تعزيز القُطرية مفتاح هزيمتنا أمام إسرائيل طباعة ارسال لصديق
العدد 24 -ايلول 2008 - المنبر
د. هشام البستاني*   

الأوهام القُطرية لليسار الاجتماعي الأردني (2-2)

 

في الحلقة الأولى قدم الكاتب مقاربةً نقدية لأطروحات اليسار الاجتماعي الأردني رأى فيها أن الإشكالية الكبرى تكمن في الأداة التي اختارتها مجموعة اليسار الاجتماعي للتعبئة. كما رأى أن النظرة القُطرية وجدت طريقها بقوة إلى البيان التأسيسي لليسار الاجتماعي الأردني الذي لم يجد مشكلة في توظيف شخوص تاريخية مناقضة لطروحاته تماماً في جهده الدعائي وفي ما يأتي الجزء الثاني والأخير من الدراسة.

Image 

غاب عن اليسار الاجتماعي الأردني أن التحرر لا يكون في سياق القطر، ويحتاج إلى أسس موضوعية (موارد وناس وثقافة وإمكانيات وعمق استراتيجي..إلخ). لقد صُمم القطر من قِبل الاستعمار، فلا مؤتمر «أم قيس»، ولا المؤتمرات الأكبر والأعظم منه بمرات كثيرة (مؤتمرات دمشق)، استطاعت أن «تفرض» على الاستعمار أي تسويات وحدود، بما في ذلك «حدود» المشروع الصهيوني، فالذي منع امتداد المشروع الصهيوني إلى شرق الأردن في النهاية، كان بريطانيا نفسها لا مؤتمر «أم قيس» ولا أي مؤتمر آخر (13). والقطر صممه الاستعمار ليكون، بنيوياً، تابعاً وملحقاً بالضرورة، معوقاً لناحية الموارد، ولا يملك أي عمق استراتيجي بذاته، وهو غير قادر على إنجاز مشروع تحرري كامل.
سيقولون: «ها هو حزب الله. بضعة آلاف هزموا الجيش الصهيوني ومرغوا كرامته في الأرض». صحيح، ولكن هل يعمل حزب الله بعمق لبناني؟ حزب الله يفهم معنى العمق الاستراتيجي وإدارة الصراعات وأبعادها الإقليمية، لذلك فهو يستند إلى محور سوري - إيراني، ويطرح خطاباً ومقاربات عروبية جعلت من السيد حسن نصر الله رمزاً شبيها بعبد الناصر. نهاية حزب الله ستكون عندما يتقوقع ليصير «لبنانياً» خالصاً كحال قوى 14 آذار التي تريد أن تدفع بـ«اللبننة» إلى الآخر. حينها لا مناص إلا الوقوع في أحضان رُعاة 14 آذار: الوطن/القطر مربَطُه في واشنطن وتل أبيب، لا خيار آخر.
الوطن القطر هو مثل قطاع غزة: في اللحظة التي تصعد فيها قوة لا تعجب الإمبريالية تماماً في واحدة من هذه «الأوطان»، لن يكون من الضروري تحريك الجيوش ولا دفع الجنود لتصفيتها. من مكتبه في واشنطن سيأمر سيد العالم الأميركي بوقف القروض والهبات، ومنع التحويلات المالية، ووقف التصدير، وربما قطع الإمدادات النفطية والغذاء، وينتهي الأمر!!
المعركة مع الإمبريالية والصهيونية في المنطقة العربية هي معركة أممية، قومية في الحد الأدنى. مواجهة الإمبريالية والصهيونية بالمشروع القطري هي المعركة المستحيلة. المعركة الخاسرة سلفاً. وكم ستفرح الإمبريالية بمعركة خاسرة سلفاً، وكم هو عبثي تعبئة الناس والشباب ضد العدو بإعطائهم أسلحة مائية! إن دفع الناس إلى الانتحار الهوياتي والصراع المحسوم سلفا بالخسارة ليس مسألة عابرة. يعرف منظرو اليسار الاجتماعي الأردني ذلك تماماً، برغم خطابهم السياسي الراديكالي على المستوى الداخلي. لنحلل مقاربتهم لحل الصراع العربي الصهيوني.

