وداعاً للشيخوخة.. أهلاً بـ «الخلود»؟ طباعة ارسال لصديق
ألبير الخوري   

Imageالموت، النهاية المأساوية لكل حياة. هذه الكأس المرفوضة من كل حي - «أبعد عني الكأس» - قال السيد المسيح. هذا الحق المتعدد الأسباب، المخيف لغالبية الناس، المطلوب من قبل البعض. هذا الزائر المجهول، الآتي عاجلاً أم آجلاً، هل يصبح معلوماً، وبالتالي، حكاية من نوع «كان يا ما كان»، بفضل علماء يجهدون لتحويل العلم إلى حقيقة الخلود بمعناه المادي الجسدي، لا المعنوي والقضاء نهائياً على الموت؟ وبهذا المعنى، هل يصبح الإنسان خالداً غداً؟ وهل الإنسان الذي يمكن أن يعيش على نحو أبدي، هو ربما مولود سلفاً؟، على حد ما أكده عالم الشيخوخة البريطاني أوبري دوغراي، في لقاء جمعه مع أمثاله في شباط/فبراير الماضي، ولم يكن وحده من رأى الموت يمكن أن يغلب. وفي مقابل أوبري، يرد علماء آخرون في علم الأحياء بالقول «يمكننا أن نحلم دائماً، لكن الحلم بالخلود الجسدي أمر واهم».

 لكن ما يتفق عليه جميع العلماء، أن معدل أعمارنا سوف يزيد في العقود القليلة الآتية. لكن هذا لن يتم دون طرح إشكالات ثقافية واجتماعية على جانب كبير من الأهمية والخطورة. ومهما يكن فإن أوبري دوغراي، وراي كورزووايل ومجموعة أخرى من الباحثين والعلماء باتوا شبه مقتنعين أن الموت نتيجة مسألة ميكانيكية يمكن التغلب عليها في المستقبل القريب، وهذا ما يعارضه عدد مماثل من العلماء الاختصاصيين في علم الأحياء يعملون على درس آلية الشيخوخة. وبين هاتين المعادلتين، يبقى أن الأبحاث جارية على أكثر من صعيد بهدف القضاء على هذه الكأس. وهذا ما يخبره أوبري متحدثاً عن تجربته الشخصية في هذا المجال.


الاكتشاف الأخير المقبل؟


الصدفة وحدها وضعتني على طريق البحث عن مبدأ الخلود. لنقل تقريباً الصدفة، فقد كانت تداعب مخيلتي رغبة البحث عن آلية الموت. فقد حدث في العام 2004 أن بدأت تلقي بعض الرسائل الإلكترونية، وفحواها أن بعض الداعمين لجائزة أنصاري العاشر (Ansari x) وقيمتها عشرة آلاف دولار اتجهوا إلى مشروع آخر يعتمد تطوير وتمويل «مؤسسة الشياخة» لحل لغز الموت.
Imageفي البدء لم أعطِ الموضوع الكثير من الاهتمام، صحيح أني على مشارف الواحد والأربعين من العمر، وبشكل عام، كنت ما زلت أشعر بأنني فتيّ بما فيه الكفاية، وبالتالي لا أكترث كثيراً بموتي. ومن ثم، ومهما يكن الأمر، فإن فكرة تطويل العمر بعض السنوات لا تعدو كونها من الأمور التافهة.
بقيت شهوراً عدة على هذه الحال من الريبة والشك إلى أن تلقيت اتصالاً بريدياً آخر يخبرني فيه عن صدور كتاب جديد لعالم المستقبليات راي كورزووايل، وكنت من أشد المعجبين بمؤلفاته. فهو أول من رأى في ثمانينيات القرن الماضي، أن الإنترنت، وهو بعد في خطواته الأولى، «سوف يسيطر على العالم في خلال السنوات القليلة المقبلة». ثم إن كورزووايل هو الذي اكتشف من بين آخرين المغراس المسطح (Scanner Plan) واستحق الميدالية الوطنية للتكنولوجيا، وهي الجائزة الأكبر في مجال التقنيات في الولايات المتحدة. لكنه في كتابه الأخير، يبدو أنه غاص بعيداً في الموت وأعلن «الاكتشاف الكبير القادم لن يكون أقل من الحياة الأبدية»، وكشف أنه بات على قاب قوسين من اكتشاف اللغز والمفتاح صار في يده.


