|
«ستاتيكو» رئاسي يتأرجح بين «الحسم» و «جنرال الأمن»!
من حسنات لبنان أنه بلد يهوى الأزمات. يخترعها أو يتلقفها ثم يتنصل منها أو يحيلها على الآخرين. بلد يولد ديناميات اجتذاب الأحداث السعيدة وغير السعيدة. يهرب منها فلا يجد منها مهربا. يضع نفسه في قلبها، فتتبرأ منه. يحاول أن يكون كبيراً، فيبدو أصغر مما يعتقد الكبار فيه. يصغّر نفسه أحيانا، فيبدو كبيراً وأكبر مما يعتقد الصغار فيه! لا يتواضع اللبنانيون رغم هول ما أصابهم على مر التاريخ. حروب وحروب وهم لا يريدون الا أن يكونوا تلامذة في المرحلة ما قبل التمهيدية... هم لا يتعلمون لا من دروسهم ولا من دروس الآخرين، ومن حسناتهم أنهم ينسون وينسون كثيراً ومن سيئاتهم أنهم يصرون على تكرار مصائبهم ولو بتواريخ زمنية حديثة. لو تصفحنا أوراق كل رؤساء لبنان، لوضعنا يدنا على سيرة واحدة. مجموعة عوامل داخلية وخارجية تنتج «صاحب الفخامة» ومن حسن الحظ أن التصويت يحصل بالصندوقة السرية والظرف المختوم وكأننا في مسرحية فولكلورية مستمرة.
نظرياً، تعتبر الفترة الممتدة بين الثالث والعشرين من تشرين الأول/أوكتوبر والرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، المهلة الأخيرة لالتئام المجلس النيابي لانتخاب رئيس جديد للجمهورية بعدما تعذر اكتمال نصاب الثلثين في الجلسة التي كانت مقررة في الخامس والعشرين من أيلول/سبتمبر. أما عمليا، فلا شيء يضمن الانتخابات، ويفترض مع توافر عناصر داخلية وخارجية معينة، أن يتم ترجيح أحد الخيارات التي تراوح بين الانتخاب التوافقي الدستوري وبين الانتخاب على قاعدة النصف زائداً واحداً مع ما قد يستجلبه هذا الخيار من كلفة سياسية باهظة ومسارات درامية تتجاوز لحظة ومجريات الاستحقاق الرئاسي نحو رسم مستقبل قاتم للوضع الداخلي في ظل ما يحيط بلبنان من عواصف إقليمية ودولية. واقع إقليمي انتظاري... وثقيل
لعل أفضل السيناريوات يقول بالآتي: في المرحلة الإنتقالية التي تمر فيها المنطقة وربما العالم، يمكن افتراض تأجيل قرار الحسم الدولي، وخاصة الأميركي في الملف النووي الإيراني. تصعيد سياسي يساعد على إنضاج قرار العقوبات من دون التخلي عن خيار الضربة العسكرية. استمرار تدفيع أميركا والحلفاء ثمن مأزق احتلال العراق، وبعضه يدفع غالياً في المدن والقرى الأفغانية وفي الحراك السياسي الذي تشهده باكستان. يستمر الأخذ والرد في موضوع المؤتمر الدولي في نهاية تشرين الثاني/نوفمبر، خاصة بعد توسيع المشاركة العربية (لا سيما دعوة سوريا إليه مع ما يعنيه ذلك من فك العزلة الدولية والإقليمية وبداية تكريس الدور الإقليمي والاعتراف بواقع ثبات النظام). في السياق الانتقالي نفسه، يستمر «التوتر الإعلامي» على الجبهة السورية الإسرائيلية. جبهة لبنان والقرار الدولي 1701 هادئة. يبقى القرار الإسرائيلي باجتياح قطاع غزة مؤجلا وتستمر عملية التفاوض حول سبل إنهاء المأزق الفلسطيني - الفلسطيني. تستمر أيضا المواجهة الدولية والإقليمية المفتوحة ضد «الإرهاب الدولي» (القاعدة وفتح الاسلام ومجموعات اخرى تنضم تدريجيا). تتقدم عملية إنشاء المحكمة الدولية الخاصة بلبنان ببطء شديد بحيث لا تقوم جدياً إلا في مطلع ربيع عام 2008.
