|
الكشف عن أصوله الجينية وفر طريقة الشفاء
يغزونا الخوف فكيف الخلاص؟
شكلت التطورات الإقتصادية والسياسية والعسكرية في العالم عاملاً نفسياً ضاغطاً على الإنسان، عممت إلى حد كبير مشاعر الخوف والقلق من الأحداث الحاضرة والمرتقبة. ويبدو من الطبيعي أن يفرض تراكم هذه المشاعر تأثيرات بيولوجية سلبية، تبدأ بتسارع نبضات القلب وارتفاع ضغط الدم ولا تنتهي عند حدود الإضطرابات النفسية والعصبية الأكثر خطورة والناجمة أصلاً عن انعدام الأمان والإستقرار. هذا ما كشفت عنه وأكدته دراسات بدأ العمل عليها منذ نهاية الحرب العالمية الثانية وبلغت أوجها ما بعد العملية الإنتحارية التي أدت إلى انهيار برجي مركز التجارة العالمي في نيويورك.
ففي ألمانيا ارتفعت نسبة المصابين بمشكلات نفسية واضطرابات عصبية لدى سقوط حائط برلين عام 1989 الفاصل بين شطريها الشرقي والغربي. وأظهرت دراسة أجريت عام 1994، أن عدد المصابين بحالات من القلق الشديد في الشطر الشرقي يوازي أضعاف ما كانت عليه الحال في القسم الغربي لأسباب عدة في مقدمها ارتفاع هموم البطالة في أواسط تسعينات القرن الماضي، وفساد النظام الإجتماعي تعكس سلبياتها النفسية والعصبية على عشرات آلاف الشباب والشابات الذين وجدوا أنفسهم فجأة عاطلين عن العمل. وفي اليابان يعيش المواطنون حالة خوف مستدام من تهديد كوريا الشمالية بأسلحتها النووية، على الرغم مما أبدى المسؤولون الكوريون في الفترة الأخيرة من استعداد وجهوزية لوقف تجاربهم النووية. أما في الولايات المتحدة وبريطانيا، يخشى الأميركيون والإنكليز من تكرار أحداث الحادي عشر من أيلول/سبتمبر 2002. والأحداث التي تدعو إلى الهلع والخوف كثيرة، سواء أكانت زلازل أم فيضانات أم حروباً أم إرهاباً، ما يطرح السؤال: كيف تعمل أدمغتنا وأجسادنا في مواجهة الرعب وانعكاساته؟
حتى أواخر عام 1970، عجز العلماء عن معرفة كيف يولّد الدماغ الخوف، وأسبابه تخطت العلم، إنما ومع تكثيف الدراسات والاكتشافات تكشفت الأسرار وبانت الحقائق. لقد بدا لعلماء النفس، أن القلق يصبح أزمة فقط حين يدوم طويلاً تحت تهديد ما، واكتشف هؤلاء أن البعض يصبح مدمناً على الخوف دون أي مبرر والبعض الآخر يحاول التغلب على هذا الشعور بالإكثار من تناول الطعام والتلهي بمشاهدة أفلام الرعب وممارسة الرياضة القاسية والمؤلمة، وبحيث ينقلب دور النظام الدماغي المخصص لحمايتنا ليصبح مخرباً. وفي حين توصل بعض العلماء إلى أن حالة الخوف والقلق تقيدنا وقد تقتلنا، رأى آخرون وجود وسائل تخفيفية تحول دون ذلك. وقد عرّف عالم النفس الأشهر سيغموند فرويد نوعين رئيسيين من القلق: أحدهما بيولوجي والآخر نفسي، إنما ولسوء الحظ، انصب اهتمام المهووسين بأفكاره حول الجنس والصراعات النفسية التي تركز على دراسة الجذور الفيزيائية للقلق.
