|
«البطش الأمني في مصر،
كفيل بوأد أي أمل في التغيير»
لا يمكن أن تلتقي د.أشرف بيومي، الباحث والمفكر
اليساري والأستاذ المحاضر في جامعات مشغن، من دون أن يتبادر إلى ذهنك أن تسأله عن
موقف اليسار المصري في ما حدث ويحدث في مصر من انتفاضة شعبية وإضرابات تلقائية
واضطرابات على الساحة السياسية المصرية، وأين يمكن أن نتلمس بصمات القوى اليسارية
في سيناريو التغيير الأخير والذي بشر بالانقلاب على النظام السياسي القمعي وحالة
الفقر المدقع الذي بات يعيشه الشعب المصري .
الرأي الآخر: أين هو دور اليسار المصري في الانتفاضة
الشعبية الأخيرة؟ ولا سيما أن الإضرابات حدثت في الساحات العمالية والشعبية، والتي
من المفترض أنها القاعدة الجماهيرية لليسار؟
د.أشرف بيومي: اليسار المصري يعاني أزمة فكريةً، لأن الدوغماتية الفكرية والتبعية
المالية التي ارتهن لها اليسار في ظل الاتحاد السوفياتي والتي انهارت مع انهياره لم
تثمر عن جهد فاعل يذكر على الساحة المصرية، وأصبحت الايديولوجية الماركسية المطبقة
من قبل أتباعها غير علمية، مع أن أساس منهجها هو العلم، وانحسار دوره في الشارع
المصري يعود إلى عوامل عديدة، أولها تضخم الذات لدى المثقف العربي، فلدى مثقفينا -
وطبعاً لا أريد أن أعمم - أزمة واضحة تكمن في عدم قدرتهم على خلق نواة قيادية من
المثقفين من مختلف التيارات الوطنية كي يعملوا بشكل جماعي، وقد نجد منهم من يعمل
بشكل فردي، بجد ومثابرة، وقد بذلت محاولات كثيرة لإيجاد تجمع لهذه النخب حتى
يكوّنوا مرجعية فكرية وطنية ولكنها للأسف باءت بالفشل، وفي تصوري هذه أولى أولويات
العمل في مصر ولكن العقبات أمامها تقع في ذاتية المثقف وحب الظهور والأضواء والرغبة
في الزعامة. وعليه أعترف أن لاقاعدة شعبية حقيقية لتيار اليسار في الأحداث الأخيرة.
ولا دوراً حقيقياً فاعلاً له في تلك الأحداث.
الانفجار العشوائي والإخوان المسلمون
الرأي الآخر: بعد الأحداث الأخيرة التي شهدتها مصر، حذرتم
من عشوائية الانفجار الذي سماه آخرون بالعفوي، ما هي وجهة نظركم في ذلك؟
د. أشرف بيومي: «نعم أنا حذرت من خطورة فكرة الانفجار العشوائي للأوضاع، ودعوت إلى
ضرورة وجود قوى وطنيه منظمة للشارع، تضع مشروعاً بديلاً واضحاً عما هو قائم، وإلا
كانت القوى الرجعية والإخوان المسلمون والتي اتهمها بالعمالة للغرب، أول المستفيدين
من تفجر الوضع، وفي الجهة الأخرى القوى الأمنية في مصر باتت تتمتع بقوة بطش غير
مسبوقة كفيلة بوأد أي فكرة لانتفاضة أو تغيير إيجابي حقيقي والذي حدث ولايزال يحدث
اليوم في مصر، هو أن هناك معاناة معيشية وصلت حد الذروة، بالإضافة إلى ضياع وتخبط
في المواقف السياسية التي تتخذها الحكومة داخلياً وخارجياً، مثل موقفها الدنيء
المتمثل بعدم حضور قمة دمشق، ولتنفيذ الأوامر الأميركية والسعودية والإسرائيلية
بالإضافة إلى رعايتها لحكومة فقدت شرعيتها أمام هذا الغلاء والعوز لأنها فقدت
القدرة على تلبية أدنى الحاجات الأساسية للمواطن، حكومة تعتمد على السياسة
البوليسية القمعية التي تتكل على التدخل الأمني وقمع أيّ حركة احتجاجية أو تظاهرة
أو اعتصام عبر أيد استخباراتية أخطبوطية لها أذرع في كل مكان، الجامعات، القضاء،
النقابات، في الشارع، قوى أمنية لا يستهان بها أبداً ولا يخفى على أحد أن في مصر
عصابة من البليونيرات وأصحاب النفوذ من المافيات السياسية والمالية تسيطر على