خيار تمديد الهدنة السعودية الإيرانية رئاسياً!
 حسم خياره وابقاه سرا يمكن اختصار هذا الواقع الإنتظاري، بأنه واقع اللاحسم، وهو يقود الى احتمال من هذه الاحتمالات: أولا، أن تقرر القوى الإقليمية والدولية وخاصة واشنطن وسوريا بأن ليس من مصلحتها القيام بأية دعسة كاملة أو ناقصة لبنانياً، فلا تفجر الوضع ولا تسمح بتسوية داخلية في آن معا، ما يعني أرجحية خيار التسوية أو تمديد مفاعيل الهدنة السعودية - الايرانية لتشمل سياسياً الاستحقاق الرئاسي، وعندها يمكن لرئيس المجلس النيابي نبيه بري أن يُخرج من درج مكتبه في عين التينة ورقة المرشح الذي لا لون ولا طعم ولا رائحة له، بحيث لا يكون من فريقي 8 و 14 آذار/مارس، ولا يستفزهما، ويحظى بقبول بكركي والمجتمع الدولي، ما يعني قبول الأطراف المعنية باستمرار الـ «ستاتيكو» الداخلي في انتظار ما قد يستجد من تطورات إقليمية كبرى. من الطبيعي أن يستجلب هذا الخيار عناوين لاحقة متصلة بحكومة ما بعد الانتخابات الرئاسية ومن يكون رئيسها وما هي توازناتها السياسية وماذا سيتضمن بيانها الوزاري وخصوصا الموقف من سلاح المقاومة؟
الأمن يستدرج البلد الى الفوضى.. أو العسكر
ثانيا، أن يتزامن الواقع الإنتظاري مع استمرار تزنير الواقع السياسي الداخلي بحزام الأمن، وما أدراك ما الأمن، «إرهابا» و «بارداً» و «جنداً» ومخيمات وتفجيرات واغتيالات وصواريخ مجهولة الهوية وتوترات محدودة الزمان والمكان... الخ. في هذه الحالة، يمكن لـ «جنرال الأمن» أن يقود الى أحد احتمالين وأن يشكل مبرراً وسبباً موجباً: إما لانتخاب فريق الأكثرية لرئيس بالنصف زائداً واحداً، وهو بذلك يستجيب لجوهر «خيار الأمن» بما هو خيار تفجيري اعتراضي على التسوية سواء أكان مصدرها جهة صديقة أو غير صديقة... وعندها لن يتوقف الأمر عند حدود الانتخاب نفسه بل سيفرض وقائع جديدة داخليا في السياسة والأمن، أقلها تشكيل حكومتين وأكثرها انتخاب رئيس ثان للجمهورية وأصعبها انزلاق البلد الى المحظور الأمني والعسكري وثمة مؤشرات حول التسلح والتدريب لا تستثني أحدا، لا في الموالاة ولا في المعارضة. ثاني الخيارات، أن يتصاعد «الأمن» فيؤسس تدريجياً وضمن المهلة الدستورية لوصول قائد الجيش اللبناني العماد ميشال سليمان الى قصر بعبدا بقرار دولي وإقليمي يحمل شبه إجماع لبناني يكسره على الارجح رئيس «اللقاء الديمقراطي» النائب وليد جنبلاط، وعندها تصح مقولة البطريركية المارونية بأنه اذا استوجب «الإنقاذ» تعديل الدستور ووصول قائد الجيش فلا مانع لدينا، ولا سيما بعد أن قدّم الجيش اللبناني، من خلال معركة مخيم نهر البارد، أوراق اعتماده أو انتسابه إلى «المعركة الأممية» التي تخوضها الولايات المتحدة ضد «الإرهاب العالمي»، من دون أن يغادر مقاربته للمقاومة، باعتبارها «عملا وطنياً محقاً لا يمت بصلة للإرهاب»!
