«سؤال انفعالي» طباعة ارسال لصديق
العدد 24 -ايلول 2008 - حدث غدا

رأي مغاير

 

Imageلماذا يدفع العرب الأثمان الباهظة، في كل حين يقرر فيه طرف دولي فاعل تغيير سياساته الخارجية؟
سنحاول الإجابة بعد قليل. قبل ذلك، نستعرض معاً بعض جوانب هذه الظاهرة الغريبة، ولنبدأ مع الرئيس الفرنسي نيقولاي ساركوزي.
منذ بدء حملته الانتخابية، كان واضحاً أن ساركوزي ينوي إدخال تغييرات عميقة على التوجهات الاستراتيجية التي أرسى دعائمها الجنرال ديغول منذ العام 1958. بيد أن أحداً لم يتوقّع أن تكون هذه التغييرات جذرية وانقلابية إلى هذه الدرجة في الشرق الأوسط، ففي غضون سنة واحدة، كان ساركوزي ينسف كل/أو معظم ركائز السياسة العربية لفرنسا ويحوّلها إلى سياسة إسرائيلية، تماماً كما كانت في أواسط خمسينيات القرن العشرين حين كان «الحلف المقدس» الفرنسي- الإسرائيلي يمتد من الجزائر إلى قناة السويس، مروراً بلبنان وسوريا.

هذا الانقلاب ترافق مع سلسلة تحوّلات صبّت في غير خانة المصالح العربية، فمشروع «الاتحاد من أجل المتوسط» لا يمكن أن تقوم له قائمة إلا على رفاة القومية العربية التي تعتبرها إسرائيل ومعها المحافظون الجدد الأميركيون عدوّهم الألد في الشرق الأوسط. وانحياز الرئيس الفرنسي للسياسات الأميركية في أفغانستان والعراق وضد إيران، أفقد العرب ورقة توازن دولية مهمة. إضافة، قرار ساركوزي بالعودة إلى هيئة أركان حلف الأطلسي واستراتيجيته الجديدة لتحويل الجيش الفرنسي إلى قوة تدخل في «قوس الأزمات الإسلامي»، دقّا (أو يجب أن يدقا) أجراس الإنذار.
قبل ساركوزي بعشرين عاماً كان ميخائيل غورباتشوف، آخر زعيم سوفياتي، يقوم بشقلبة كبرى أخرى في السياسة الخارجية كانت لها تأثيرات عميقة هي الأخرى على العرب، فهي سمحت للولايات المتحدة بالتدخل العسكري المباشر في الدول العربية، من دون أن تخشى رد فعل سوفياتي للمرة الأولى منذ الإنزال العسكري في لبنان سنة 1958. وهي أطلقت موجة هجرة يهودية كاسحة إلى إسرائيل وصلت إلى نحو مليون مهاجر خلال سنوات قليلة. ثم إنها أخلّت كلياً بموازين القوى في الشرق الأوسط لمصلحة التحالف الأميركي - الإسرائيلي.
وفي الآونة الأخيرة، برز تطوران مماثلان في الهند وأميركا، ففي الأولى، أدت التغييرات التي أدخلها حزب المؤتمر على سياسة الهند الخارجية خلال السنوات الثلاث الأخيرة، ولاسيما مع الولايات المتحدة، إلى بروز ما يمكن أن يكون نواة تحالف، أو على الأقل تعاوناً استراتيجياً بين نيودلهي وتل أبيب للمرة الأولى منذ استقلال الهند العام 1947. وفي أميركا، أدى صعود باراك أوباما السريع في منافسات الانتخابات الأميركية إلى تحوّلات عميقة في توجهاته، قذفت به مباشرة إلى الحضن الإسرائيلي الكامل.
نعود الآن إلى «سؤالنا الإنفعالي»: ما تفسير هذه الظاهرة الغريبة؟
العولمة تبدو على رأس الأسباب المحتملة. والسيناريو هنا يسير على النحو الآتي: العولمة، بقيادة الرأسمالية الأميركية، اكتسحت كل العالم عقب انهيار الاشتراكية. وبما أن الرأسمال اليهودي، ومعه اللوبي اليهودي القوي للغاية في الولايات المتحدة، يسيطران على العديد من مفاصل السلطة العالمية المالية والمصرفية والإعلامية ، بات كل طرف دولي يبحث عن موقع تحت شمس النظام العالمي الجديد، مضطراً للعبور في ممر إجباري اسمه «أسرلة» (من إسرائيل) سياسته الخارجية.
الآن، إذا ما كان هذا التحليل صحيحاً (والأرجح أنه صحيح)، ماذا في وسع العرب أن يفعلوا؟
ليس الكثير، فعليهم أن ينتظروا تبلور نظام عالمي تعددي القطبية، يكون أكثر توازناً وإنصافاً لهم. وفي هذه الأثناء، يفعل العرب خيراً إذا ما عملوا على حصر الخسائر. كيف؟.
على الأقل، عبر عدم التصفيق للقوى الدولية وهي تقوم بقلب الطاولة فوق رؤوسهم!

سعد محيو
 

 

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image