الاعتراف المتبادل لـ «اللاشرعيات»: هوية وطنية أردنية، هوية وطنية فلسطينية، وقومية يهودية
يقول المنظر الرئيسي لليسار الاجتماعي الأردني: «كثيراً ما عرضت قضية اللاجئين بطريقة ملتبسة، شعاراتية تخجل من واقعيتها المريرة... ولعله حان الوقت لكي نعيد تعريف تلك القضية باعتبارها قضية مواطنين إسرائيليين وفقا للقانون الدولي، ترفض دولة إسرائيل منحهم الجنسية وحقوق المواطنة، وعلى رأسها حق الإقامة في دولتهم (إسرائيل)... «الاعتدال» و«الممانعة» معاً أصبحا الآن من الماضي.. وشعار الدولة المستقلة بلا معنى، بينما شعارات الرفض بلا أفق... إن الاتجاه إلى حل تاريخي للقضية الفلسطينية يقوم على أساس دولة علمانية مزدوجة القومية تقوم على الإخاء العربي - اليهودي، يلغي الأساس السياسي والأخلاقي للعنف المسلح داخل فلسطين» !!!! (14).
إذاً، الصراع العربي الصهيوني هو مسألة فلسطينية فقط، بل هو مجرد قضية مواطنة في الدولة الإسرائيلية. كما يُقرّ هذا المنظّر بأن اليهودية قومية (وهذه هي الخرافة الكبرى المحدِّدة للصهيونية)، وبالتالي فالدولة المقترحة هي دولة ثنائية القومية، قائمة على الإخاء العربي اليهودي (لم يقل الصهيوني - مقراً بذلك باختطاف صهاينة «إسرائيل» لليهودية، ولم يقل إن هؤلاء اليهود الذين يدعونا للتآخي معهم هم ذاتهم الصهاينة الغزاة المستعمرون وليسوا يهوداً ونقطة!)، وهي التي ستلغي العنف المسلح داخل فلسطين (وهو التعبير المفضل لدى الأميركيين والإسرائيليين لوصف العدوان الصهيوني والمقاومة الفلسطينية، كله بقلب بعضه، عنف مسلح من الجهتين متساوي الكم لا فرق فيه بين الجلاد والضحية!!).
ها هو المحتوى التسووي لخطاب اليسار الاجتماعي الراديكالي يطل علينا في وقت أقرب بكثير من المتوقع، فالمقاربة للصراع الأكبر في المنطقة مع المشروع الإمبريالي/الصهيوني تدور حول دولة ثنائية القومية: حل تسووي مثالي مُتخيّل يعترف بالصهيونية بتثبيتها قومية لليهود تمتلك شرعية الاستعمار الاستيطاني تحت بند الدولة/القطر في فلسطين، وهي النتيجة الموضوعية للمقدمات القُطرية! (15).
اليسار، ذو الطبيعة الأممية والمناهضة للشوفينية والقومية المنغلقة، والذي حارب بشراسة النزعات الفاشية وانتصر عليها في أوروبا، يراد له أن يتحول في الأردن على يد اليسار الاجتماعي إلى يسار ينظّر لهوية تقوم على قطريّة صنعها الاستعمار، يسار يجعل من الأردنيين «أمة» أو «هوية سياسية ناجزة» على أقل تقدير، ويجعلهم كنظرائهم «الفرعونيين» في مصر و«الفينيقيين» في لبنان، ليسوا «عرباً» بل «عمونيون ومؤابيون وأدوميون» - متمايزون تاريخيا عن محيطهم، بنفس الطريقة التي تمايز فيها دعاة الإقليمية الفلسطينية عن محيطهم بدعوى «خصوصية الصراع»، مؤججين ذلك التمايز بخرافة تخلي العرب (كل العرب، وليس فقط الأنظمة العربية) عن القضية الفلسطينية، مما جعلهم ينجحون في النهاية (وبالتواطؤ مع الأنظمة إياها) بسلخ هذه القضية عن عمقها العربي ليستطيع «الممثل الشرعي والوحيد» الفلسطيني السير بسرعة لعناق عدوه الإسرائيلي بذريعة أن الآخرين تخلوا عنه ولم يعد لديه أي مكان آخر ليلجأ اليه!
بل إن «الهوية» الفلسطينية تؤدي دوراً رئيسياً في صناعة «الهوية» الأردنية. ففي الأردن، لا يوجد «الأردني» إلا إذا وجد «الفلسطيني»، والعكس، على قاعدة وحدة الأضداد الهيغلية/الماركسية. هذه الضرورة الوجودية نجدها أيضاً في التنظيرات التاريخانية لليسار الاجتماعي. ففي مراجعة نشرت في مجلة الرأي الآخر للسفر الأركيولوجي لهوية الأردن السياسية الموجودة منذ الألف الأول قبل الميلاد (تاريخ الأردن في العصور القديمة لزيدان كفافي) يقول المُراجع:
«لا حيادية التأريخ إزاء الأردن تتمثل، برأي الكاتب، في مجالين اثنين: الأول، إخضاع هذا التأريخ، أو بالأحرى تبديده، لصالح الروايات التوراتية، والثاني، ميل العديد من الباحثين وعلماء الآثار الغربيين إلى تغييب هذا التاريخ واعتباره جزءاً من التاريخ الفلسطيني القديم. وفي خضم هذا التصدي لهذين الانحيازين، يجد المؤلف نفسه منهمكاً بقوة في «التنقيب» عن الهوية الوطنية للأردن.» (16).
لقد تعمد المؤرخ هنا أن يفصل بين التاريخ التوراتي والتاريخ الفلسطيني. فهو يريد (برغم المنطق الذي يَحكم بأن لا تاريخ لفلسطين خارج تاريخ بلاد الشام) أن يقول إن هناك «تاريخاً فلسطينياً» متمايزاً عن تاريخ المنطقة، تماماً كما يقول منظرو الصهيونية إن البقعة الجغرافية المسماة حالياً فلسطين، لها تاريخ منفصل ووجود متميز عما حولها، وهي ليست امتداداً طبيعياً لجغرافيا ومجتمع الإقليم الشامي، وكانت هذه هي المقدمة الأولى لإنشاء «إسرائيل» في فلسطين.
كان يجب اختراع فلسطين منسلخة عن امتدادها العربي الطبيعي بتاريخ منفصل لتقوم «إسرائيل». وبالمقابل فإن ذات التاريخ الفلسطيني المنفصل هو الذي سيُمكن المؤرخ (الذي يصر على الرواية الصهيونية بوجود تاريخ فلسطيني تم الحاق التاريخ الأردني به) من اختراع الأردن أركيولوجياً!!