كيف يمكن مقاومة آثار العمر ومنع تقدمه؟
أوبري دوغراي يحدد من مشروعه الذي أصبح يعرف باسم «استراتيجية من أجل شيخوخة مخففة غير ملحوظة» واختصارها (SFNS(، سبع مراحل لعملية تقدم العمر والشيخوخة، وسبع خطوات استباقية لصدها وعكس الهجوم.
1 - الضمور وبداية موت الخلايا: في هذه المرحلة تأخذ بعض الأعضاء الحيوية في جسم الإنسان، كالدماغ والقلب، في التراجع والضمور نتيجة فقدان الخلايا التدريجي، باعتبارها مكونة من نسيج خلايا لا يسمح بتجددها، بعكس أعضاء أخرى في الجسم.
وعلاج ذلك يتم عبر حقن هذه الأعضاء بهرمونات نمو وإدخال خلايا مغلفة خصوصاً على فترات منتظمة، وستقوم الهرمونات بتحفيز وإثارة عملية تجديد الأنسجة، وشمل الخلايا الغلافية محل الخلايا الآخذة بالضمور.
2 - تراكم الخلايا الدهنية أو الهرمة: هذه تتكاثر مع التقدم في العمر ويمكنها التسبب بالسكري. فالخلايا الهرمة تترسب على المفاصل الغضروفية.
ولمعالجة هذا الأمر حسب مشروع (SFNS(، حقن بجينات تسمى «انتحارية» بهدف تكييف وتعديل أنظمة التقاط المضادات للخلايا القاتلة أو المشبوهة.
3 - التحولات السرطانية عبر الحمض النووي (AND) في نواة الخلية: ففي كل مرة تنقسم خلية من الخلايا تتقلص وتدعى TELOMERE، وهي جزيئة مكونة للحمض النووي تقع في طرف الكروموزوم. وفي مرحلة معينة من التقلص تتوقف الخلية عن الانقسام، لتبدأ التحولات والتغيّرات على الخلية ومكوناتها من جينات وأنزيمات. والنتيجة خلايا سرطانية مصابة تنشط بجنون وتتكاثر بلا نهاية.
والحل: القضاء على هذه الخلايا السرطانية. يقترح دوغراي القيام بعملية تبديل أو تعويض خلايا كل عشر سنوات على الأقل، أي تبديل الخلايا المصابة بخلايا معافاة حتى يتم التأكد من خلو الجسم من أي إفراز سرطاني جديد.
4 - التحوّلات الضارة في الأنظمة الخليوية لإفراز الفضلات: التلف يصيب الأجزاء التي هي بمثابة «سنترالات» لإنتاج الطاقة بالخلية للقيام بعمل فرز الفضلات الحيوية.
الحل: نسخة من جينات «ميتوشوندري» في الحمض النووي. يتم الاحتفاظ أو حفظ نسخ من مادة DNA النواة في أوعية مخصصة لهذا الغرض، ويمكن استعمالها للقيام بترميمات وإصلاحات كلما اقتضى الأمر ومعالجة التلف.
5 - خلل في الأنسجة المحيطة بالخلايا الحاملة للبروتينات، ما يؤدي إلى ظهور مرض أو حالة ضغط الدم.
الحل: تناول عقار كفيل بتدمير الارتباط غير النظامي للأنسجة البروتينية. وحسب غراي، فإن تناول جرعة محددة من مادة (ALT-711) كافية لفك تلازم بروتيني غير طبيعي دون المساس بباقي التركيبة.
6 - تكدس في الفضلات والترسبات في محيط الخلايا: هذا يصيب بخاصة الدماغ، مما يؤدي إلى قطع التواصلات العصبية وإلى ظهور عوارض الزهايمر.
الحل: لقاح أو طعم خاص لبرمجة جينية لنظام الصد والدفاع الذاتي بالجسم ليتمكن تلقائياً من معالجة تلك الترسبات قبل أن تؤدي إلى أي تلف.
7 - تكديس الإفرازات الترسبية أو الفضلات داخل الخلايا: الإفرازات داخل الخلية تترسب في بعض أجزاء الخلية مؤدية إلى تصلب بعض الشرايين.
الحل: زرع آلية تخلص من تلك النفايات داخل الخلية ممكنة جداً، وقد أكدت ذلك التجارب العلمية الملموسة، إذا كان بإمكان بعض أنواع البكتيريا في الشراب إنتاج أنزيمات قادرة على معالجة تلك الفضلات. والوصفة العملية المقترحة هي بإدخال جينات من تلك الأنزيمات بمادة «ليسوسوم»، والنتيجة بالتأكيد العلمي ستكون إيجابية كما هو مفترض.


