لا انتخابات في 2009.. ربما؟ طباعة ارسال لصديق
العدد 25 -تـ1 2008 - الوطن
نجاح واكيم   

 بإنتظار معادلة إقليمية دولية جديدة تحكم لبنان - الطوائف


Imageبعد الطائف بدأت بسرعة عملية «إعادة بناء الدولة» بانتخاب رئيس للجمهورية يملأ الفراغ في سدة الرئاسة الأولى. في قاعدة القليعات الجوية جرى انتخاب رينيه معوض رئيساً، ولكن بعد بضعة أيام، عندما كان الرجل عائداً من حفل الاستقبال بمناسبة عيد الاستقلال دوى انفجار في محلة الصنائع... وقتل الرئيس. بعد يومين «انتخب النواب» الياس الهراوي لرئاسة الجمهورية.


لا تزال ظروف تلك الجريمة وملابساتها غامضة، وسوف تظل كذلك. أياد كثيرة وقوية تضافرت لتهيل عليها تراب النسيان. لماذا كانت الجريمة، ولماذا كان التناسي والنسيان؟ أسئلة عفى عليها الزمن قبل أن تجف دماء الضحايا.
بعد انتخاب الياس الهراوي تشكلت فوراً حكومة العهد الأولى برئاسة سليم الحص. كانت مهمتها الأساسية، بل الوحيدة، القضاء على التمرد في قصر بعبدا الذي كان يمثله العماد ميشال عون. وعندما أنجزت مهمتها - هل هي التي أنجزت؟.. - سقطت بقدرة قادر، وقامت حكومة جديدة برئاسة عمر كرامي. كانت مهمتها الأساسية دمج الميليشيات في الدولة. هذا ما عكسته تركيبتها، وهذا ما جاء في بيانها الوزاري. وعندما أنجزت المهمة سقطت تلك الحكومة بقدرة قادر، وتشكلت حكومة برئاسة رشيد الصلح «للإشراف» على أول انتخابات نيابية بعد انقطاع دام ست عشرة سنة.


هبط قانون الانتخاب من علٍ فبصمت عليه الحكومة ومجلس النواب. اعترض «المسيحيون»، معظم المرجعيات الروحية والسياسية، وقاطعوا الانتخابات ترشيحاً وانتخاباً. ظنوا أن صدى صرختهم سيكون مزلزلاً في الغرب، في أميركا تحديداً. تكفلت سوريا - عبد الحليم خدام وغازي كنعان - بملء الفراغات المسيحية فملآها كيفما اتفق. وعندما انعقد المجلس الجديد في جلسته الأولى كانت شرفة النظارة مزدحمة بالدبلوماسيين والإعلاميين يتقدمهم وفد كبير من السفارة الأميركية في بيروت، السفير وأركان السفارة. كانت الرسالة الأميركية واضحة «للمسيحيين» ولكل من يعنيهم الأمر. الآن بدأ تطبيق الطائف، جوهر الطائف، المعادلة الدولية - الإقليمية - الداخلية التي يقوم عليها «الطائف». وتشكلت حكومة «الطائف» الأولى برئاسة رفيق الحريري.
ما هو هذا الطائف وما جوهره؟ مهلاً.
أربع سنوات انقضت على الانتخابات، على الحرد والمقاطعة المسيحيتين، وحل موعد الانتخابات التالية في العام 1996.
القانون هو ذاته مع بعض التعديلات الطفيفة التي تلائم مصلحة هذا «الزعيم» أو ذاك. «المسيحيون» صدموا من جديد، ولكنهم هذه المرة لم يتهوروا. ذهب وفد منهم، رجال دين ودنيا، إلى السفارة الأميركية والتقوا السفير. كان يقرأ بهدوء، وبابتسامة فيها بعض السخرية، القلق في عيونهم. سألوه: «هل بعتونا للسوريين»؟ قهقه الرجل وقال: «لم نبعكم لكننا أعرناكم. وفي الوقت المناسب سوف يعود كل شيء إلى مكانه».
حل «الوقت المناسب» في صيف العام 2000. كان موعد الانتخابات النيابية يقترب، ومعه قانون جديد – بل مجدد – للانتخابات النيابية العتيدة. يسمونه قانون غازي كنعان. هل حقيقة هو قانون غازي كنعان أم إن الأمر أبعد من ذلك بكثير؟
في تلك الفترة «الوقت المناسب» ماذا جرى؟
آخر محاولة بذلها الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون لإخراج المفاوضات الإسرائيلية - السورية من مأزقها باءت بالفشل.
المحافظون الجدد يستعدون لمعركة الرئاسة الأميركية ودخول البيت الأبيض، مسلحون بسياسة خارجية جديدة سوف يكون «الشرق الأوسط الكبير» ميدانها الرئيسي.
