|
«الرأي الآخر» تستطلع آراء النقاد والمؤرخين
إذا كانت الفنون مرآة لشعوبها ومجتمعاتها، أو هكذا يفترض أن تكون، برأي علماء الإجتماع، فإن الأغنية العربية، وفي خلال العقود الثلاثة المنصرمة، جسّدت على أحسن ما يكون، انهيار وانحطاط ناسها، صناعاً وجمهوراً، بعدما شكلت في ما اتفق على تسميته بـ«العصر الذهبي»، حكايات شعب ينتفض ويثور، يحب ويتجدد، يغني في صبحيات وأماسي، مستخرجاً من دواخله، بالكلمة واللحن والأداء، أروع ما كتبه أحمد شوقي، الأخطل الصغير، حسين السيد، عبد الوهاب محمد، أحمد رامي، نزار قباني، جبران خليل جبران، وما لحنه سيد درويش، محمد عبد الوهاب، رياض السنباطي، بليغ حمدي، محمد الموجي، فريد الأطرش، كمال الطويل، وما أنشده عمالقة الطرب، عبد الوهاب، عبد الحليم، أم كلثوم، فيروز.. وأسماء كثيرة لمعت سينمائياً لتدخل سجل الخالدين في تاريخ الأغنية العربية.
اليوم، انقلبت الصورة رأساً على عقب وخرجت الأغنية العربية، كما سائر الفنون السمعية والمشهدية، عن مساراتها الإبداعية لتدخل أنفاقاً بلا نهاية من الانحطاط، ويمكن اختصارها بأغنية الجسد والإبتذال والإثارة والعري. صارت العيون تسمع والبطون تطرب والغرائز تضرب «خبط عشواء» على الشاشتين الكبيرة والصغيرة، كما على المسارح وفي المهرجانات التي تسمى «كبيرة» وهي أصغر من حفل كان يحييه مطرب من الدرجة الثالثة في سنوات العز.
دروب متقاطعة
طبعاً هناك استثناءات في زحمة الإنهيار الفني شبه الكامل. وحسب الناقد ومؤرخ الأغنية العربية روبير صفدي صاحب إحدى أهم المكتبات الموسيقية ومؤلف العديد من الكتب في هذا الموضوع، فإن «مطرب أو مغني هذه الأيام - وهو أصغر من حمل الصفتين، يفتقد إلى الصوت والثقافة الفنية، واعتماده الدائم والأول على الشكل أي الصورة والرقص، أعني «النطنطة» بالتعبير اللبناني».
 روبير صفدي: عيب الذي يحصل ويلمح صفدي متسائلاً: «هل أن الغناء، خصوصاً في لبنان، فن أم إنه نتيجة عمل مافيات المال والمحسوبيات؟»، انطلاقاً من واقع بات معروفاً، أنه قلما أنتجت دولة عربية، وربما في العالم هذا الكم من الفنانين، 98 في المئة منهم يغنون بالجسد، كما يحدث اليوم في لبنان، على الرغم من أزماته السياسية والأمنية والإقتصادية التي يعاني منها. وجدي شيا، الملحن الملتزم بالأغنية الراقية، اجتماعياً ووطنياً يوافق صفدي في توصيفه ويرى أن «أكثر الأغاني الرائجة في الظرف الحالي تتخذ منحىً جسدياً ما أفقد الفن سحره، خصوصاً بعد انتشار ظاهرة البث المباشر، وهو أبعد ما يكون عن الفن». ويشرح وجدي صاحب بعض الألحان الجميلة إنسانياً وسياسياً في الزمن الهابط، ومنها على سبيل المثال قصيدة «إذا الشعب يوماً أراد الحياة» للشاعر الكبير أبو القاسم الشابي، بصوت لطيفة التونسية (سبق أن لحنها وغناها حليم الرومي وأيضاً ماجدة الرومي)، يشرح بعض المشاكل المتعلقة بنقابة الفنانين اللبنانيين، ويسأل: «إذا الشعب يوماً أراد الحياة فهل يستجيب أهل المهنة؟ وهل مقومات الفن الراقي تضعف أو تختفي على مذبح الفن؟». ويأتي الرد على لسان الإعلامية المخضرمة صونيا بيروتي التي اشتهرت في سبعينات القرن الماضي بإشتراكها في تأسيس وتقديم ما عرف بـ«استوديو الفن» وهو برنامج متلفز خرّج أسماء لامعة من إعداد وإخراج سيمون أسمر، وتكشف الفارق بين الأمس واليوم. تقول صونيا: «في العام 1973 وحين فكّر المخرج سيمون أسمر بـ«استوديو الفن»، إنما هدف من خلاله إلى إنتاج مواهب جديدة، خصوصاً أن الساحة الغنائية كانت تفتقر إلى أصوات شابة، جميلة ومميزة. وبهذا التوجه تعدى الإطار من الغناء إلى الشعر والمسرح والفولكلور، فكان هناك الغناء الكلاسيكي والغناء الشعبي، اعتباراً من أن محترف الغناء يفترض به أن يعايش ويتلاءم مع الجو الثقافي الذي هو أوسع من مجرد أداء أغنية». وتحقيقاً لذلك، تضيف صونيا، «بادر سيمون أسمر إلى الإستعانة بكبار أساتذة الموسيقى في الكونسرفاتوار الوطني وكان الجمهور يعرفهم بالاسم، أمثال زكي ناصيف، عبد الغني شعبان، وليد غلمية، ومثلهم العديد من الشعراء والكتّاب، ومنهم تكوّنت لجنة حكم تتمتع بالصدقية وتاريخها وأعمالها يشهدان على ذلك، أخضعت المتبارين لتجارب وعلى نتائجها يتم اختيار المشاركين».
