|
يسار وطني وديمقراطية أم اشتراكية وقومية |
|
|
|
موفق محادين
|
ابتدءاً، أسجل تحفظي عن مصطلح اليسار نفسه باعتباره مصطلحاً مشوشاً، ملتبساً ولا
أساس طبقي أو معرفي له. وقابلاً لتوظيفات سياسية برسم التخادم والتواطؤ السياسي على
النحو الذي نشهده اليوم من اصطفافات غريبة بين بعض الأنظمة والإمبريالية الأميركية
ضد أنظمة أخرى أو ضد الإسلام السياسي..
لدينا نماذج حية على ذلك اليوم من لبنان إلى الأردن وتونس ومصر.. حيث يصطف بعض
«اليساريين» مع مشايخ النفط وعملاء إسرائيل ضد أنظمة وقوى تشارك هؤلاء في ظلاميتهم
وبوليسيتهم..
فهذا المصطلح «اليسار» وصفة عريضة لأطياف شتى من أقصى اليمين إلى أقصى اليسار، كما
يصرف الانتباه عن الطابع الاشتراكي لحركة التحرر العربية إلى عناوين مظللة مثل
الديمقراطية.. وهذا ليس انتقاصاً منها بل عودة إلى مقاربتها كجزء من قضية ككل.
ولا باس من التذكير هنا، بمحاولة الرئيس الأميريكي الأسبق، كينيدي، تصوير الصراع في
العالم على أنه صراع بين التقدم والتخلف، لا صراع بين الاشتراكية والرأسمالية.
فالاشتراكي الحقيقي الذي لا يبحث عن صفقات هنا وهناك، بل هو الذي يعلن نفسه في
الخيار الاشتراكي لا عبر صيغ أخرى مثل اليسار الذي أرى فيه عنواناً للانتهازية
السياسية.
أما في ما يخص المحاور المطروحة لهذه المشاركة
أولاً: لا أعتقد أن القمع أو الأصولية أو الرهان على حيوية غريبة للرأسمالية هي
التي دفعت بعض اليساريين إلى التعاون مع السياسة الأميركية.. والأدق أن نبحث عن
عوامل أخرى، تتراوح بين الأساس الطبقي وبين الفقر المعرفي - الكسل الذهني - لهذه
الانتهازية.
ثانياً: بناءً على ما سبق، يمكن القول إن التفتيش عن أسباب الخيبة اليسارية في
جرائم النازية الأميركية في العراق وأفغانستان تفتيش عقيم حيث لا يمكن لعاقل ناهيك
بإشتراكي أن يعول على رأسمالية متوحشة مثل الرأسمالية الأميركية لبناء مناخات
ديمقراطية في أي بلد في العالم ناهيك أيضا بالسقوط المدوي والمبكر لكذبة «التمدن
بالمدافع» التي سبق لماركس أن انزلق إليها، وتراجع عنها سريعاً. فالمتروبولات
الرأسمالية لم تقم بإعادة إنتاج صورتها في أطراف العالم التي لا تزال بعد قرون من
الاستعمار القديم والجديد تراوح مكانها وفق استنتاجات غونرد فرانك. وكذلك مهدي عامل
حول «تطور التخلف»: اندماج اقتصادي في النظام الرأسمالي العالمي وطلاق اجتماعي بائن
بينونة كبرى مع العصر..
ثالثاً: بصرف النظر عن حجم المسافة بين معطيات السياسة الأميركية وسياسة العدو
الصهيوني، فليس الموقف الأميركي من هذا العدو وسياساته هو السبب الرئيسي لخيبة
اليسار، فقبل قيام دولة العدو وقبل تأسيس «الوكالة اليهودية» نفسها وقبل ظهور
الحركة الصهيونية كان كارل ماركس قد أسس في كراسه «حول المسألة اليهودية» للموقف
الاشتراكي من الطبقة الربوية للرأسمالية الأميركية الشابة... ولا تزال المصالح
الرأسمالية الأميركية تتناقض في جوهرها مع أي دعوة ديمقراطية، بما في ذلك
الديمقراطية البرجوازية التي تنتمي لإرث الرأسمالية الأوروبية بل إن الولايات
المتحدة نفسها هي التي أسست عملياً لدكتاتورية الحزبين في العالم..
وأود أن ألفت الانتباه هنا إلى أن ما يندرج تحت خطاب العقلانية الديمقراطية صار
بشهادة رواد «مدرسة فرانكفورت» الأموات الأحياء (مثل هابرماس) صار جزءاً من ماضي
الرأسمالية لا من واقعها ومستقبلها.
رابعاً: أما الطريق الثالث المقترح فهو من بقايا الحفريات التي نحتتها الرأسمالية
في أزمتها التاريخية فالمسألة كما قلنا في التعقيب على مرحلة كينيدي وقاموسه في
إدارة الصراع مع الاشتراكية، ليست صراعا أو خياراً بين الأنظمة والأصوليات، بل بين
الأشكال الجديدة للرأسمالية والاشتراكية.
فالنازية الأميركية والأنظمة التي تدعمها وأصوليات التكفير وصَوْلات الجهاد بعيداً
عن المصالح الأميركية - الصهيونية، تختلف تحت سقف واحد وتشرب من كأس واحدة هي كأس
العداء للاشتراكية.. ومن المؤكد إننا نقترب اليوم من حلف أميركي جديد مع هذه
الأصوليات حول خطوط التصدع العالمية التي تحيط بقلب العالم الجديد (الصين).
خامساً: بوسع الاشتراكيين العرب الراديكاليين، كما حاولوا دائماً على طريقة مقاربات
ياسين الحافظ أن يتعرفوا إلى الصراع الطبقي على المستوى القومي وأن يتعرفوا المسألة
القومية من قلب هذا الصراع الذي تتداخل فيه مصالح الرأسمالية الدولية مع اليهودية
العالمية مع المافيات المحلية التي تتستر بالتحولات البرجوازية.
وسيكون ضرباً من الانتهازية السياسية اجترار الخطاب القطري والبحث عن عنوان
ديمقراطي لتبريره ،فالدولة القطرية اليوم في غرفة العناية الفائقة للعولمة
المتوحشة.
*كاتب و باحث أردني
موفق محادين*
|