حافظ الأسد، رجل سوريا القوي والقدير يلفظ أنفاسه، ونجله الشاب الهادئ وغير المجرب يخلفه في ذلك الموقع الخطير. وتلاحقت الأحداث...
في لبنان رفيق الحريري - السعودي - يجتاح الزعامات السنية في كل لبنان، ويسيطر، بالتحالف مع البطريركية المارونية والمرجعيات المسيحية المناوئة لسوريا على معظم المقاعد المسيحية. في الجانب المسيحي «طار» أولئك الذين ملأوا بهم الفراغات المسيحية. عاد الأصلاء فطار الوكلاء. غطاس خوري المرتبط بالاستخبارات الأميركية، والذي يحظى ببركة بكركي محل غسان مطر القومي السوري الاجتماعي. أنطوان غانم الكتائبي محل أنطوان خليل القومي الاجتماعي. بيار ابن أمين الجميل محل غسان الأشقر القومي الاجتماعي.
الهراوي والحريري: حكومة الطائف الأولى
الهراوي والحريري: حكومة الطائف الأولى
حزب الله وحركة أمل يجتاحان معظم المقاعد الشيعية.
وليد جنبلاط، بالتحالف مع الحريري، يجتاح الجبل ومعظم المقاعد الدرزية المتناثرة هنا وهناك.
لم يكد غبار الانتخابات ينجلي عن نتائج مفاجئة ومذهلة على الصعيدين السني والمسيحي حتى بدأ سيل المفاجآت اللافتة. أولها كان البيان الخطير الذي صدر عن خلوة المطارنة الموارنة في خريف العام 2000، وكان موجهاً بوضوح وقوة ضد سوريا. وليد جنبلاط في أول جلسة لمجلس النواب الجديد يفتح النار على سوريا، قبل أن يعود ويتراجع تكتيكياً، وإلى حين، بناءً على نصيحة عبد الحليم خدام ورفيق الحريري و...آخرين. من كان هؤلاء الآخرون؟
في جلسة جمعت السفير الأميركي في الكويت مع أحد المسؤولين الكويتيين الكبار ومستشاره الصحافي اللبناني تساءل السفير الأميركي بخبث عن سر غضب السوريين. قال: «نحن وسوريا متفقان. لهم الشيعة ولا نريد منهم أحداً. لنا والسعودية السنة لن نعطيهم منهم احداً. هم يعتبرون أننا تعدَّينا عليهم بالدروز، ولكن لماذا؟ الدروز بدأوا عند بريطانيا وانتهوا عند الاتحاد السوفياتي. الاتحاد السوفياتي نحن أسقطناه وليس سوريا، فنحن الذين نرثه وليس سوريا». ترى لماذا لم يأتِ سعادة السفير على ذكر المسيحيين؟
مع وصول المحافظين الجدد إلى البيت الأبيض بدأ فصل جديد من السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. لم تكن أحداث 11 أيلول/سبتمبر هي من صنع تلك السياسة، ولكن تلك الأحداث فجرت الصاعق الذي فتح كوة واسعة اندفعت من خلالها السياسة الجديدة.
يروي ويسلي كلارك القائد السابق لحلف شمالي الأطلسي أنه ذهب في أحد أيام العام 2002 إلى مبنى «البنتاغون» والتقى أحد أصدقائه من كبار القادة في الجيش الأميركي. كان هذا جالساً يضع رأسه بين كفيه وأمامه تقرير. سأله كلارك: هل صدر الأمر بغزو العراق؟ أجابه هذا: ليس العراق وحده، بل الخطة هي إسقاط سبع دول هي العراق ولبنان وسوريا وليبيا والسودان والصومال وإيران.
في ربيع العام 2003 اجتاحت القوات الأميركية العراق. لم يعد ثمة مجال للشك في الدور الذي أدته بلدان الخليج العربي، وفي الطليعة منها المملكة العربية السعودية، في هذه العملية. ومن هناك، من العراق، بدأ قادة الولايات المتحدة الأميركية يوجهون تهديداتهم ضد سوريا، التي لم تجد في ذلك الوقت نظاماً عربياً واحداً يقف إلى جانبها. كان الكل يعرف أنها الهدف الثاني بعد العراق، وأن مصيرها بات محتوماً...
أميركا تهدد بضرب سوريا عسكرياً، وقواتها في العراق، على الحدود الشرقية لسوريا، قدمت نموذجاً صارخاً في دلالاته.
إسرائيل في الجنوب تهدد أيضاً. قواتها الجوية تضرب قرب دمشق وتحلق فوق قصر الرئاسة السوري في اللاذقية. غير أن انطلاق الهجوم على سوريا وإسقاطها كان مقرراً من مكان آخر وبطريقة أخرى غير الاجتياح العسكري. كان لبنان هو المكان الذي اختاره الحلفاء «للإنزال» الكبير وللهجوم على سوريا.
