حوار الحضارات.. أم حوار الطرشان؟ طباعة ارسال لصديق
د. جلال أمين   


هذه حادثة مدهشة، تستحق ما أثارته من جدل ومن اهتمام في البلد الذي وقعت فيه، وفي أي مكان آخر في العالم.
الحادثة وقعت في السودان، ولكن العالم كله لم يهدأ له بال حتى اهتدى فيها إلى حل.Image
سيدة إنكليزية، دفعتها أسباب بريئة للغاية للذهاب إلى الخرطوم لتدريس اللغة الإنكليزية لأطفال سودانيين. وخطر لها، كوسيلة من الوسائل الحديثة في التعليم، أن تستعين في مهمتها، بحب الأطفال الطبيعي للحيوانات والدمى، وخاصة دمية ظهر تعلق الأطفال بها، في أي بلد من بلاد العالم، وهي دمية الدبة الصغيرة التي تسمى من باب التدليل (Teddy Bear)، والتي شاع استخدامها في الغرب ثم انتشرت في بلاد أخرى كثيرة ذات ثقافات مغايرة، ربما لما ارتبط به الدب في الأذهان من براءة وبُعد عن العدوانية، فضلاً عما يغطي جسمه من فروٍ ناعم. ما أكثر إذاً ما سمعنا وقرأنا من قصص عن تعلق طفل بدميته الدبة الصغيرة، وإصراره على اصطحابها إلى سريره، فلا يستطيع النوم إلا في وجود الدبة في فراشه.
أخذت المدرسة عدداً من دمى الدبة الصغيرة إلى تلاميذها، ووزعتها عليهم طالبة منهم أن يقترحوا أسماء لها. فاقترح أحد الأطفال، وهو كبقية التلاميذ سوداني مسلم، أن يطلق على دميته اسم «محمد»، فإذا بسائر التلاميذ يوافقونه، ويطلقون على دببهم نفس الاسم.
وصل الخبر إلى بعض آباء التلاميذ فاستشاط بعضهم غضباً. «كيف يمكن أن يطلق اسم الرسول الكريم على حيوان؟» وانتشر الخبر فزاد الغضب، حتى وصل النبأ إلى الحكومة، التي غضب بعض رجالها بدورهم، أو وجدوا أنفسهم، على الأقل، مضطرين للإستجابة لما يطالب به الناس من توقيع عقوبة رادعة للمدرّسة، فألقي القبض عليها وألقيت في السجن ريثما يتم البت في أمرها لما ارتكبته من إهانة لدين البلاد، في الوقت الذي سارت فيه المظاهرات في الشوارع تطالب بالجلد أحياناً، وأحياناً بالإعدام للمدرّسة المسكينة.

 


عصر العولمة


على الرغم من أن الحادثة مدهشة فإن قليلاً من التأمل جدير بأن يقودنا إلى النتيجة الآتية، وهي أن كل جزء صغير مما حدث مفهوم تماماً في ظل الظروف التي نعيش فيها اليوم. ربما كان من الصعب أن نتصور حدوث شيء كهذا منذ خمسين عاماً أو أكثر، أما الآن فما أسهل تصوّر وقوعه.
سيدة إنكليزية تذهب لتدريس لغتها لأطفال سودانيين. ما الغرابة في هذا؟ ألا نعيش في عصر العولمة؟ الناس يبحثون عن مصدر للرزق في أي مكان من العالم، والسودانيون كغيرهم من شعوب العالم «الثالث» يريدون أن يتعلموا اللغات التي يتكلم بها العالم «المتقدم»، خاصة لغة الأميركيين الذين يبدون وكأنهم يسيطرون على العالم كله.
ليس هناك أية غرابة أيضاً في أن يختار طفل سوداني اسم «محمد» ليطلقه على الدمية الجميلة التي أعطتها له المدرّسة. الدمية محبوبة، والاسم محبوب، وليس في السودان اسم أشهر منه، وهو بالتالي أول اسم يخطر على البال. لم يخطر ببال الطفل أن هناك أية غضاضة في أن يطلق اسماً له هذه الدرجة من القداسة، على دمية لحيوان أليف، فعدد كبير جداً من الناس لهم هذا الاسم مع الإختلاف الشاسع بينهم في المكانة. والاسم على أية حال لا يطلق بالضبط على حيوان بل على دمية لطيفة.
لم يكن غريباً إذاً أن يكون هذا هو أيضاً موقف بقية التلاميذ، فإذا بالاسم يطلق على الدمى كلها، أو هكذا سمعنا.
بل حتى الغضب الذي اعترى بعض الآباء عندما سمعوا بالخبر، يجب أن لا يكون مدهشاً بدوره. «محمد» في نظرهم ليس، كما هو في نظر أطفالهم، مجرد اسم مشهور ومحبوب، بل هو أيضاً رمز للدين الإسلامي كله. ومن ناحية أخرى فإن الآباء لا يحملون العواطف الجياشة نفسها نحو الدبة الصغيرة، فهي في نظرهم مجرد «حيوان». لا يبدو من المناسب إذاً أن يُستخدم هذا الاسم هذا الإستخدام، وربما كان من المناسب أيضاً لفت نظر المدرّسة إلى ذلك واقناعها بتغيير الاسم.


