|
الاتحاد من أجل المتوسط ظنه البعض فكرة انتخابية، ورآه البعض مناورة لاستبعاد تركيا من الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. واعتبره قوم مؤامرة للتطبيع بين العرب وإسرائيل، وظنه آخرون، عودة للدبلوماسية الفرنسية إلى المشرق العربي.. والحقيقة أن «الاتحاد من أجل المتوسط»، هو كل ذلك، إنما ليس ذلك وحسب، فهو تتويج حقبة من التبعية إثر إزالة الاستعمار، ونهاية حقبة أولى في مسار برشلونة، وطدت لعودة الاستعمار محمولاً على أكتاف ساسة عرب.  قبل ظهور الفكرة إلى العلن بعامين، جمع هنري غينو، وهو الأب الروحي لمشروع «وحدة المتوسط» -كما أطلق عليه اسماً في البداية - رهطاً من الخبراء الناشطين في ترويج السياسات وقال: «في الربع الثاني من القرن الحالي، ستكون أوروبا الموحدة، كما هي عليه حال سويسرا اليوم: غنية، نظيفة، لكنها شائخة لا تقوى على البقاء، في عالم التحولات الكبرى والتجمعات الإقليمية الفتية الصاعدة؛ لذا ليس أمامنا غير التمدد باتجاه جنوب المتوسط، وقد فعلناها سابقاً عدة مرات، ولولا ذلك لما ولدت أوروبا الحالية، فالحضارة الأوروبية هي ثمرة ذاك التمدد».
لم يقل غينو بالتمدد باتجاه الأطلسي، أو باتجاه روسيا، وهي أوروبية، إنما قال بالتمدّد، حيث يمكن احتلال الفراغ العربي، فهي مرحلة لحصاد عمر من زرع الخراب، وعليها أن تحتل الفراغ، قبل أن تسبقها قوى إقليمية قريبة أو بعيدة، يمكنها محاصرة أوروبا العجوز. لكن أوروبا الموحدة، كما هو حال القوى الإقليمية القريبة والبعيدة، لا تخشى إنشاء تجمع إقليمي عربي في الأفق المنظور، فهي تعرف حق المعرفة طموحات الساسة العرب، وتعرف نخبهم الاقتصادية والاجتماعية، من كثب، فمعظم أعمالهم تمر في أوروبا. فضلاً عن ذلك، نجحت الحكومات الأوروبية، في سياق الاستراتيجيات الإمبراطورية والأميركية، بتخريب الوعاء الضروري لإنشاء أي شكل من أشكال التجمع الإقليمي الجدي، على الضفة الجنوبية للمتوسط، بمعزل عن درّة العقد إسرائيل. وفي أي حال، فإن الطبقة السياسية العربية، لا يرتقي تفكيرها، إلى مستوى التفكير ببناء تجمّع إقليمي جدي، لسبب بسيط هو أن هذا البناء يفترض تحمل المسؤولية العالية المتعلقة بمصير كل دولة في التحولات التاريخية الكبرى، وبالتالي التخلّي طوعاً عن شيء من سيادتها الهشّة، لمصلحة السيادة المشتركة والمنفعة المتبادلة، وهو أمر يبدأ بتخفيض حجم التبعية لأوروبا وأميركا، واستعادة سيادة الدولة والتخلص من هيمنة «المجتمع الدولي» ومؤسساته الجائرة. استعمار معلن ومشكور قبل الاتفاق على صيغة «الاتحاد من أجل المتوسط»، حاول غينو - ساركوزي تقليد مارلو - ديغول، الذي استند إلى «الامتدادات الفرنسية»، للتوازن مع ألمانيا في «امتداداتها الأوروبية»، لكن ألمانيا أصرت على الزحف المشترك باتجاه الجنوب، بسبب المتغيرات بين حقبة إزالة الاستعمار وحقبة عودة الاستعمار إلى الجنوب، وهو أمر كرّسه «مسار برشلونة». وهكذا ولد «الاتحاد من أجل المتوسط»، شكلياً بين 43 دولة، لكنه عملياً، صيغة زحف أوروبي مشترك، على شعوب الجنوب بالتواطؤ مع حكام من العرب، يغني كل منهم على ليلاه. وهو بخلاف البناء الأوروبي المشترك، في تبادل المنفعة والمصالح، عبر السيادة المشتركة، يُعلن الاستعمار صراحة، ويبجّل «فضائله» التي أودت بحياة 70 مليون ضحية، فضلاً عن الجرائم الأخرى، حسب دراسة أوليفية لوكور غران مازون (1).
