسره إذا انتهى لبنان الظاهرة بعدما انتهى لبنان الوظيفة والمسرح وحقل الاختبار. وأميركا تفضّل ألف مرة أن يتهدّم لبنان على أن يسجّل عليها انتصاراً، وتبقى راية المقاومة مرفوعة وشاهقة وعزيزة. العقل الشمشوني لا يقيم للحياة وزناً، وبوش المتشبّع بالأساطير الصهيونية التلمودية لا يهتم أو يبالي بمعنى الخراب، وهو ابن المدرسة التي تدعو إلى الفوضى الخلاقة (أي الخراب) لتشكيل العالم وفق المصالح الأميركية - الإسرائيلية. وهذا العقل الشمشوني الذي يريد دم المقاومة لا يُقاوم إلاّ بمزيد من المقاومة. ولبنان الذاهب إلى الشرّ المستطير ستحميه المقاومة من مخالب الذئب الأميركي - الإسرائيلي، وزبانيته في لبنان. لبنان الظاهرة باقٍ. والحجر الذي رذله البنّاؤون سيكون حجر الزواية.
غسان مطر |