أغنية وحرب أهلية!
ما تقوله السيدة صونيا بيروتي عما كان عليه اختيار الفنانين الجدد في لبنان صحيح. لكن الصحيح أيضاً هو أن «استوديو الفن» سبق وتزامن مع الحرب الأهلية اللبنانية، وقد أنتجت هذه الحرب «فناً ملتزماً» بتوجهات هذه الجهة أو تلك من الفئات المتصارعة، ما أفسح المجال أمام حرية فنية ساهمت في هبوط الذوق العام. هذا ما يؤكده وجدي شيا مشيراً إلى أن هذه هي نتاج حرب، وحيث ظهرت أسماء راحت تغني لمجموعتها تحت شعار الأغاني الحماسية، وهي لا تتطلب مقومات الصوت والأداء والكلمات والألحان، ونتيجة لهذه الحرب تكاثر عدد الإذاعات، ما تطلب في المقابل، أصواتاً وبرامج وكوادر لملء الهواء». يتابع شيا: «صار لكلٍ إذاعته ومذيعون ومذيعات ومهندسو صوت ومغنون وفرق أخذت تنشد بما يعبر عن آراء فريق معين، وبالتالي صار لهذه الأسماء جمهورها السياسي والطائفي وليس الفني. وقد استمرت هذه الظاهرة بعد الحرب، بتكاثر محطات التلفزة التي راحت هي الأخرى تبحث عن مواهب جديدة من خلال تفريغ بعض البرامج التي أطلق عليها الـ«توك شو». إنما وللأسف الكبير، يهدف القيمون على هذه البرامج إلى استقطاب مشاركين ومشاهدين لا يهمهم الفن بحد ذاته، وقد انعكس ذلك على مقومات الأغنية: كلاماً ولحناً وأداء، فكان الهبوط المتدرج من سيئ إلى أسوأ».
حكم الجمهور؟!
ولئن تمكنت الحرب الأهلية في لبنان والإنهيارات السياسية والعسكرية والإقتصادية العربية المتعاقبة منذ رحيل الرئيس جمال عبد الناصر وتوقيع اتفاقية «كمب دايفيد»، والإتفاقيات اللاحقة وما تلاها من هزائم وانكسارات.. لئن أدى كل ذلك إلى انهيار كل شيء تقريباً على الساحة العربية، فقد أتى بشكل مباشر وعاصف ليقضي على جزء كبير من الفن والثقافة. واليوم يطرح السؤال بشكل متزايد: ما الذي يساهم في تدني المستوى الفني: هل الفن أم شركات الإنتاج أم الجمهور؟ ترى صونيا بيروتي، أن برامج الهواة المتشنجة والمتزايدة على الساحة الصغيرة تتحمل جزءاً كبيراً من المسؤولية، وتسأل: هذه الشاشات تسرق أوقات المشاهدين وتشدهم أكثر فأكثر إلى الإنحطاط الفني، وخصوصاً الغنائي، وبالتالي، أي برامج يشاهدها الجمهور؟ فأنا لست مضطرة لمتابعة الهاوي الفاشل أو عديم الموهبة لأعرف في آخر حلقة الصوت الرابح ثم كيف الإعتماد على حكم الجمهور بنسبة تزيد عن خمسين في المئة في التصويت. نعم أحترم الجمهور، إنما لا بد من الإعتراف أن عناصر وأهواء كثيرة تتحكم برأي الجمهور ولا علاقة لها بالفن. يمكن لأحدهم أن يصوّت لابن بلده انطلاقاً من حس وطني. هذا مثال من عدة عناصر وعوامل». ولأن للجمهور صوته الكبير، كان السؤال البديهي: ماذا يريد الجمهور تحديداً؟