 هنري غينو.. الأب الروحي لمشروع "وحدة المتوسط" كان ساركوزي لم يزل مرشحاً للرئاسة عندما أوضح في طولون 7 شباط/فبراير 2007، إن ما سماه الحلم الأوروبي، في المتوسط، عاد إلى «سياسة الحضارات» في أثناء الحملات الصليبية، و«الجمهوريات التجارية» في أثناء المرحلة الاستعمارية، واستلهم مفاصل تاريخ «الحضارة البيضاء» بقوله: «لا يقوم الحلم الأوروبي إلاّ باستعادة الحلم المتوسطي. ذلك الحلم الذي دفع بفرسان الفرنجة نحو الشرق، ودفع فيما بعد، بونابرت إلى فتح مصر ودفع من ثم نابوليون الثالث باتجاه الجزائر وليوناي إلى المغرب. هذا الحلم كان حضارياً.. ولابد أن نستكمله اليوم». وقد بدأ باستكماله. لم يكذب ساركوزي، ولم يوارِ كما كان أسلافه، قال الخطاب نفسه في السنغال حول إطناب العبودية، ثم قاله في الجزائر والمغرب وتونس وفي مصر ودول الخليج. وهدّد بأنه لن يصافح زعيماً عربياً ما لم يضع يده في يد إسرائيل، وقطف ثمرة أتعابه عقوداً جزائية، بلغت حتى الآن حوالي 250 مليار دولار من بيع حديد السلاح والطائرات والمحطات النووية وكذلك «استثمارات» في النفط والغاز. لكنه تسامح مع حكام العرب الذين لم يجهروا بفضائل استعمار الجزائر في محفظة «خلاف الرأي». وشتّان بين هذا «الخلاف» مع العرب، و«خلاف الرأي» مع إسرائيل، حول نصائحه بتفكيك المستوطنات وإقامة الدولة الفلسطينية. فهذه النصائح لمجرّد ذرّ الرماد في العيون، ليس لها آليات للتطبيق، وقد تلقفها ساسة العرب، لأنهم لم يفهموا معنى الخطاب الأسطوري في الكنيست عن «المعجزة اليهودية» وظنّوه «فلسفة» معتادة بشأن ضمان أوروبا «للأمن الإسرائيلي». والحال أن هذه «الفلسفة»، بدأت بقرار من البرلمان الأوروبي - حيث المنبر الأوروبي الوحيد غير المطوّع كفاية بالايديولوجية الصهيونية - بكفالة «الأمن لإسرائيل»، وهي كفالة تتجاوز ما درجت عليه أوروبا بعد حرب 67 من «توازن»، ولا يتعلق الأمر «بالتهديد الإيراني النووي» وحسب، إنما يعني تحمّل أوروبا أعباء كل ما تدرجه إسرائيل في تطلعاتها «الأمنية»، من الأطلسي إلى القوقاز. يشمل هذا «الأمن» الجغرافيا والديموغرافيا والتفوّق العسكري والاقتصادي والطاقة والمياه... وأيضاً إعادة قراءة التاريخ الاستعماري، و«المعجزة اليهودية»، شاكراً وخفوراً، وقد عبّر دافيد ماتينيون، الناطق الرسمي باسم قصر الإليزيه، عن هذا التحوّل، بقوله أمام اللوبي اليهودي الفرنسي: «لقد عادت العلاقات مع إسرائيل إلى طبيعتها قبل حرب 67». ويعلّق آلان غريش على ذلك بالقول: إنها عادت إلى العام 56 وقت غزو قناة السويس، إبان الاستعمار. في البدء كان «مسار برشلونة» في خضم التحولات الإمبراطورية – النيوليبرالية، إلى «النظام العالمي الجديد»، عقد الاتحاد الأوروبي المؤتمر الأورو-متوسطي في برشلونة بتاريخ 27-28 تشرين الثاني/نوفمبر 1995، وظن العرب أن هذه الشراكة مكافأة لهم على المشاركة بالحرب على العراق، ولاسيما أن العبارات والديباجة في اتفاقيات الشراكة تسيل اللعاب «بالأمن والاستقرار والسلام» و«بالازدهار الاقتصادي والتنمية». وعلى