الشرق أوسطية.. حلم لا يتحقق طباعة ارسال لصديق
العدد 24 -ايلول 2008 - الملف: هل طرد العرب من التاريخ؟
جميل مطر   

تمدد الشرق وانكماش الغرب

 

يعتنق الفكر الاستراتيجي الغربي في نظرته إلى الشرق الأوسط مبدأ لم يحد عنه إلا نادراً. يعتقدون في الغرب، أكاديميون وعسكريون، أن استقرار الشرق الأوسط يعتمد على وجود قوة إقليمية كبرى حليفة للغرب تهيمن بدرجة كبيرة أو معتدلة على المنطقة الممتدة في غالب الأوقات من باكستان شرقاً إلى المملكة المغربية وموريتانيا غرباً، وفي حال لم توجد هذه القوة الإقليمية فسيكون الوضع الأمثل إقامة حلف غربي يضم في عضويته دولاً إقليمية ودولاً عربية، أو عقد سلسلة تحالفات ثنائية.

 

Imageوتسود بين بعض الأكاديميين الغربيين وكثير من الأكاديميين العرب فكرة أن الغرب لم يعتنق هذا المبدأ إلا في أعقاب الحرب العالمية الثانية، إما لبروز نظام القطبية الثنائية على المستوى الدولي أو لانتقال القوة الدولية من مراكز الاستعمار التقليدي ممثلاً في بريطانيا وفرنسا إلى الولايات المتحدة باعتبارها الوريث الشرعي والأقوى للنظام الاستعماري.

وبرغم أن هذه الفكرة بقيت مهيمنة في المجتمع الأكاديمي إلا أن البعض من المحللين - وأنا منهم - وقليلاً جداً من الأكاديميين بدأ منذ فترة غير طويلة يعيد التفكير في كثير من المسلمات والفرضيات المتعلقة بموضوع النظام الشرق أوسطي، ونظن أننا نسير على الطريق الصحيحة حين نفترض أن الدولة العثمانية في مراحلها الأخيرة، أي عندما انطبق عليها - قولاً وفعلاً - مصطلح رجل أوروبا المريض، كانت النموذج التاريخي والاستراتيجي، منطقياً وسياسياً وعقائدياً، لما يمكن أن يسمى فيما بعد نظام إقليمي شرق أوسطي.

Image
نحن نغامر بالاقتناع بهذه الفكرة، فقد حاول الغرب خلال السنين الأخيرة تنفيذ مشاريع شرق أوسطية تختلف في تفاصيلها عن مشروع رجل أوروبا المريض، إلا أننا كلما تعمقنا في مغزى التمسك الغربي بحالة المرض التي حلت بالإمبراطورية العثمانية، وفي كثير من نواحي السلوك الغربي مع عصر محمد علي مثلاً، ومع تجارب عربية وإيرانية وإن محدودة، نكتشف أن النية لم تكن معقودة في أي محاولة جرت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية ليقوم نظام شرق أوسطي بقيادة إقليمية وافرة الصحة مكتملة النفوذ، أو أن يتوفر لهذا المشـروع، أيـاً كان، مقومات نضوجه كافة وبخاصة ليصبح بالفعل نظاماً شرق - أوسطياً مكتملاً وكاملاً.
لا نقول هذا لأن كثيرين فينا أصدروا حكماً مسبقاً على مشروع ساركوزي بالفشل، فعلامات فشله وضعفه وسخافاته أكثر كثيراً من أي مقومات في مضمونه وجوهره بدت واعدة أو سليمة، ولكن لأننا نعتقد أولاً أن ظروفاً وأوضاعاً وخصائص عربية معينة عرقلت، وستستمر في عرقلة تنفيذ خطط إقامة مشاريع شرق أوسطية في المنطقة، ولأننا نعتقد ثانياً أن الغرب نفسه، ممثلاً في أمريكا منفردة أو في أمريكا والاتحاد الأوروبي معاً، غير واثق تماماً من أنه حقاً يريد أن يرى مشروعاً شرق أوسطي ناجحاً في المنطقة، وأنه ربما مازال يفضل وضع النظام الشرق أوسطي المريض كضمانة مؤكدة لاستثماراته ومصالحه التجارية والاستراتيجية في هذه المنطقة.