الحكومة. في المقابل هناك أحزاب وطنية لا وجود لها فعلياً على الأرض لأنها لا تملك
المال، ولا مساحات من الحرية للعمل السياسي بالمقابل، وهناك الحزب الذي لا يمكن
الاستهانه بدوره، الإخوان المسلمون الذي يتمتع بحضور قوي في الشارع المصري ويلعب
لعبةً سياسية لخدمة الخارج قبل خدمة الداخل، وشريحة كبيرة من أعضائه هي شريحة
انتهازية صرفة ممولة أجنبياً، تقابلها حركات وطنية في الشارع المصري مثل حركة
«كفاية» التي جذبت في البداية عدداً لا بأس به من الشباب، ولكن سرعان ما تقلص هذا
العدد وتفرق لأسباب عديدة أهمها دسّ مجموعات من الانتهازيين المستعرضين، والأهم من
ذلك هناك حركات عفوية أهمها اضطرابات العمال المدفوعة أساساً بأسباب غلاء المعيشة
وتحسين أوضاع الناس ورفع الأجور، وتحاول بعض القوى السياسية أن تستغل هذه الحركات
وتوظفها سياسياً لأغراض تخدم جماهيريتها. وللأسف كل فعل وطني يقابل بوجود مندسّين
يغيّبون الصورة ويشوهونها ويعبثون بمصداقيتها وهذا من أخطر ما تعاني منه كل حركة
وطنية جدية انقلابية، فيقوّض فعلها.
العالم العربي وأميركا اللاتينية
الرأي الآخر: الظروف السياسية والاقتصادية للعالم العربي
تتشابه كثيراً مع نظيرتها في أميركا اللاتينية، ولاأظن أننا تعرضنا في العالم
العربي لأوضاع أشد قمعاً من تلك التي عانت منها ثوراتها، ومع ذلك فان أميركا
اللاتينية شهدت وصول قوى وطنية بإرادة جماهيرية إلى سدة الحكم وتخلصت بمقدراتها من
التبعية للغرب، بينما لم نستطع نحن ذلك؟ ما أوجه اختلافنا؟ ولماذا يؤذن وهج ثوراتنا
بالأفول فور اشتعالها؟
د. أشرف بيومي: حقيقة أن هذا الأمر هو محور تساؤل في ذهني منذ سنين طويلة، لأن
المراقب لتاريخ الثورات في العالم العربي يجد انكفاءً وانحساراً لمد الثورات، فتصل
إلى حالة نصف ثورية، وأعزو هذه التهمة للدين الذي غالبا ما لعب دوراً مميعاً لهذه
الحركات متواطئاً مع السلطة، في حين كانت الثورات الدينية عاملاً محرضاً لاشتعال
الثورات في أميركا اللاتينية.
ولكني في الجهة الأخرى أرى أن هناك خصوصية لظروف الوطن العربي تكمن في وجود الكيان
الصهيوني، ومحورية دور هذا الكيان الصهيوني في الاستراتيجية الأميركية، كان من أهم
الأسباب المثبطة لحركاتنا الثورية، فبسبب أهمية المكان الاستراتيجي الشرق العربي
زرعت الأنظمة الإمبريالية هذا الكيان العميل لها، وأولى هواجسها هي صعود قوة عظمى
مناوئة لها كالاتحاد السوفياتي في ذاك الوقت، فكانت تجد الحجة عبر الأنظمة العربية
التابعة لها لضرب مصالح أي قوى أخرى مناهضة للمشروع الأميركي الصهيوني في المنطقة.
وبالعودة إلى العامل الديني، لايمكننا أن ننكر أثر الدين على أدائه في مجتمعاتنا
والطريقة التي نتعامل بها مع الدين أدت إلى نشوء عقلية عربية غير ناقدة، تابعة، لا
تستخدم المنطق كمرجعية في فعلها ورد فعلها، عقلية تقبل فقط بالمسلمات.
أما في أميركا اللاتينية فإن دور الدين كان في كثير من المواقع داعماً للثورة،
وإبان الثورات نشأ ما يسمى بالليبرال ثيولوجي، أواللاهوت التحرري، حيث رأينا الكثير
من القيادات الدينية اللاتينية من اللذين قضوا على مذبح الكتدرائية فداء لانتصار
الثورة، وحقيقة أظن أن هذه المقاربة جديرة بالبحث الجدي لأنها قد تفضي بنا إلى وضع
اليد على بعض بعض الإشكالات البنيوية التي قادت حركاتنا الثورية إلى الفشل.
رولا عبد الله الأحمد - دمشق
|