 صونيا بيروتي: الشاشات تسرق اوقات المشاهدين وفي جولة في شوارع بيروت الغنية والفقيرة، بدا واضحاً من خلال الأغاني المنبعثة من السيارات أنه كلما كانت الأغنية مبتذلة كلما اشتد الطلب عليها. فهل أن ذوق الجمهور هو الهابط؟ أم شركات الإنتاج أوصلته إلى ذلك؟ آراء كثيرة وصادقة تراوحت بين رفض مقولة «الجمهور عايز كده» وبين الجمهور يعيش أغنية العصر السريعة. يقول شكيب اندراوس رئيس دائرة المنشورات في الجامعة اللبنانية أن «الأغنية الهابطة ليست جديدة على الساحة الغنائية العربية، لكنها بالتأكيد كانت صرعة وتنتهي سريعاً ولم تكن لتشكل ظاهرة أو تحدياً لأصوات عمالقة: فيروز، وديع الصافي، صباح، أم كلثوم.. على عكس الحاصل اليوم، وحيث الأغنية الهابطة تشكل 99 في المئة من الإنتاج الغنائي. ويذكر شكيب على سبيل المثال أغنية بعنوان: «نبريشك طرطشتني» وأخرى «بأمرك يا باشا».. والمؤسف أن كلمات وألحان هذه الأغاني مسروقة وبلا معنى، وجل شهرتها وانتشارها تقوم على إظهار المفاتن والحركات المثيرة التي تخاطب الغريزة وليس أي شيء آخر». وما يقوله شكيب يكاد يكون لسان حال عشرات الشباب والشابات المستمعين والمشاهدين، «ولكن كيف لنا أن نتهرب من هذه الأغنيات وهي تلاحقنا إذاعياً وتلفزيونياً ومسرحياً في صباحاتنا ومساءاتنا، إن لم يكن 24 على 24 اليوم كله»؟ يتساءل هؤلاء ليضيفوا: صحيح لدينا فيروز ووديع الصافي وماجدة الرومي وملحم بركات وزياد الرحباني على الصعيد اللبناني، إنما وفي المقابل لدينا عشرات المغنين يتوالدون يومياً كما لم نشهد من قبل، وهم الأكثر سطوة وازدهاراً. وماذا عن أعمال منصور الرحباني المسرحية الإستعراضية؟ وأيضاً ماذا عن كاظم الساهر، لطيفة، نجوى كرم، وعمالقة الأمس، خصوصاً عبد الحليم وأم كلثوم..؟ يتفق الشباب على احترام أصوات هؤلاء الجدد والقدامى، «لكنهم وللأسف ليسوا أبداً أسياد الشاشات وإذاعات الـ(FM)، وحيث بالكاد نراهم ونسمعهم، لأنهم بالمفهوم التجاري لا يلبون متطلبات السوق، أو هكذا تشيع شركات الإنتاج والوسائل الإذاعية السهلة والسريعة. إن جل ما تطلبه هذه الشركات الإحتكارية الشكل الجميل والإثارة الكاملة. أغنيات هذه الأيام لم تعد فناً، صارت أشبه بـ«ستريب تيز»، يقول أحدهم. وفي هذا القول لشاب يحترم سمعه جيداً ينقض القول الرائج إن جيل الشباب هو الذي يريد فناً هابطاً، وإن شركات الإنتاج تلبي مطالب هذا الجيل.
بين الأمس واليوم
وكما شركات الإنتاج وبرامج الهواة التي تفرخ بين يوم وآخر عشرات الأصوات الشاذة والدخيلة، خصوصاً فنانات الإثارة والإغراء، صوتاً وجسداً، كان لا بد أن ينعكس هذا «التفريخ» الإستثنائي والعجيب على عدد المطاعم والنايت كلوبات في بيروت وبقية العواصم العربية. ومن يزرْ العاصمة اللبنانية هذه الأيام، يفاجأ، وعلى الرغم من الأجواء السياسية والأمنية والإقتصادية الضاغطة، فقلما يستطيع الإنسان حجز طاولة في أحد المطاعم الحديثة التي أقيم معظمها على سطوح البنايات الفخمة في قلب المدينة.