اليسار الاجتماعي والسلطة السياسية في الأردن: الالتقاء الهوياتي


المتابع للتحولات السياسية في الأردن سيلاحظ تحولاً كبيراً في تعاطي السلطة السياسية في الأردن مع المجتمع. الاستقطاب الكبير المصطنع الذي أقيم على ثنائية «شرق أردني»/«فلسطيني» المصطنعة أصبح في المرحلة الحالية عبئاً لعدة أسباب: إن هذا الاستقطاب لا يتسق واستحقاقات التوطين السياسية؛ ولأن الاستقطابات بين كتل اجتماعية كبيرة نسبياً قد تولد تبعات كبيرة وقد لا يكون من السهل توظيفها أو التحكم بها، ولأن تحالف الأثرياء الكومبرادوريين الجدد القائمين على البرنامج النيولبرالي له مصالح أبعد من أن يخدمها مثل هذا الاستقطاب، بل إن هذا الاستقطاب تحديداً يعطل بعضاً من آليات عمله.
لهذا خرجت السلطة بصيغة «وطنية» جديدة: «كلنا الأردن» و«الأردن أولاً». الأولى (كلنا الأردن) تعنى بتذويب الاستقطاب الكبير المفتَعل في سياق هوية «وطنية» مختَرعة ينضوي الكل تحتها ليصار إلى تفتيتهم بشكل أدنى على قاعدة الجهة والعشيرة والعائلة والمنطقة.. إلخ، وبآلية أثبتت نجاحاً منقطع النظير وهي قانون الصوت الواحد الانتخابي الذي نُسخ بدوره إلى الانتخابات البلدية والجامعات ويراد فرضه على النقابات. والثانية (الأردن أولاً) تعنى بسلخ الأردن عن الوطن العربي وإعلانه وطناً مكتمل العناصر تُقدم مَصالحه على مصالح أعمق ذات أبعاد لها علاقة بالعروبة والمشروع التحرري العربي، أي التبني النهائي للبراغماتية القائلة بأن توازنات القوى الحالية ومصالح الأردن تفرض عليه التحالف استراتيجياً مع الولايات المتحدة و«إسرائيل». (17).
من المعروف أن السلطة السياسية في الأردن لا تملك مثقفين، مثلها مثل مجمل الأنظمة العربية، ولم تتمكن عبر عشرات السنوات التي مضت من إنتاج «خطاب ثقافي يميني» ينظّر لمواقفها السياسية فكرياً. كل ما تملكه السلطة هو مجموعة من الكتاب الصحافيين المكشوفين عموماً للجمهور. لقد جاء اليسار الاجتماعي الأردني بتنظيره حول «الهوية الوطنية وايديولوجيتها» ليسد فراغاً قاتلاً لدى السلطة السياسية، ولا سيما وأن هذا الخطاب يتسق تماماً مع برنامجها في ترويج مفهوم «الثقافة الأردنية» (بدلاً
من «الثقافة العربية») كانعكاس مباشر للـ«هوية الأردنية» وإنتاج لها على حد سواء.
لهذا لن يصعب علينا استيعاب كيف أن اليسار الاجتماعي الأردني الذي يضع نفسه في مقدمة المعركة ضد النيولبرالية، يتفق تماماً مع مقولات أحد أهم دعاتها وهو فهد الفانك، الكاتب الاقتصادي المعروف ورئيس مجلس إدارة الصحيفة «الحكومية» الأولى في الأردن - صحيفة الرأي. يدفع الفانك في مقال عنونه
بـ «الأردنيون يكتشفون ذواتهم» (18). إلى أن هناك «فرصة تاريخية» أمام الأردنيين لكي يحولوا أنظارهم نهائياً من الخارج/الغير (العربي) إلى الداخل/الذات (القُطري)، وهذه الفرصة التاريخية هي بسبب «بروز الوطنية الأردنية» (التي ينظّر لها اليسار الاجتماعي) وضعف المراكز العربية الكبرى (مصر وسوريا والعراق).
إذاً هي فرصة مصطنعة يقر الفانك بـ»انتهازيتها» نظراً إلى كون اللحظة المؤاتية لها هي لحظة ضعف المراكز المؤهلة لقيادة مبادرات عربية. ويخلص الفانك إلى أن شعار «الأردن أولاً» هو «دعوة لبناء قطر عربي أنموذج ليكون وطناً نهائياً بانتظار قيام دولة الوحدة العربية» دون أن يشرح لنا كيف لا تتناقض نظريته في «الوطن القُطري النهائي» (التي يتسق بها مع أطروحات اليسار الاجتماعي) مع الانفتاح على «العالم العربي» و«الوحدة العربية» والمشروع التحرري العربي!!
نفس أطروحة اللاتناقض بين «القطري» و«القومي» و«الأممي» نجدها لدى اليسار الاجتماعي الأردني، في تناقض مع أبسط مفاهيم الديالكتيك التي تقضي بضرورة حسم التناقضات الناتجة عن الصراعات (الفكرية وغيرها) لا الاتجاه إلى اختلاق خطاب تسووي/توفيقي يؤجل حسم الصراعات ويميعها إلى مراحل لاحقة معيقاً بذلك التقدم التاريخي. (19).


تزوير الهوية القطرية وتزوير اليسار: يسار «وحداتي» ويسار «فيصلاوي»!!