تجارب الدماغ والأصول الخبيثة
في السنوات العشر الأخيرة، أدرك الباحثون كيفية نمو القلق من رد فعل أو تجاوب دماغي إضافة إلى معرفة أصوله الخبيثة. وتبعاً لطرق مختصرة يتبعها نظام المعلومات في دماغنا، يمكننا التفاعل مع أي تهديد قبل إدراكه بعقلنا. يعرّف العلماء التوتر على أنه منبّه خارجي للخطر، يؤدي غالباً الى آلام محددة، أما الخوف فهو رد قصير المدى على التوتر، وكشف هؤلاء أن عوارض الاثنين متشابهة، لكن الشعور بالخوف يدوم طويلاً بعد إزالة التوتر وغياب التهديد. والشائع أن معظم الناس لا يعرفون سبب توترهم، إلا أن الخوف هو عامل توتر يمكن ملاحظته بسهولة. فالجرذان مثلاً تلازم مكانها، أما الإنسان فيتعرّق ويرتفع ضغط دمه وتتسارع نبضات قلبه. هذه المؤشرات وفّرت للعلماء إمكانية السيطرة على الخوف والتوتر. وقد أثبتت التجارب على الجرذان أنه ليس بالضرورة أن يسبب عامل خارجي التوتر، وما يؤدي إليه قد يكون توقف الآلية التي تشغل الدماغ.
العامل الوراثي
يؤدي العامل الوراثي دوراً بنسبة 30 الى 40 في المئة، أكد ذلك عدد من العلماء، وذلك بموازاة تأثير النشأة والتجارب الحياتية. فالأطفال الذين نشأوا في بيئة غير آمنة معرضون للتوتر أكثر من أولئك الذين عاشوا في مجتمع مستقر وآمن. تجدر
 الدماغ: مصدر الداء والدواء الإشارة إلى الارتباط الوثيق بين القلق والكآبة، والراشدون الذين يعانون من الإكتئاب عايشوا أجواء متوترة في صغرهم. وتختلف الأحاسيس المتولدة من تهديدات غامضة، عن تلك التي نختبرها لدى رؤية مبنى يحترق أو طائرة حربية انفجرت في الأجواء، إنما لا يمكن فصل هذه الأحاسيس كلياً بعضها عن بعض. فالقلق والخوف يتحدران من الأسباب عينها، وقد تكون العواقب ذاتها، وإذا أردنا الوصول الى جوهر القلق، يجب البحث عن أسباب الخوف، فالدماغ ليس آلة للتفكير فقط، بل هو المكيف البيولوجي المصمم للترويج لملازمة البيئة التي ينخرط فيها. ويقود هذه الوظيفة الجزء الدماغي المسمى (Neocortex) مركز الإدراك الواعي.
تفاعل الجسد
لدى الشعور بالخوف تترتب على الجسد سلسلة إجراءات متكررة، قد تؤدي إلى عواقب وخيمة على صحة الإنسان. يبدأ ذلك حين تدفع الـ (Amygdala) (لوزية الشكل تقع قرب مركز الدماغ)، (Hypothalamus)، لإفراز هرمون (Corticotropin Releasing) (CRF)، الذي يعطي بدوره إشارة غدتي (Ardenal) و (Pitrary) لضخ مجرى الدم بالإدريالين ونوربينغزين والكورتيزول. وهذه الهرمونات تحول دون تأدية الوظائف أو الخدمات غير الضرورية كالمناعة والهضم، وبالتالي توجه اعضاء الجسد إما للقتال أو للهروب، يقابل ذلك تسريع في نبض القلب والرئتين، كما تحصل العضلات على جرعة غلوكوز منشطة. وأظهرت الأبحاث أن للخوف أثماناً باهظة، هورمون النوربينغزين مثلاً يصمم الخلايا كلها ويؤذي القلب تحديداً. وكشف أطباء الأعصاب أنه أثناء حرب الخليج الثانية، وحين أطلق العراق صواريخ سكود على إسرائيل، سقط حوالى 100 مستوطن بنوبات قلبية، ورجح هؤلاء أن تكون ناجمة عن الخوف والتوتر. وافترضت دراسة مماثلة أن مرضى القلب في محيط نيويورك عانوا من نوبات قلبية مضاعفة في خلال شهر واحد بعد أحداث 11 أيلول/سبتمبر التي استهدفت برجي مركز التجارة العالمي، فضلاً عما عانوه من ضغوطات نفسية وصفت بالمميتة.