العكس مما أشاعه الاتحاد الأوروبي، ومن خلفه المثقفون العرب، عن «فشل هذه الشراكة بتحقيق أهدافها»، فإنها حققت تبعية كل بلد عربي إلى الاتحاد الأوروبي، فالشراكة بين الفيل والنملة، على أساس التنافس، لا تؤول إلى مصير آخر. الاتحاد الأوروبي يتألف من 27 دولة، لكنه اتحاد له سيادة مشتركة هي المفوّضية الأوروبية، التي ترسم السياسات وتقر الاستراتيجيات، وتضع آليات تنفيذ. وقد فاوضت كل بلد عربي منفرداً، في اتفاقية الشراكة، وأدارت سياسته الاقتصادية - الاجتماعية، وبالتالي سياسته الداخلية والخارجية. أقنعت ساسته بشراكتهم في العمولات التجارية، جراء بيع القطاع العام، وفتح الأسواق، و«جذب الاستثمار»... فتسابقوا في ما بينهم، مخافة أن يحظى أحدهم دون الآخرين «بالتنمية» و«الانخراط بالعولمة». ولم تفاوض إسرائيل على مثل هذه الشراكة، إنما فاوضت على تبادل الإنتاج مع الاتحاد الأوروبي، وعلى امتيازات سياسية، فهي لم تدخل إلى مدريد، ثم برشلونة، قبل أن تحظى بكامل حقوق الدولة العضو في الاتحاد الأوروبي، من دون أي التزامات على الدولة العضو (ولاسيما حقوق الإنسان). ولم تدخل إلى مؤتمر الاتحاد من أجل المتوسط، قبل إقرار البرلمان الأوروبي «كفالة أمن إسرائيل». وقد قَبل الاتحاد الأوروبي منح إسرائيل «حق الاستثناء»، لأسباب ايديولوجية وتاريخية، ولأسباب سياسية واستراتيجية أيضاً، فإسرائيل تؤمّن مصالح الاتحاد الأوروبي في البلدان العربية، عبر إرهاب الساسة العرب، وإقناعهم «بفضائل الاستعمار»، فضلاً عن «السلام والازدهار»، وفي تسليم الأسواق العربية، والأرض، والطاقة والمياه، إلى الشركات الأوروبية. أفلح الاتحاد الأوروبي، خلال عقدٍ من «مسار برشلونة»، بربط كل بلد عربي منفرداً، بالسياسات الأوروبية المتداخلة مع الإمبراطورية الأميركية، وأفلح بنشر ثقافة «السلام، والاعتدال، والأمن» وكذلك «حرية التجارة، والاستثمار الأجنبي».. فنجح باستعادة الأراضي الزراعية، التي تركها المستعمرون بعد الاستقلال، ووطّد التبعية الغذائية، وانهيار الأرياف والمدن، وعمل على «تشجيع الاستثمار» في الأراضي المروية، لتأمين غذاء أوروبا من الفاكهة والخضروات الطازجة، كما كان حالها أيام الاستعمار، فالدول العربية تصدّر إلى الاتحاد الأوروبي، أكثر من نصف منتوجاتها الزراعية الخام المشبعة بالمياه، لكنها تستورد أكثر من ثلث وارداتها الغذائية المصنّعة عالية القيمة المضافة، فضلاً عن الحبوب، ولاسيما القمح والشعير. وفي هذا السياق أفلح الاتحاد الأوروبي بوضع يد شراكاته على القطاع العام، ولاسيما الاتصالات والكهرباء وقريباً المياه، وعلى الخدمات الاجتماعية الأخرى كالصحة والتعليم والتأمين. وفي المقابل أفلحت الشراكة مع إسرائيل بدخول الاقتصاد الإسرائيلي إلى القطاعات العربية عبر أوروبا، وأفلحت بتكريس «حق الاستثناء الإسرائيلي» في الاتحاد الأوروبي، فإسرائيل تستورد 40 في المئة من وارداتها من الاتحاد الأوروبي، وتصدّر إليه 30 في المئة من صادراتها، ولكنها تستورد صناعات وتقنيات، وتصدّر صناعات وتقنيات، شأنها شأن أي