إطالة العمر


في السنوات الأخيرة، بدأت مجموعة من الاكتشافات تسليط الضوء على آليات الشيخوخة، لكني كنت متأكداً من أن البحث في فكرة الخلود لم يكن بالنسبة إلى العديد من علماء الشيخوخة أكثر من خيال لدرجة أن بعضهم وصفها بـ«العجرفة والمكابرة ولا تمتّ إلى العلم بصلة». وبهذا التوجه رأى الباحث في علم السكان، س. جاي أولفسكي من جامعة «إيلينوي» في شيكاغو أن الاكتشافات الطبية ستزيد من عمر الإنسان ست سنوات من اليوم حتى العام 2050. أضاف: «بشارة خير، لكن الخلود ليس في الوارد».
ظللت على هذه الحيرة، لكن كورزووايل والرسائل الإلكترونية التي ظلت تصلني باستمرار والدعوات المتكررة التي تلقيتها من مجموعة (Ansari x(.. وكل من هؤلاء دفعني لحضور لقاءات تتناول موضوع الموت والخلود، وعلم الشياخة، أي فهم آلية الشيخوخة، وحيث الوزن والقياس ما زالا يؤخذان بعين الاعتبار، في حين أن الحركة الجديدة للخلود تتجه إلى مقاربات مختلفة وفي مقدمها «اعتبار الشيخوخة مشكلة قابلة للحل وليست واقعاً ثابتاً للوجود». والمدهش أن الحركة الجديدة تضم بعض كبار العلماء في مجال الشيخوخة أمثال مارفن مينسكي الاختصاصي في الذكاء الاصطناعي في معهد ماساشوستس للتكنولوجيا، جورج ستوك مدير البرنامج التقني والطبي في جامعة كاليفورنيا في لوس انجلوس، وطبعاً كورزووايل وبعض الجمعيات العلمية شبه المعروفة مثل «الإنسان الأفضل» (BETER HUMANS) و«اللامتناهي» (LES EXTROPINES) وكلهم يعملون على تنظيم محاضرات ونشر مقالات وإجراء حوارات في وسائل الإعلام، بغية إقناع العلماء الاختصاصيين. لكن ذلك لا يعني أن هؤلاء على حق، إنما على العكس، فقد دفعتني لقائي بهم وكتاباتهم وحواراتهم وشكوكهم إلى تساؤل، خصوصاً السؤال: هل من الممكن أن نعيش حياة خالدة؟ والآن السؤال بات ملحّاً يوماً بعد يوم، ورحت ألتقي كورزووايل أكثر فأكثر.
في عمر السابعة والخمسين ذاع صيته بشكل ملحوظ، بخاصة في ما يتعلق بحديثه عن أشياء غريبة الحدوث وعن الخلود، أو على الأقل في ما يتعلق ببعض الأمور التي ليست بعيدة عن أن تتشابه، سألته: كم من الوقت تأمل أن تعيش؟ 150 سنة، 200 سنة، 1000 سنة: أجاب: «قل بأنه لا توجد لدي نية للموت»! وكورزووايل يؤسس يقينه جوهرياً على أساس أن فن الحياة قد وصل إلى طور النمو الدليلي المقارن مع ذاك الذي قاد إلى ثورة تكنولوجيا المعلومات. ويطرح كورزووايل العديد من الأمثلة ويقول: «لقد تطلب مني 15 سنة من الدراسات والأبحاث والتحاليل حتى تمكنا من اكتشاف فيروس السيدا (VIH) وتشريحه ومتابعة تطوره، في حين لم يستغرق اكتشاف فيروس انفلونزا الطيور (SRAS) سوى 31 يوماً...». يضيف: «يمكن تطبيق الإيقاع نفسه، في قطاعات أخرى من التكنولوجيات الحياتية».
وحسب مفاهيم كورزووايل، إذا أخذنا المعارف الحالية وطورناها على أسس دليلية، فإن التطويل الجذري للحياة لا يصبح فقط ممكناً بل محتماً.
وجوهرياً، ترتكز الفكرة على استخدام كل ما هو جاهز اليوم لإطالة حياتنا، علماً أنه في الوقت الذي نستخدم هذه النظريات تشهد التقنيات تقدماً، بحيث يمكننا دائماً استئناف العمل ثانية، وصولاً إلى تقنية استمرار الحياة أي تطويل عمر الإنسان إلى ما لا نهاية!


جسور إلى الخلود!


