تمايز مهدد بالإنحدار طباعة ارسال لصديق
ابراهيم حيدر   

التعليم العالي والجامعات في لبنان:

تمايز مهدد بالإنحدار

 

Image

في النصف الأول من تسعينيات القرن الماضي، لم يكن عدد المؤسسات الجامعية في لبنان يتجاوز عشر جامعات، إضافة إلى عدد من المعاهد والكليات التي تمارس التعليم العالي. فجأة، شهد التعليم الجامعي منذ النصف الثاني من عقد التسعينيات، زيادة كبيرة في عدد مؤسساته وكلياته ومعاهده واختصاصاته وطلابه وخريجيه. ففي حقبة زمنية محدودة (1996-2002) رخصت الدولة لسبع وعشرين جامعة ومعهد جامعي، وحوّلت كليات إلى جامعات، وأجازت إنشاء كليات ومعاهد جديدة وأقسام داخل جامعات قائمة أصلا.
منذ ذلك الحين، تنوعت الاختصاصات الجامعية، وقد بلغ عدد الطلاب الجامعيين اليوم، بحسب إحصاءات شبه رسمية نحو 150 ألف طالب جامعي، يتوزعون على 46 مؤسسة للتعليم العالي، نصفهم تقريباً في الجامعة اللبنانية.


توزعت مؤسسات التعليم العالي في لبنان على النحو الآتي: جامعة رسمية واحدة هي الجامعة اللبنانية، 19 جامعة خاصة، 21 معهداً جامعياً وكلية جامعية من بينها 4 معاهد جامعية للدراسات الدينية، و6 معاهد تكنولوجية جامعية.
الواقع أن عدداً من هذه الجامعات والمعاهد كانت قبل الترخيص تدّرس اختصاصات غير مرخصة، حيث جرى هذا النمو في مؤسسات التعليم العالي وفي عدد الطلاب، في غياب آليات للترخيص وللمراقبة ومعايير الجودة والمواصفات بما يتلاءم والمواصفات العالمية. وارتكزت آلية الترخيص قبل العام 1996 على ما ورد في قانون التعليم العالي الخاص الصادر في 26 كانون الأول/ديسمبر1961، وعلى التوصيات والإرشادات الصادرة عن المجلس الاستشاري الأعلى للجامعات المنشأ بموجب القانون رقم 83 تاريخ 28 كانون الأول/ديسمبر1967.
لكن في العام 1996، وبهدف تنظيم التعليم العالي، صدر مرسومان تنظيميان يحددان المواصفات العامة للترخيص لمؤسسات التعليم العالي وللمعاهد التكنولوجية، على الرغم من أن عددا من المراسيم المتعلقة بمعادلة الشهادات كان قد صدر أيضا قبل العام 1996. فالمرسوم 9274/96 يحدد الشروط والمعايير والمواصفات للترخيص لمؤسسة خاصة للتعليم العالي أو لكلية أو فرع في مؤسسة قائمة. أما المرسوم 8864/96، فيحدد شروط إنشاء معهد جامعي تكنولوجي.
إذا كانت الجامعات الجديدة والمعاهد والكليات المستحدثة منذ نحو 10 سنوات، تحتاج جميعها إلى مزيد من الوقت والتأسيس ومراكمة الخبرات، حتى يمكنها منافسة الجامعات العريقة التي واكبت تاريخ لبنان منذ نشأته حتى اليوم، فإن بعض هذه المؤسسات يحتاج إلى أكثر من ذلك، وخصوصاً أن البلاد لا تتحمل هذا العدد الكبير من مؤسسات التعليم العالي، في الوقت الذي تراجعت فيه شعارات «ديمقراطية التعليم»، ودخلت مصطلحات جديدة في التعليم والبحث ينبغي مواكبتها، إضافة إلى الشروط والمقومات الضرورية للإستمرار.
على أن التعليم الجامعي يواجه مشكلات حقيقية، ولعل الأزمة السياسية التي يعيشها لبنان وعدم الإستقرار، لا يفردان مساحة لخوض عملية إصلاح جامعي متقدم وإعادة النظر في عدد من البرامج وطرق التعليم. فالخلفية التي جرى على أساسها الترخيص للجامعات انطلقت من أن لبنان بلد حر، وبالتالي، فإن المنافسة مشروعة بين الجميع، والبقاء للأقوى وللأقدر. لكن لم يكن في الحسبان أن بعض الجامعات والمعاهد ستحسب على طوائف معينة ومدعومة، حتى في غياب شروط أكاديمية فعلية، فبعض الجامعات المستحدثة تغالب البقاء، وبعضها الآخر يتلقى المساعدات، في حين أن الجامعات العريقة والقديمة ترفع أسعار التعليم من جديد، كأنها تضع الحواجز مجدداً أمام أفراد الطبقة الوسطى في لبنان، في حين أن الجامعة اللبنانية تعاني الأمرين في مستوى التعليم والسيطرة السياسية والإنقسام، على الرغم من أنها لا تزال تحافظ على بعض المكتسبات التي حققتها على مدى تاريخها.
على أن ما سرى على الجامعة اللبنانية في الأعوام السابقة، وخصوصاً خلال الحرب الأهلية وبعدها، حيث اعتبرت مجرد إدارة رسمية تشابه أي إدارة أخرى، لم يسر على سواها من الجامعات الخاصة. فبرزت عملية تمايز، كانت قائمة، ولكنها باتت أشد وضوحاً في سنوات الحرب. وإذا كانت دخلت إلى الجامعات الخاصة كتل طالبية طائفية، حافظت على تماسكها خلال سنوات الدراسة، إلا أنها لم تستطع يوما التأثير على القرار الأكاديمي، إذ ظلت خاضعة لأحكامه، خلاف ما حدث في الجامعة اللبنانية عندما أمكن السيطرة على القرار الأكاديمي من فوق ومن تحت.
الأمور الجامعية عادت إلى معادلاتها الطبيعية، على الرغم من الصراع السياسي في البلاد. فأبناء النخب من سائر الطوائف يقصدون كلا من الجامعات الأميركية واللبنانية الأميركية واليسوعية والعربية. ومن لا ينتسب إلى هذه الشريحة يتجه نحو كليات ومعاهد الجامعة اللبنانية، أما من يمثلون بقايا الشريحة الوسطى فلهم الاختيار بين الجامعة الإسلامية والجامعات الخاصة المنشأة بعد العام 1996 والتي تستوعب ما لا يزيد عن عشرة في المئة من طلاب التعليم العالي. أما لبنان الذي يتميز دائماً بموقعه في التعليم العالي، هو أمام أزمة حقيقية بعدما باتت المنطقة بأكملها تعج بالجامعات، وهو الأمر الذي يحتاج الى إعادة نظر في الخطط والتوجهات والمفاهيم.
 

ابراهيم حيدر

 
التالى >

الغلاف

Image