 وجدي شيا: الاغاني الرائجة ابعد ما تكون عن الفن لقد فرضت هذه المطاعم كالطحالب وهي تجذب الشباب، ولكن على حساب شوارع كانت حتى الأمس القريب معقل الفن والسهرات مثل شارعي الجميزة ومونو... وحتى ساعة متأخرة من الليل يمكن لزائر وسط بيروت أن يسمع كل أنواع الأغاني: التكنو الصاخبة والكلاسيكية الهادئة بشكل أقل. وفي المقابل، وعلى بعد مسافة قليلة من هذه الأماكن الراقية والجاذبة للشبان والأثرياء، تقوم الإذاعة اللبنانية، القديمة والعريقة، وحيث أطلقت من بين من نجح في اختبارها بعض أهم الأصوات الطربية في العالم العربي. اليوم تكاد الإذاعة تلفظ أنفاسها عاجزة عن مواجهة صفيرات الـ(FM)، واختفت بالتالي الإمتحانات. ويتذكر روبير صفدي هذا التاريخ الإذاعي الرائع، خصوصاً أن والده ومثله الفنان الكبير حليم الرومي احتلا موقعين متميزين في الإدارة والقسم الموسيقي: ما كانت الأصوات تأخذ طريقها إلى الإذاعة إلا بعد اختبار عسير وصعب أمام لجنة تضم كباراً من الشعر واللحن والأداء. والسؤال: ما الذي يمنع الإذاعة اللبنانية من ممارسة دورها السابق لرفع مستوى الفن أو على الأقل للحفاظ على مستوى جيد؟ يرد صفدي: «الإذاعة اللبنانية لا تعمل حالياً والقسم الموسيقي فيها الذي أطلق كوكبة من المطربين المميزين في سماء الوطن العربي معطل نهائياً، ما يعني افتقار الرقابة بكل شروطها ومفاعيلها واعتماد كل طالب شهرة على شركات إنتاج لها حساباتها الخاصة حتى لا نقول ارتباطات شخصية ومشبوهة».
سلطة المال وحرية القرار
وقد تكون شركة «روتانا» المتهم الرئيس في هذا المجال، ولا أحد ينافسها في الإنتاج والتسويق والتصدير، وأسرتها الغنائية تضم مئات الأسماء ممن حققوا شهرة عالية ومتوسطة ومتدينة، وهناك المئات أمثالهم ممن ينتظرون دورهم على أمل تحقيق الشهرة والنجاح والثروة. و«روتانا» لا تبخل حين تجد في بعض أسرتها «دجاجات تبيض ذهباً»، الأمر الذي يحسب عليها، خصوصاً من قبل أولئك المنسيين على رفوفها. وقد يكون في ذلك بعض التجني، فالشركة ليست مؤسسة خيرية ولا بد أن تحقق أرباحاً مقابل الشهرة التي توفرها لبعض هؤلاء، يقول أحد المسؤولين فيها: «يسعد الشركة أن تتعامل مع الجمال، صوتاً وشكلاً، لكن اهتمامها الأول ينصب على أن يمتلك المطرب أو المطربة الكاريزما التي تقربه من المستمعين والمشاهدين. هناك مطربون كثر لا يتمتعون بالجمال وحققوا مراتب عالية في المبيعات مثل نبيل شعيل، حسين الجسمي، ابراهيم الحكمي..». ورداً على ما يشاع عن احتكار الشركة لنجومها سنوات طويلة، وأن أي فنان ترضى عنه «روتانا» ينتشر حتى ولو كان صوته نشازاً، رأى المصدر أنه «بفضل هذه الشركة انتشرت الأغنية المعاصرة في أرجاء الوطن العربي، وبالتالي فإن عقوداً بالتراضي بعيداً عن أي إكراه أو ضغوط تتم بين الشركة والفنان». وما يقوله المصدر تؤكده الفنانة أمل حجازي: «لا أتصور أن الشركة تظلم الفنان. هناك وجهان لحقيقة واحدة: يمتلك الفنان المشهور معرفة كاملة بحقوقه، وبالتالي يمكنه أن يتخذ قراره من موقع قوي فيفرض شروطه في اتفاق التعاقد والشركة تسعى وراءه طالما أنها قادرة على جني الأرباح من خلاله. أما الفنان المبتدئ فله وضع آخر، فهو ينتظر شركة قوية تتبناه وتنتج له، وبهذا المعنى، فإن حاجته للشركة أكثر من حاجة الشركة