بالنسبة لكورزووايل وشريكه في ورشة البحث والتحليل تيري غروسمان، الاختصاصي في طب التغذية وأيضاً في الطب التعاقبي، ترتكز هذه الاستراتيجية

إلى تشييد جسر من أجل بلوغ جسر آخر، هناك ثلاثة جسور للوصول إلى الحياة الأبدية:
الأول، ركّز منها على العلاجات والمعارف الحالية لحفظ الشكل الخارجي. كورزووايل أعلن صراحة وبفخر بالغ أنه يتناول 250 متمماً غذائياً في اليوم، من بينها حمض الأنسجة الشحمية (ALPHA LIPOIQUE) المستخرج من خلاصة بزار الكرمة والخل الطبي المكرر (N-ACETYLCYSTEINE(... وكلها تساعد على حماية الصحة الفيزيائية، فضلاً عن العديد من المواد التي من شأنها دعم الصحة العقلية، كما أنه يحقن نفسه عبر الوريد وكل أسبوع مرة بمادة يقول عنها أنها تجدد شباب غلاف خلايا كل أنسجة الجسم، ويتجنب تناول أو شرب كل ما من شأنه أن يؤذي الصحة على الصعيدين الجسدي والعقلي مثل القهوة ومشتقاتها». وباتباع هذا النظام، أكد كورزووايل، وبالعبور من جسر إلى آخر يمكن الاحتفاظ بنشاط وذهن شاب في الأربعين من عمره.
الثاني، أو المرحلة الثانية، تفترض تثبيت فعاليات تقنيات طبية تستمر تحت الاختبار، مثل الاختبارات القائمة لاكتشاف سر موت الجينات. أما المرحلة الثالثة بالنسبة إلى كورزووايل، فتعتمد على جيش من «الروبوتات» لا ترى بالعين المجردة (جزء من مليار) من ... ويرمز إليه بحرف (N) تعمل على آلية التغذية والهضم وبحيث تتحول الغذائيات مباشرة إلى كل عضو وكل نسيج. ويستشهد على هذا الصعيد بالروبوط الصيني الذي لا يزيد حجمه عن ثلاث ميليميترات الذي تم تطويره في أكاديمية العلوم الصينية، وأدى إلى تنظيم إدارة الأدوية والغذاء في الجسم، وبالتالي تجديد الأنسجة التي تعتبر الجزء الأهم في درء الأمراض والشيخوخة.
محاربة الكأس المرّ
لا بدّ أن أوبري دوغراي، وبعد كل هذه اللقاءات والحوارات مع زميله كورزووايل، اندفع هو الآخر باتجاه البحث عن الخلود - الحياة الدائمة - ومحاربة «الكأس المر» المستمر حتى اليوم عدو الإنسان الأكثر شراسة وألماً، فكان أن امتلك هو الآخر مشروعه لحل لغز الموت أسماه «استراتيجية من أجل شيخوخة مخففد وغير ملحوظة»
)STRATEGIES POUR LA CREATION D’UN SENESCENCE NEGLIGEABLE) وهو اليوم الناطق المثير للجدل لدى العديد من علماء الأحياء والشيخوخة، وحيث يبدو بوجهه الطويل ولحيته الكثة تملأ وجهه أشبه بـ«راسبوتين»، إنما وعلى الرغم من هذه الطلة التي لا توحي سوى بإنسان تخلى عن كل مظاهر الحياة ليعيش على الطبيعة وسط أبحاثه وكتبه ومؤلفاته.. بالرغم من كل ذلك، لم يكن هناك أي مانع يحول دون جذبه بعض العلماء الكبار والبحاثة في علوم البيولوجيا التناسلية والبحث في آلية الخلايا الضعيفة، عنوان محاضرة أولى ألقاها في مؤتمر دعت إليه جامعة «كمبريدج» في أيلول/ سبتمبر 2003.
ودوغراي يدرك جيداً أنه أمام مهمة صعبة إن لم تكن شبه مستحيلة، وقد عجز عن إدراكها وتحقيقها علماء كثر سبقوه على طرقات ودهاليز البحث عن ديمومة الحياة. وكشف في هذا المجال عن «العديد من الزملاء البيولوجيين الذين يقرون بأن الشيخوخة ليست مرحلة محببة»، لكنهم مقتنعون في المقابل، أنه «يصعب معالجة هذه القضية في المدى المنظور، وبالتالي لا شيء يمكن الإقدام عليه في هذا الاتجاه»، يضيف: «إنهم على خطأ. ذلك أنه لو تمكنت من العيش 110 سنوات، فهذا يعني أن لديّ حظاً بنسبة 50 في المئة للعيش ألف عام، وربما أكثر».