الهرمونات السلبية
بكلام آخر، ليس الخوف النوع الوحيد الذي يمكن أن يسبب الألم. فانخفاض نسبة الإدريالين قد يؤذي القلب ويزيد مخاطر الإصابة بأمراضه، كما أن التعرض الدائم للكورتيزول يمكن أن يقضي على نظام المناعة ويجعل المتعرضين لضغوط نفسية أكثر عرضة لالتقاط الإلتهابات وربما الإصابة بالسرطان. وفي الإطار نفسه، يبقى الأطفال، تحديداً أكثر عرضة للخوف والقلق. وللتجارب الانفعالية أو العاطفية والنفسية أثر كبير على أدمغتهم في طور النمو. إلا أن الجينات تجعل بعضهم أقل عرضة لذلك. وفي المقابل قد تتخطى التأثيرات العواقب العادية وصولاً الى الإصابة بالـ «الفوبيا» والإضطرابات الأكثر خطورة على الدماغ. وبينت دراسات أخيرة أن ملايين الناس، ولا سيما النساء، يعانين من «الفوبيا»، وهو رعب غير مبرر من أصوات أو مشاهد معينة. ويأمل الخبراء بأن تساعد الوسائل الألكترومغناطيسية الحديثة في معالجة «الفوبيين» بالطريقة نفسها التي نجحت على الجرذان. فقد خضع هؤلاء الى إثارة أجزاء معينة من دماغهم وتم رصد ردات فعل الخوف لديهم بسرعة أكبر.
المواجهة خير علاج
ويبدو أن طرق العلاج الحديثة والمستحدثة ما زالت تعتمد على الوسائل القديمة، أي التمرين عبر مخاطبة مركز الرد السريع الدماغي (Amygdala)، كأن يقاد الذين يخافون الأماكن المرتفعة إليها بدلاً من الإكتفاء بطمأنتهم بأنها آمنة، وحيث عبر تكرار التجربة تكوين مجموعة ذكريات جديدة تحل مكان السابقة الضاغطة سلبياً. وهذه التقنية قديمة بعمر الخوف نفسه، إنما بفعل نجاحها، بدأ العلم يكشف لماذا يكون تجنب ما يخيفنا عديم الجدوى.
ولكن كيف نزيل الضغط النفسي؟
الخطوة الأولى، تفترض تعريف هذا الخوف أو القلق من خلال عوارضهما. يلي ذلك ضرورة الإعتراف بالحالة، لأن ذلك يجعلنا أقل استكانة وسلبية وعرضة للأذى، وبالتالي أكثر قدرة على مواجهة مصدر خوفنا وقلقنا والتغلب عليه. واحدة من أكثر الطرق فعالية لتخفيف التوتر، تفترض التركيز على ما يمكننا التحكم به، مثل إبطاء التنفس الذي يؤدي الى خفض ضغط الدم والهدوء الكلي، واستخدام قوة التركيز مما يساعد على تخطي الحالة، وأكثر على تنقية العقل من القلق المستقبلي.
اليوغا خيار بديل
وفيما أثبتت المهدئات ومضادات الإكتئاب فعاليتها في معالجة القلق، فإن هذه الفعالية اقتصرت على معالجة العوارض لا لأسباب، وبالتالي فإن العلاجات النفسية وحدها لا تكفي متى كانت الإضطرابات بيولوجية، وحيث يمكن اللجوء في هذه الحال إلى خيارات بديلة مثل ممارسة اليوغا، تنظيم حركة التنفس والعلاج السلوكي الذي يقوم على تعريف التفكير المدمر وتغييره، أي تشجيع المرضى أنفسهم على مواجهة أسوأ مخاوفهم حتى لا تتغلب عليهم، وقد يكون مفضلاً مشاركة الأصدقاء والأهل في نشاطاتهم الرياضية ولا سيما السباحة والمشي، والإجتماعية مثل تبادل الزيارات والأحاديث حول موضوعات تتعدى الأحداث اليومية المخيفة إلى قضايا ثقافية وفنية منوعة. إلى ذلك، ينصح الإختصاصيون المرضى بالتخلي عن بعض العادات الغذائية كالإكثار من تناول السكر والكافيين والكحول، واعتماد لائحة صحية غذائية. وقد ثبت أن سماع الموسيقى والضحك يجديان نفعاً في حالات الخوف والذعر، والأهم تعلّم كيفية السيطرة على عواطفنا، وإدراك أن ما يشغل بالنا ويقلقنا، ليس سوى استجابة طبيعية للعالم الذي نعيش فيه.
|