له، خصوصاً أن مثل هذا الفنان لا يمتلك القدرة المالية على الإنتاج والتسويق والتصدير». وجدي شيا، يعاكس هذا الرأي، مشيراً إلى وجود شركات إنتاج كبرى تحتكر أعمالاً فنية جديدة وغير جيدة. ولنتصور، يقول شيا، إن مدير إحدى هذه الشركات يقرر وحده شكل ومنحى الأغنية في الوطن العربي، وهو قادر على ذلك لأنه يمتلك السلطة والمال،وبالتالي صناعة النجم مهما افتقر إلى الشروط الفنية والثقافية وإلغاء آخر يتمتع بكل هذه الكفاءات». ويتساءل شيا: كيف يمكن لفنان أن يدفع 300 ألف دولار لإنتاج شريط له إن لم تسنده شركة إنتاج كبرى؟
كلمات دخيلة وحرب نقابات
وأبعد من الأصوات والأداء، يرتبط هبوط المستوى الغنائي العربي بالكلمات التي دخلت القاموس الغنائي أو أدخلت لمزيد من الغنج والإثارة وما يرافقهما من ابتذال. غير أن هذا الأمر يخضع لجدل كبير. البعض ينتقد بشدة والبعض الآخر يعتبر الأمر مسايرة للعصر وملاءمة له. وفي هذا المجال، لم يتعرض بعض كبار الفنانين في أواسط القرن الماضي إلى انتقاد شديد حين عملوا على تقصير الأغنية واعتمدوا ما يسمى «طقطوقة»!؟ روبير صفدي لا ينكر ذلك، مصراً على أن ما يحصل لا شأن له بالأغنية من قريب أو بعيد، «ولا يجوز بأي شكل من الأشكال التخلي عن شعر الأخطل الصغير وإيليا أبو ماضي وجبران خليل جبران، وميخائيل نعيمة ونزار قباني وأحمد رامي وعبد الوهاب محمد وغيرهم كثر، لصالح «طبطب» و«نومي» و«شوف الواوا» و«هيفا أنا».. عيب الذي يحصل. وطالب صفدي نقابة المؤلفين والملحنين بالتدخل «قبل أن تستكمل هكذا أغنيات على ما تبقى من أخلاق لدى الشباب والمراهقين، خصوصاً أن هذه «المهازل» هي الأكثر عرضاً على شاشة التلفزة العربية، لافتاً إلى ضرورة التمثل بمصر المستمرة بفرض شروط صعبة على دخول الفنان معترك الأغنية وتسجيل أغانيه في دار الإذاعة. وفي المقابل، رأى وجدي شيا، أن لبنان يخوض حرباً على كل المستويات ومنها حروب النقابات. لدينا نقابتان تتنافسان على التقاط هذا الفنان أو ذاك، لقاء اشتراك سنوي يدفعه بلا أي مردود مقابل، خصوصاً على الصعيد الصحي بحيث بات هذا الهم يسبق الإصلاح الفني ومراقبة الإنتاج. المطلوب قانون مهني يضع حداً لكل هذه الإنقسامات و«الخزعبلات» الفنية المتكاثرة. ومهما تعددت الأسباب، فإن هبوط الفن في لبنان وبعض الدول العربية، كما يقول البعض ليس مرده إلى نقص في القرارات وانقسام في النقابات، ولا أيضاً إلى اعتماد الشكل قبل الصوت.. فمن يتطلع إلى دول العالم الأخرى المتقدمة، يجد أن الإعتماد على الشكل يفوق مرات عدة الإعتماد على الصوت، اعتباراً من أن الصورة باتت لغة العصر. وفي هذا المجال أكدت الفنانة أمل حجازي أنه لا يمكن الفصل بين انحدار المستوى السياسي والإقتصادي والإجتماعي عن الإنحدار الفني، فحين يعم الإزدهار لا بد وأن ينعكس على كل القطاعات، والعكس صحيح.. وحسب تقديري نحن نمر في عصر انحطاط، ويبدو ذلك واضحاً في الأغنية التي باتت عرض أجساد. الجمال ضروري إذا كان جزءاً من كل جمال يفترضه الفن. والحقيقة أن من يتابع الحركة الفنية في لبنان وبعض الدول العربية لن يفاجأ بدرجة الإنحطاط الذي وصلت إليه الأغنية. ومع ذلك، يبقى لبنان من الدول النادرة التي تستطيع أن تنتج فناً تحت القصف والدمار، لا بل وأن تساعد في ترويج هكذا أغنية!
|