دانيال بايبس في الدنمارك طباعة ارسال لصديق
الرأي الاخر   

عوامل داخلية لـ «الإسلاموفوبيا» في الدنمارك،
لكن العامل الصهيوني هو الأهم


Imageماذا يجري في الدنمارك، تلك الدولة الإسكندنافية التي كانت تفاخر قبل جيل واحد بأنها من أكثر دول العالم عدالة وتسامحاً؟
لا أحد ينفي وجود عوامل داخلية عدة وراء تصاعد ما يسمى «الإسلاموفوبيا» (الخوف والعداء للإسلام) في الدنمارك. بينها:
- هزيمة مشروع الحزب الديمقراطي الاشتراكي الذي استند منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى فكرة «الرأسمالية ذات الوجه الإنساني»، والذي شملت إنسانياته نسبياً المهاجرين المسلمين. هذا المشروع انتهى في الثمانينيات وحلّ مكانه رفع القيود عن السلوكيات الرأسمالية وتفكيك «دولة الرفاه». وهذا سحب نفسه سريعاً على أوضاع الجالية الإسلامية.

- تغيّر الطبيعة الديموغرافية للمهاجرين المسلمين، جنباً إلى جنب مع تبدّل طبيعة الرأسمالية الدنماركية. فالدفق الأول من المهاجرين في أواخر الستينيات والسبعينيات تشكّل من العمال الآتين من تركيا وباكستان والمغرب ويوغوسلافيا تلبية لطلب سوق العمل المحلي. لكن، مع انتهاء «العصر الذهبي» للازدهار الرأسمالي في أوائل الثمانينيات ودخول المرأة الدنماركية بكثافة إلى سوق العمل، انتفت الحاجة إلى العمالة المهاجرة. وبالتالي، حين حدثت موجات الهجرة اللاحقة من العالم الإسلامي إلى البلاد بدافع اللجوء السياسي، بات هؤلاء عبئاً لا رصيداً احتياطياً، وانطلقت حينها الحملات التي تحذّر من «أسلمة» البلاد. هذا برغم أن الجالية الإسلامية لا يتجاوز عددها 270 ألفاً من أصل نحو 6 ملايين دنماركي.
- وأخيراً، تراجع سيطرة اليسار الإنساني على السياسات الدنماركية لصالح الأحزاب اليمينية التي تدعمها تيارات عنصرية (كحزب الشعب) تخوض معاركها بالدرجة الأولى استناداً إلى مفهوم حروب الحضارات.
ثمة، إذاً، معطيات محلية تحتضن ظاهرة «الإسلاموفوبيا» في الدنمارك. لكن هذه وحدها لا تكفي لتفسير تحوّل هذه الدولة الصغيرة إلى «قوة كبرى» في حروب الحضارات، من خلال خوض المعارك الإعلامية الاستفزارية مع 1.5 مليار مسلم عبر الرسوم الكاركاتورية المتكررة ضد النبي، والاشتراك بنشاط في حروب العراق وأفغانستان، والتنسيق الكامل مع واشنطن في ما يتعلّق ببرامج مكافحة الإرهاب.
التفسير الأكثر إقناعاً يكمن في التفاصيل. فصحيفة «جيلاندز بوستن» التي نشرت الكاريكاتورات المسيئة الـ 12 كانت موالية للنازية خلال الحرب العالمية الثانية، ثم انتقلت إلى معاداة الاشتراكية، وبعدها باتت صوت إسرائيل وأميركا في البلاد ومن أشد دعاة الحروب ضد العالم الإسلامي. هذا بالإضافة إلى أن رئيس تحريرها فليمنغ روز يقيم علاقة وثيقة للغاية مع دانيال بايبس، مدير منتدى الشرق الأوسط الناطق باسم
الصهيونيين والمحافظين الجدد الأميركيين.
صدفة؟
ربما. لكن حينها يجب أن نتحدث أيضاً عن «صدف» في قرارات الحكومة الدنماركية التي رفضت تكراراً مناشدات مصر وتركيا وإندونيسيا وغيرهما لها لوقف حملات إعلامية ضد الإسلام يفترض بأنها تحدث بلا مبرر؛ وعن صدف أخرى في تسهيل استخدام «السي. آي. أيه» لأجواء الدنمارك وأراضيها لنقل المساجين المسلمين، وعن صدف ثالثة في تزايد مشاركة كوبنهاغن في حروب بوش الشرق أوسطية.
المراقبون لا يعتقد أبداً أن هذه كلها صدف. لا بل هم واثقون بأن الحركة الصهيونية في كل من أميركا وبريطانيا وإسرائيل تعمل على تحويل الدنمارك إلى نموذج يجب أن يحتذى في كل أوروبا حيال «مشروع» صدام الحضارات مع الإسلام.
إلى أي درجة هم واثقون؟
إلى حد القول بأنهم من الآن فصاعداً سيفكرون مرتين وثلاثاً قبل أن يزوروا الدنمارك، أو حتى أي دولة أوروبية أخرى!

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image