كاسترو قاهر الشيخوخة والمرض


فيديل كاسترو وطبيبه المفضل والمقرب أوجينيو سلمان - حسين بادرا في العام 2003 الى تأسيس ما اسموه «نادي الناس فوق الـ120 سنة» الذي ضم في حينه خمسة آلاف شخصية من 36 دولة. والهدف حسب أوجينيو «مساعدة أعضائه لتمضية شيخوخة جميلة بلا أمراض وأوجاع». وكشفت يومية «البايس» (ELPAIS) الإسبانية برغم أن الرئيس الكوبي كاسترو (81 سنة) ليس عضواً في النادي، لكنه يتبع بدقه متناهية النظام الغذائي والصحي الذي اعتمده النادي وبذلك حسب الدكتور أوجينيو، يمكن للرئيس الكوبي أن يعيش حتى عمر 120 سنة.

 


 


جسم الإنسان ليس آلة


كأخصائي في علم التكوين، بدأ دوغراي يكترث بعلم الشياخة بعدما التقى الباحثة البيولوجية ادلايد التي أصبحت زوجته، ومن حينها التهم كل ما كتب ونشر حول سؤاله الكبير: كيف نحقق شيخوخة مخففة وغير ملحوظة، والتي من أجلها وضع استراتيجيته القادرة على وقف أو قلب التطورات السبعة للشيخوخة كما أحصاها (راجع الجدول) وموضحاً «ما أفعله هو توضيح العلاقات التي لا يراها الآخرون.
إن غالبية الاختصاصيين في علم الشيخوخة الكلاسيكيين لا يبدون حماساً ملفتاً لأقرانهم الجدد»، وفي هذا المجال رأى عالم الوراثة الفنلندي هاوار جاكوبز أن «الأبحاث البيولوجية حول وراثيات الشيخوخة هي في المرحلة التي كانت عليها الدراسات حول السرطان منذ عشرين عاماً». دجاكيوزا يشتغل على تبدلات الحمض النووي الذي يلعب دوراً أساسياً في عمر الإنسان. وقد جاز فريق عمله في العام 2004 على جائزة »ديكارت« القيّمة التي تعطى للعلماء العاملين في أوروبا. وجاءت تصريحات كورزووايل تثير سخطه إلى أقصى حد. ففي اعتقاده أن «المعرفة لا تنقل أبداً بطريقة مباشرة عن طريق تطورات تكنولوجية»، وهو موقف يشاركه الرأي فيه فيليب سيير مدير برنامج الشيخوخة في المعهد الوطني الأميركي ويقول «مشكلة الحصول على وصفات لأجل تطويل جذري للحياة، تستدعي مقدمات كثيرة ومتعددة، ونحن بعيدون عن فهم ومعرفة كيف تتفاعل الأمور في ما بينها».
يبقى أن من يؤمنون بـ«الخلود» جسدياً لا ينقصهم الدعم أبداً. وفي مقدمة هؤلاء عالم الشيخوخة ميشال روزا من جامعة كاليفورنيا، وهو أحد البيولوجيين الذين ارتبطوا ضمناً بمشروع دوغراي، ويرى «أن مفهوم الموت الطبيعي مضحك جداً»، وهو الذي أمضى السنوات الثلاثين الأخيرة في دراسة الشيخوخة لدى ذبابات النحل، معتبراً أنه بفضل دراساته يمكن فهم سبب هرم الخلايا. مضيفاً: «لدي اعتقاد أنه في خلال هذا العصر، سوف يتحول الإنسان من واقع إلى آخر بفعل الأعمال البطيئة والمنهجية التي ننجزها اليوم، وبالتالي فإن علوم جول فيرن لم تعد تجدي نفعاً»!.
وفي المقابل، فإن ما يطرحه دوغراي تشكل مشكلة جوهرية جداً بالنسبة إلى عالم الشيخوخة أولشانسكي الذي يرفض اعتبار الجسم البشري مجرد آلة، وهذا الاعتقاد خطأ كبير. لذا، فإنه يرى أن غالبية التجارب في مجال الشيخوخة قد طبقت على الكائنات الحية الصغيرة مثل الديدان والذباب، ونحن نجهل الأثر النفسي الذي قد يحدث في حال التغير الهام في زيادة معدل الحياة البشرية. وعلى العموم، يحدد الناس أعمارهم بين 70 و80 سنة ويبنون حياتهم لهذه الفترة. لكن ماذا يفعلون إذا كان لهم أن يعيشوا 300 سنة على سبيل المثال؟ وحسب أولشانسكي «لا يمكننا الطلب من ذبابة أن تخبرنا بماذا تفكر»؟


 



البير خوري

 

الغلاف

Image