الفراغ مطلوب من جهات إقليمية وربما دولية
 هل يفرض عليه ابغض الحلال ثالثا، يقود واقع اللاحسم إلى خيار جدي، ينسجم إلى حد كبير مع المنطق القائل بأن بعض العواصم المعنية بالملف اللبناني لن تقول كلمتها رئاسياً حتى لحظة 24 تشرين الثاني/نوفمبر. ويعني ذلك ضمناً وجود رغبة بالوصول الى الفراغ الدستوري، وهو خيار ربما يكون مطلوباً ومحسوباً بدقة عند بعض الجهات الداخلية والخارجية وثمة من قال إن رسائل واقتراحات تم تبادلها في هذا السياق، على قاعدة، تكريس الأمر الواقع الحالي، إذ يستمر فؤاد السنيورة مطعوناً بدستوريته يصرف أعمال الحكومة في السراي ولا يغادر رئيس الجمهورية إميل لحود، قصر بعبدا بعد انتهاء ولايته طالما هو الآخر مطعون ومشكك بدستوريته من قوى خارجية وداخلية. ولو لم يكن الاستحقاق الرئاسي محكوماً بموعد زمني محدد لا يمكن تجاوزه (ليس مثل موضوع حكومة الوحدة الوطنية)، فإن المعطى الإقليمي والدولي يقول باستحالة اتفاق اللاعبين الخارجيين على رئيس جمهورية، بينما هم يستعدون لمنازلات جديدة، وبالتالي يصبح خيار الفراغ هو الأكثر رجحاناً. واذا كان البعض يهوّل بأن الفراغ غير مقبول، فإن ثمة سيناريوات طرحت في القصر الجمهوري اللبناني لعدم تسليم السلطة إلى حكومة فؤاد السنيورة أو القبول برئيس بالنصف زائداً واحداً. وتردد أن الرئيس اللبناني إميل لحود رفض أن يستمر يوماً واحداً في الحكم بعد انتهاء ولايته. وعندما سئل عن الخيارات المتاحة لمنع الفراغ، أجاب «عندي خيار وحيد أوحد وليس ستة خيارات ولن أبوح به حتى لزوجتي وأولادي». وما لم يبح به لحود يردده بعض المحيطين به ممن انكبوا على مراجعة الدستور وقانون الدفاع وهل بمقدور رئيس الجمهورية أن ينقل صلاحياته الى المجلس الأعلى للدفاع الذي يتراسه عادة رئيس الجمهورية ويمكن أن تنتقل صلاحياته إلى قائد الجيش أو وزير الدفاع... الخ. ويبدو لحود حاسماً بأنه لن يسلم مقاليد السلطة لحكومة السنيورة وحيدة بل ثمة سلطة ثانية لم تتضح معالمها ستشكل عنصر توازن حتى انتخاب رئيس جديد للجمهورية.
فلسفة«الحسم» صارت نافذة لدى جهاز أمني عربي
كل هذه الاحتمالات تستند الى واقع اللاحسم، ولكن اذا قررت جهة إقليمية أو دولية الدفع سياسياً، باتجاه الحسم أو التحضير للحسم في ملف من الملفات الإقليمية الساخنة، سواء قبل الرابع والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر، موعد انتهاء الولاية الدستورية، أو بعده مباشرة، فإن خيار الذهاب نحو النصف زائداً واحداً يبقى خياراً مطروحاً وبجدية لدى فريق الأكثرية، في ظل ايحاءات وحوافز يتلقاها من فريق أمني وسياسي نافذ في دولة إقليمية، حتى صار يقال مؤخرا إن هذا الفريق صار أكثر تشدداً من غلاة التطرف من بقايا المحافظين في إدارة الجمهورية الحالية في واشنطن.