المجتمع الذي قسمته السلطة إلى «فلسطينيين» و«شرق أردنيين» (وحدات وفيصلي في ملاعب كرة القدم المحلية) لتحافظ على نفسها في موضع التحكم، يريد اليسار الاجتماعي أن يجعله حالة «موضوعية»، فالسؤال الافتتاحي الكبير الذي استهل به مدراء موقع اليسار الاجتماعي في افتتاحهم لمنتدى الحوارات الحرة بين الشباب (لاحظ: بين الشباب!) كان السؤال الهام التالي: «ما الموقف الواجب اتخاذه اتجاه اليسار الفلسطيني في الأردن؟ والى أي مدى يضيف هذا اليسار إلى اليسار الأردني؟ أم إنه يضعفه؟»)20).
منظرو اليسار الاجتماعي يريدون أن يقسموا اليسار في الأردن إلى يسارين: اليسار الأردني، واليسار الفلسطيني في الأردن. والفكرة التي يريد من صاغ السؤال أن يقدمها مواربةً هي أن اليسار الفلسطيني يُضعف اليسار الأردني، وعليه فإن اليسار الأردني «الاجتماعي» يجب أن يحسم المسائل، وربما عليه أن يخوض معركة تصفية اليسار الفلسطيني، بدلاً من خوض معركة توحيد اليسارين في مواجهة الإمبريالية والصهيونية وأعوانهما المحليين!


خلاصة: لا «شرق أردني» ولا «فلسطيني» – ضرورة النضال المافوق قُطري للانتصار


إن اليسار الاجتماعي في أطروحته القُطرية يريد أن يستغل التخوفات الكبرى التي تتولد عند جمهور كبير من «الشرق - أردنيين» والناتجة عن مشروع التوطين واحتمالات تصفية القضية الفلسطينية في الأردن وإعلان الأردن دولة فلسطينية (الطرح الاستراتيجي لليمين الإسرائيلي والتي من المرجح أن تُقبل أميركياً - تصريحات مستشار ماكين الأخيرة كمثال)، وهي تخوفات حقيقية ومشروعة، لصالح إيجاد تعبئة عامة «شرق - أردنية»، هي بذاتها ستولد استقطابات خطيرة مع جمهور «فلسطيني» (والعكس) بحكم قانون وحدة وصراع الأضداد.
بالمعنى الهوياتي، ضد «الأردني» هو «الفلسطيني» لا «الإسرائيلي»، لأن مسألة تحقق الهوية والكيانية «الأردنية» هي مسألة متعلقة بحسم الهوية والكيانية «الفلسطينية»، ولا علاقة لها بـ«إسرائيل». «إسرائيل» تظهر في الصورة فقط عند هؤلاء القُطريين عندما يراد إقامة «دولة فلسطينية في الأردن» أو «حل القضية الفلسطينية على حساب الأردن» أو «توطين اللاجئين الفلسطينيين في الأردن»، وهو دليل إضافي على التعلق المذكور.
بهذا سيتحول الموضوع من صراع طبقي تناحري مع الكيان الصهيوني والإمبريالية والمشروع النيولبرالي، يهدف إلى كنسها جميعاً من المنطقة كنساً نهائياً آخذةً معها الأشكال القطرية من حيث هي إحدى الشروط الموضوعية المانعة للانتصار، إلى صراع داخلي على التشكل القطري ذاته يهدف إلى ضمان استمراره جغرافياً وهوياتياً، صراعٌ قد يأخذ منحىً دموياً كما تعودنا بين الإخوة، ويحرف البوصلة تماما عن «إسرائيل» والولايات المتحدة بصفتها ضمانات محتملة للكيانية القُطرية واستمراريتها.
إن هزيمة مشروع التوطين لن يتأتى بتعزيز الكيانية القُطرية، لأن هذه الكيانية هي مفتاح هزيمتنا أمام «إسرائيل»، ومفتاح فبركة صراعات داخلية على أوهام فارغة من اختراع فذلكات فكرية لا أساس لها لا في التاريخ ولا في المجتمع، وستؤدي بالتالي إلى تثبيت مشروع التوطين بشكل نهائي. إن النضال ضد «إسرائيل» بكل أبعادها، وليس قضية التوطين فقط، يستحيل أن يتم بأدوات وأبعاد قطرية، بل العكس، فهذه الأدوات ستكون هي السبب الأول في الهزيمة وتثبيت المشروع النقيض.
إن الجميع مدعوون في هذه اللحظة التي يتسارع فيها طرح قصة الوطن البديل بنفس التسارع الذي يتم فيه تسويق أطروحات الهويات القطرية والقطر - أولاً (وهذه ليست صدفة)، إلى العمل على الأدوات الموضوعية التي يمكن أن تُنجح النضال، لا أن نركض في المسار المحدد بنهاية معروفة: الانعزاليون الأكراد (وليس كل الأكراد)، والانعزاليون الشيعة (وليس كل الشيعة)، والانعزاليون الموارنة (وليس كل الموارنة)، والانعزاليون السنّة (وليس كل السنّة)...إلخ، كلهم، كل الانعزاليين، ينتهون عاجلاً أم آجلاً في الحضن الأميركي/الإسرائيلي، مهما رفعوا من رايات حمراء أو صفراء أو خضراء، لأن الواقع الموضوعي هكذا: لا ينتصر الضعفاء إلا بتكاتفهم في مشروع نضالي واحد يصوغ هويتهم الحقيقية المشتركة، أما صناعة الهويات المزورة، فهي لن تؤدي إلا إلى الالتقاء المفاهيمي مع السلطة السياسية، والليبراليين الجدد، ومن يقف خلفهما، وهو بلا شك لقاء قاتل.