هويات جامعة


أما الظروف العربية التي عرقلت، وستستمر في عرقلة تنفيذ أي مشروع لإقامة نظام شرق أوسطي، فكثيرة ومعروفة وتجري مناقشتها كثيراً ولكن في سياقات معظمها سياقات سلبية ومتشائمة، أذكر من هذه الظروف أو الخصائص على سبيل المثال فقط ما يأتي:
على عكس الشائع الآن بين الأكاديميين الغربيين وعدد متزايد من الأكاديميين العرب من أن العرب أقوام وأمزجة وعقائد متفرقة، مازلت أعتقد أن للعرب هويات جامعة ولكن مانعة، فالشعور بالانتماء العربي، ولا أقول قومية أو عروبة، مازال وسيبقى هوية جامعة واستطاع أن يعبر عن قوته وعمقه في كل مرة طرح الغرب مشروعاً للشرق الأوسط، وفي كل مرة ازداد إلى حدود غير معتادة نفوذ دولة إقليمية، وإن إسلامية، أو تفاقمت حروب الأهل كما في لبنان والعراق واليمن وفلسطين والسودان والجزائر. هذا الشعور بالانتماء العربي أحبط مشاريع إقامة نظام إقليمي موالٍ للغرب يحل محل النظام الإقليمي العثماني الذي انهار تماماً في أعقاب الحرب العالميـة الأولى، ثم أحبط مشاريع الحلف المركزي وبغداد وكثير غيرها. ولا سبيل أمام الغرب، إن أراد إقامة مشروع إقليمي جديد في المنطقة، إلا تكثيف الحصار على هذا الشعور بالانتماء بهدف إخماده.. وأظن أنه فعل ولم يفلح حتى الآن.
الهوية الجامعة الأخرى في المنطقة، وهى الإسلام أو ثقافة الإسلام، كانت وستظل عائقاً فعلياً.
لقد أعتمد الغرب عليها لإقامة مشروع أو آخر من مشاريعه الإقليمية، قبل أن يكتشف أنها «هوية جامعة بشروط»، فهى لم تكن هوية جامعة حين قرر الغرب استخدامها أداة لخدمة الاستعمار أو مصالحه أو أهدافه ضد العقيدة الإسلامية واضطر إلى استخدامها في سرية وبأساليب استخباراتية وإرهابية عندما أراد منها أن تكون طرفاً في حربه ضد الاتحاد السوفياتي في أفغانستان وضد اليساريين في نيكاراغوا ودول أخرى في أميركا الوسطى وضد سياسات مصر في عهدها «القومي». ومع ذلك تظل «الهوية الإسلامية هوية جامعة إن شعر أهل المنطقة أن عقيدتهم هدف فـي حرب «غربية» معلنة أو غير معلنة باسم الحرب ضد الإرهاب وهو حادث الآن، وإن شعروا أن نظاماً إقليمياً جديداً يجري الإعداد له أحد أهم أهدافه منع المسلمين من الهجرة إلى أوروبا والاستعداد لوضع نظم وإجراءات تسعى إلى فرض العزلة والحصار على مسلمي أوروبا وأميركا والضغط للتدخل في تخطيط مناهج التعليم والإعلام والعمل السياسي في المنطقة بأسرها بهدف تفتيت هذه الهوية الجامعة.


الخوف من الأشقاء


لم يدرك كثير من الباحثين في الغرب بعد، ولا الباحثون العرب أنفسهم، حقيقة أن الطبقات الحاكمة العربية عقبة أساسية في وجه المشاريع الإقليمية كافة، محلية الصنع كانت أم غربية، فالطبقة أو العائلة والقبيلة والشخصية الحاكمة في أي بلد عربي، لن تقبل بنظام إقليمي يفرض عليها التنازل عن حقوق «سيادية» ومصالح خاصة لمصلحة جهة حاكمة عربية أخرى، أو يفرض عليها - على الأقل - الدخول في شراكة مع هذه الجهة في الحقوق والمصالح. لقد قامت جامعة الدول العربية، وصمدت، لا لشيء غير عادي سوى أنها حققت لدول الغرب، كما حققت للطبقات الحاكمة العربية، أمرين: أولهما أنها كانت ومازالت الوسيلة المثلى لتكبيل هوية الانتماء العربي ومنع انفلاتها وإضعاف آثارها. الأمر الثاني أن الجامعة كانت، ومازالت، التجمع الأمثل وربما الأوحد بين كافة المنظمات والتجمعات الدولية والإقليمية الذي يعترف لكل طبقة عربية حاكمة بسيادتها كاملة على رعاياها، ويمنع الطبقات «الشقيقة» من التدخل في شؤونها. تعرف الحكومات العربية أن الانضمام إلى نظام إقليمي آخر سيحرمها من مزايا احتكار السيادة على الشعب والثروات، لأنه قـد يفرض عليهـا التعـاون مع حكومات «شقيقة» ضمن إطار إقليمي آخر غير الإطار العربي ليس الخوف من التعاون مع حكومات أجنبية، إنما الخوف كله هو من التعاون مع الأشقاء.
يؤدي ضعف الأنظمة العربية دوراً هاماً في تعطيل تنفيذ أو نجاح المشاريع الإقليمية، إذ ينعكس هذا الضعف لكل السلوك السياسي العربي المتسم غالباً بعدم الثقة في الذات، أي عدم ثقة الأنظمة الحاكمة في نفسها وقدرتها على الاستمرار في الحكم من دون سلطات استثنائية ومن دون الاطمئنان إلى دعم قائم على اتفاقات ثنائية وليست إقليمية أو جماعية، إذ تخشى هذه الأنظمة أن تفرض عليها الأغلبية من أعضاء نظام إقليمي جديد سياسة خارجية أو نظاماً دفاعياً لا يحقق للعائلة الحاكمة أو النظام القائم ما يراه الآخرون لازماً لأمنه واستقراره. بات واضحاً أن الحكومات العربية تفضل عقد اتفاقات ثنائية عن الانضمام إلى اتفاقات جماعية لا تضمن أن تمارس فيها أساليب التأثير ذات الطابع الحميمي أو الشخصي الذي تعودت عليه، وتضطر إلى الاكتفاء بقدرتها على التأثير المؤسسي من خلال أجهزة النظام الإقليمي فينكشف ضعفها أمام شعوبها وشعوب الإقليم.
يصعب أن نتصور أن تغيرات أو تحولات جذرية سوف تحدث في المستقبل القريب تجعل من الممكن قيام نظام شرق أوسطي فعال ومؤثر. ستبقى المعوقات - وأغلبها عربي - قائمة، وسيبقى الغرب متردداً ومنقسماً حول أفضلية الاتفاقات الجماعية والثنائية لضمان مصالحه وتحقيق أهدافه، وبخاصة أهدافه خلال المرحلة القادمة أي مرحلة «تمدد الشرق وانكماش الغرب».

 


 جميل مطر

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image