 تعديل الدستور لانقاذ الوطن تقوم فلسفة فريق الحسم والذهاب نحو النصف زائداً واحداً على مقولة مفادها عدم التفريط بمنظومة الدعم الدولي والإقليمي لا بل استثمارها إلى حدودها القصوى وعدم تقديم تنازلات للمعارضة اللبنانية وعمودها الفقري «حزب الله» ولحلفائه الإقليميين بعدما أثبتت التجربة بعد حرب تموز/يوليو 2006، أن عدم تنازل الأكثرية لمطالب المعارضة سواء في مسالة المحكمة الدولية أو موضوع حكومة الوحدة الوطنية قد أعطى مفاعيله باستمرار حكومة السنيورة، وها هو المجتمع الدولي، ولا سيما بعد اغتيال النائب انطوان غانم، يبدي استعداده لتغطية أي انتخاب سواء بالنصف زائداً واحداً أو بمن حضر على قاعدة إيصال مرشح بعينه تحت شعار رفض الفراغ الدستوري، من دون اغفال واقعة أن بعض نواب الأكثرية ممن كانوا قد حسموا أمرهم بعدم المشاركة في جلسة انتخابية من دون نصاب الثلثين، باتوا بعد اغتيال غانم يقولون «نشارك ولكن لا نصوت بأقل من الثلثين»، أي انهم سيغطون النصاب للأكثرية..
رهان على أن الضربة لإيران صارت حتمية تاريخية
 مطعون بدستوريته.. ويستمر يضبط فريق الأكثرية أداءه على وقع «همسات» الفريق الأمني والسياسي في إحدى الدول النافذة إقليمياً حيث هناك من يقول بأن القرار الإستراتيجي بتوجيه ضربة أميركية إلى إيران وسوريا قد اتخذ وأن عملاً أمنياً كبيراً سيستهدف «حزب الله» في الأسابيع والأشهر المقبلة، ولذلك، إذا حصلت التسوية التوافقية على قاعدة مبادرة الرئيس نبيه بري، فإن تنازلاً مجانياً يكون قد حصل وربما يؤثر سلباً على طريقة تعامل لبنان مع ملفات كبيرة مثل المحكمة الدولية وسلاح «حزب الله» ومحاولة دفن حق العودة للاجئين الفلسطينيين تمهيداً لتمرير التوطين كأحد شروط واشنطن لتسويق مبادرة السلام العربية التي أطلقها الملك عبدالله بن عبد العزيز. واذا كانت المواجهة لا بد حاصلة فإن كل مفاعيل التسوية الداخلية ستطير لأن «حزب الله» سيجد نفسه مضطراً لجر لبنان إلى المواجهة الكبرى، فلماذا لا ننتظر نتائج تلك المواجهة أو نستبق حدوثها بالانتخاب بالنصف زائداً واحداً لأن النتيجة ستكون واحدة، ولا سيما أن الإيرانيين ليسوا في وارد جر لبنان إلى الفوضى إذا لجأنا إلى قرار الحسم؟ هذا هو المنطق «الأكثر نفوذا» لدى فريق الأكثرية والذي قد يستدرج لبنان إلى مواقع من الصعب التنبؤ بها مسبقاً. هل أداء «حزب الله» الذي استمر عاقلاً طوال المرحلة الماضية قابل لأن يستمر كما هو أم أن الحزب بات يجد نفسه مضطراً للإقدام على «أبغض الحلال» إذا حصل الانتخاب بالنصف زائداً واحداً؟ ما هو تصور الحزب والمعارضة لـ «ابغض الحلال»؟ هل هو حسم بالسياسة على «الطريقة الأوكرانية» أم يعني عدم استبعاد الخيارات العسكرية والأمنية؟ واذا حصل ذلك، من يكفل عدم وقوع المقاومة في مأزق الفتنة السنية الشيعية وبالتالي القضاء على أنبل ظاهرة عرفها لبنان والعالم العربي في القرن العشرين ومطلع الألفية الجديدة؟ لننتظر «جنرال الأمن»، لعله يعطي قوة دفع باتجاه خطوات سياسية كما جرت العادة منذ سنتين حتى الآن، وكان الله في عون اللبنانيين الخائفين على حاضرهم ومستقبلهم وجمهوريتهم!
|