*كاتب من الأردن، أمين سر منتدى الفكر الاشتراكي، ومقرر لجنة حماية الوطن ومقاومة التطبيع النقابية.

الهوامش :
)13) راجع مثلاً: سليمان بشير، جذور الوصاية الأردنية: دراسة في وثائق الأرشيف الصهيوني، بيروت: قدمس للنشر والتوزيع، 2001.
)14) ناهض حتّر، أي حلول في الأردن؟ بيروت: الرأي الآخر، العدد 18، آذار/مارس 2008، ص ص 34 – 37، والمقال ذاته منشور تحت عنوان آخر في: الأخبار (لبنان)، 22 كانون الثاني/يناير 2008.
)15) في نقد الدولة ثنائية القومية والدولة الديمقراطية العلمانية وأوهام الحل القطري في فلسطين، انظر: هشام البستاني، من أجل مانيفيستو ماركسي عربي حول القضية الفلسطينية، كنعان النشرة الالكترونية، السنة السابعة، العدد 1311، 21 تشرين الأول/أكتوبر 2007،

«http://www.kanaanonline.org/articles/01311.pdf»
وأيضاً: عادل سمارة ومسعد عربيد، نحو حل اشتراكي في فلسطين: مناقشة نقدية في حل «الدولة الديمقراطية العلمانية»،

«http://www.kanaanonline.org/articles/01307.pdf»
(16) غسان فخر الدين، من طمس تاريخ الأردن، ولماذا؟ بيروت: الرأي الآخر، العدد 15/16 - كانون الأول/ديسمبر كانون الثاني/يناير 2007/2008، ص 90.
(17) لمزيد من التعمق في هذه المسألة، انظر: هشام البستاني، لماذا يجب أن نقاطع الانتخابات النيابية،

«http://sarayanews.com/default.asp?mode=more&newsID=594&catID=28».
(18) الرأي، الأحد 25 أيار/مايو 2008، ص 24.
(19) انظر في ذلك الأطروحة الهامة لمحمد جابر الأنصاري في مؤلفه الهام: الفكر العربي وصراع الأضداد، بيروت: المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 1999، ط2.
(20) ألغي هذا الموضوع لاحقاً عن الموقع الإلكتروني لليسار الاجتماعي واستعيض عنه بموضوع آخر - والرابط السابق إلى الموضوع كان:
. «http://joleft.net/news/index
php?option=com_content&view=article&id=190:2008-04-19-08-15

 د. هشام البستاني*

 

 

الغلاف

Image