بلد عضو في الاتحاد الاوروبي شريك في عملية الإنتاج وإعادة الإنتاج، فقد أتاحت لها الشراكة الاندماج في العملية الإنتاجية المشتركة، وفي التسويق المشترك، ونقل التقنيات والأبحاث العلمية، والتراكم من القيمة المضافة، فبلغ حجم التبادل التجاري بينها وبين الاتحاد الأوروبي حوالي 30 مليار دولار العام 2005، وهو تبادل اقتصادي وليس بيعاً وشراءً. تنمية البؤس والتهميش في أثناء الاحتفال بمرور عقد على «مسار برشلونة»، العام 2005، ظهرت الأرقام والإحصائيات فاقعة، وأعلن الجميع «فشل مسار برشلونة»، لكن خبراء الاتحاد الأوروبي أعادوا الأمر إلى «تعثر عملية السلام». والحال أن «مسار برشلونة»، ليس من شأنه جذب استثمارات إنتاجية، أو خلق فرص عمل، أو توسيع التبادل، كما يجري بين الاتحاد الأوروبي والبلدان الصناعية الجديدة في آسيا وأوروبا الشرقية والبرازيل، فساسة هذه البلدان، يديرون عملية التبادل، بشكل أو بآخر من تبادل المنفعة، وقد حافظوا جميعاً على القطاع الخاص المحلي الصغير، ودمجوه في القطاع الخاص العابر للقارات، فالقطاع الخاص الصغير الحرفي والريفي هو الذي يخلق فرص عمل، وهو الكفيل بجذب الاستثمارات للقطاع الخاص، الإنتاجي الكبير.
 ساركوزي في الكنيست.. "الأمن لاسرائيل" أولا! وعلى العكس من هذه الألفبائيات الاقتصادية، اشترك الساسة العرب مع الاتحاد الأوروبي في القضاء على القطاع الخاص الصغير، في الأرياف والمدن. ذلك أن ما سمي «استثمارات» و»تشجيع القطاع الخاص»، ليس سوى عملية نهب مشتركة للثروة العامة في الأرض والريع والتجارة الفاسدة، ووضع اليد على المرافق العامة، مقابل شراكة الطبقة السياسية في «الأعمال». وقد وظّف الاتحاد الأوروبي، في هذه العملية، واحداً في المئة من استثماراته الخارجية، ففي مقابل يورو، في هذه العملية، يوظف الاتحاد الأوروبي، تسعة يورو في البلدان اليوغسلافية السابقة وحدها. ولا تبلغ تجارته مع البلدان العربية أكثر من 5 في المئة من تجارته الخارجية، وقد أدّت الشراكة الأوروبية – العربية خلال عقد إلى زيادة البطالة الفعلية إلى حوالي 30 في المئة وإلى زيادة البؤس والجوع إلى حوالي 10 في المئة خلال السنتين الأخيرتين. لكن الاتحاد من أجل المتوسط يطمح بالمزيد. يسعى الاتحاد الأوروبي، إلى استعادة أموال النفط، عبر مشاريع «استراتيجية»، في الطاقة النووية، وتحلية مياه البحر والاستيلاء على المياه، وعبر بيع حديد السلاح، وعبر مشاريع نهب أخرى، يعبّر عنها بكلمات «أخلاقية» مثل البيئة، وحوار الحضارات وغيرها. ولا ريب أن الاتحاد الأوروبي يضمن مشاركة الساسة العرب، فهم يحملون على أكتافهم عودة الاستعمار، مقابل شراكتهم في «الأعمال والمشاريع». والطرفان ينتظران انتفاضات الجوع، لكنهما يستعدان «لمكافحة الإرهاب». والحقيقة أن ساركوزي يُجهر بما يضمره الساسة العرب حول «فضائل الاستعمار». ومن حال الدنيا أن قافلة الجمال تجرّها دابة صغيرة. (1) أوليفية لوكور غران ميزون على خطى حرب الدولة الاستعمارية، استعمار وإبادة. منشورات فايار، باريس،2005 . قاسم عز الدين |