قسوة لا مبرر لها


المدهش حقاً والغريب (بل ربما كان هذا هو الشيء المدهش الوحيد في القصة كلها) هو تلك القسوة التي اتسم بها رد فعل بعض أهالي التلاميذ، والكثيرين من السودانيين لدى سماعهم الخبر. قسوة وعجز عن فهم الدوافع المختلفة لدى المدرّسة ولدى التلاميذ. هذه القسوة وهذا العجز عن الفهم حوّلا السيدة الإنكليزية المسكينة إلى شيطان رجيم، وجعلا إمرأة بريئة لم تكن تقصد إلا خيراً لتلاميذها، عدواً يجب ضربه أو استئصاله.
ما سرّ كل هذه القسوة والعجز عن الفهم؟ ولماذا أقول إن شيئاً كهذا كان من الصعب تصوّر حدوثه منذ خمسين عاماً أو أكثر، ليس فقط في السودان بل في أي بلد إسلامي آخر؟
تفسير ذلك في رأيي هو ما طرأ على العالم من تغير خلال هذه الخمسين عاماً، وكذلك ما طرأ على أحوال السودانيين.
أما عن العالم فقد تغير لدرجة أن أصبح من الممكن لمدرّسة إنكليزية أن تقطع البحار في ساعات قليلة لتكسب رزقها في الخرطوم بتدريس الإنكليزية، لشهور عدة، ثم تذهب بعد هذا لتفعل نفس الشيء في بلد آخر، دون أن يكون لها أية معرفة سابقة بثقافة وتقاليد هذا البلد أو ذاك. كان الإنتقال من بلد لآخر في الماضي يعني في العادة إقامة لمدة أطول، أو حتى طوال الجزء الأكبر من حياة المرء الوظيفية، مما كان يضمن معرفة أكبر لدى الغريب بأحوال البلد الذي ينتقل اليه، وفرصة أكبر أمامه لتعلّم لغة هذا البلد وفهمها فهماً صحيحاً. هكذا أدّت العولمة إلى تعدد الأمثلة على «لقاء دون معرفة»، أو لقاء مع معرفة سطحية للغاية.
ولكن السودانيين تغيّروا أيضاً خلال الخمسين عاماً الماضية. لقد زاد بالطبع احتكاكهم بالغرب عما كان منذ خمسين عاماً، ولم يعد هذا الإحتكاك بالغرب مقصوراً على نسبة ضئيلة من سكان المدن السودانية بالموظفين الإنكليز المقيمين بالسودان، بل انتشر هذا الإحتكاك بين مختلف فئات الشعب وطبقاته، ليس بالضرورة عن طريق الإلتقاء المباشر بل وأيضاً عن طريق التليفزيون ومختلف وسائل الإعلام الأخرى، فضلاً بالطبع عن السفر بحثاً عن الرزق. ولكن هنا أيضاً كان اللقاء، في معظم الأحوال، «لقاء دون معرفة»، أو لقاء مع معرفة سطحية للغاية.
ترتب على هذا أنه، على الرغم من كل هذا الإنفتاح على العالم، وكل هذه «العولمة»، ظل من الصعب أن يتصوّر الشخص السوداني العادي ما يمكن أن يكون قد دار برأس تلك السيدة الإنكليزية عندما فكرت في استخدام دمى الدبّة في تعليم اللغة الإنكليزية، وعندما قبلت اقتراح اسم «محمد»، ولم تجد في استخدامه هذا الإستخدام أية غضاضة.
ولكن الأسوأ من هذا ما وصل إلى السودانيين (وغيرهم من المسلمين) من أخبار عما يفعله الغربيون بالمسلمين، في العراق مرة، وفي فلسطين مرة، وفي داخل البلاد الغربية نفسها، ناهيك عن التشهير المستمر بالعرب والمسلمين رغبة في تحقيق أغراض سياسية واقتصادية لا علاقه لها بالدين، كما حدث منذ شهور قليلة في تصوير نبيّ الإسلام في رسوم دانماركية شهيرة، ظهر فيها النبي في صورة إرهابي. كل هذا يصل إلى السوداني البسيط، كما يصل إلى المسلم البسيط في البلاد الأخرى، من دون أن يعرف بالضرورة الأهداف السياسية والإقتصادية الكامنة وراء هذا التشهير، فيستقر في ذهنه أن هناك عداوة أو كراهية حقيقية بين الشعوب الغربية والمسلمين، بينما الأمر يتعلق بأغراض فئة ضئيلة لا تحمل أي موقف من الدين إلا كوسيلة لتحقيق أهداف اقتصادية وسياسية.
من الصعب إذاً على المسلم البسيط في السودان أو خارج السودان أن يميّز بين أهداف هذه الفئة الصغيرة في الغرب، وبين مشاعر امرأة إنكليزية بسيطة مثله، ولا تحمل أية عداوة أو كراهية للإسلام أو المسلمين، وجاءت إلى السودان مدفوعة بدوافع بريئة للغاية تتعلق إما بكسب الرزق، أو برؤية العالم، أو بشغفها بتعليم لغة قومها لأطفال صغار من أمة أخرى.
القصة بسيطة جداً وبريئة للغاية، ولكنها تحمل في طيّاتها عناصر تراجيدية تعكس طبيعة العالم الذي نعيش فيه اليوم.

 

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image