في الطائف أُعيد إنتاج المعادلة الأميركية - السورية - السعودية التي حكمت لبنان منذ العام 1975 - ما عدا فترة قصيرة ما بين حزيران/يونيو 1982 وشباط/فبراير 1984 -. والآن قررت الولايات المتحدة طرد سوريا من هذه المعادلة تمهيداً لطردها من معادلة «الشرق الأوسط الجديد» وإسقاطها.
إذا نحن استعرضنا بسرعة شريط الأحداث في لبنان منذ مطلع العام 2004 إلى أيار/مايو من العام الجاري نقرأ في كل حدث هذا الصراع بين الولايات المتحدة الأميركية ومعها «حلفاؤها» فرنسا وإسرائيل والسعودية، وسوريا ووراءها إيران، ثم تقترب من الميدان ببطء روسيا والصين.
* حزيران/يونيو 2004 الرئيسان بوش وشيراك يتفقان على مسودة القرار الذي صدر عن مجلس الأمن بعد حوالي ثلاثة أشهر،والذي قضى بطرد سوريا من لبنان.
* سوريا ترد بالتمديد لرئيس الجمهورية إميل لحود معلنة تشبثها بموقعها في المعادلة اللبنانية.
* اغتيال رفيق الحريري؟...
* المظاهرات تعم لبنان وتجتاح بيروت مطالبة بخروج الجيش السوري من لبنان. كان رأس الحربة فيها الإسلام السياسي السنّي (السعودية) ومعظم المسيحية والدرزية السياسية.
* حكومة عمر كرامي تسقط في البرلمان.
* الشيعية السياسية (السورية - الإيرانية) ترد بمظاهرات مضادة تحت شعار «شكراً سوريا».
* انتخابات نيابية تفرضها، توقيتاً ونتائج، الإدارة الأميركية، كان أبرز علاماتها حلف رباعي شيعي - شيعي - سني - درزي، ومن جهة أخرى انقسام مسيحي ومعارك طاحنة بين تيار العماد عون وحلفائه وقوى 14 آذار المنضوية تحت عباءة بكركي وتحظى بدعم أميركي وفرنسي.
* التحالف الرباعي ينهار بعد الانتخابات النيابية مباشرة، والموضوع سلاح المقاومة.
*سلاح المقاومة، وبالتالي موقع لبنان في الصراعات الإقليمية العاتية، كان الموضوع الأساسي على طاولة الحوار وفي ميادين الصراع السياسي.
* «الأكثرية» لم تتمكن من حسم الأمر فتتدخل الولايات المتحدة ووراءها سيل من الحلفاء «العرب» والأوروبيين، أما رأس الحربة فهي إسرائيل.
* حرب تموز/يوليو لها عنوانان رئيسيان: تطبيق القرار 1559 ونزع سلاح المقاومة. لكن رياحها جرت بما لا تشتهي سفن أميركا وإسرائيل وعرب «الاعتدال».
ويستمر الصراع.. وتتلاحق الأحداث، ويغرق لبنان في سيل من المناورات والمناوشات و... السلاح والمال السياسي والعصبيات.
أميركا توشك أن تدخل في المرحلة الساخنة من انتخابات الرئاسة، ولكن لا بأس من محاولة أخيرة... مجلس الوزراء اللبناني ينعقد فجأة في جلسة ماراثونية ويصدر قرارين يحملان تواقيع ثلاثة، تيري رود لارسن وسعود الفيصل وكونداليزا رايس. ويبلغهما فوراً إلى مجلس الأمن الدولي. «حكومة لبنان المنتخبة ديمقراطياً» تشكو الاعتداء على سيادتها من قبل حزب الله. معقول؟...حصل.
التمهيد الميداني في شوارع بيروت لتحويل قرارات «الشرعية الدولية» بشأن لبنان من الفصل السادس إلى الفصل السابع لم يكن موفقاً. لقد طاشت الضربة. إذاً إلى الدوحة. ولبنان على لائحة الانتظار... إلى ما بعد الانتخابات الأميركية. ولكن إلى أي «ما بعد»؟...
لنتوقف قليلاً عند خلاصات ما تقدم.
أ- إن معادلة إقليمية دولية أطرافها الرئيسيون ثلاثة: أميركا وسوريا والسعودية، حكمت لبنان حتى العام 2004. ثم سقطت هذه المعادلة بقرار اتخذه الطرف الأقوى فيها وهو الولايات المتحدة.
ب- إن الطرفين المحليين الرئيسيين في هذه المعادلة هما «السنّية السياسية» و«الشيعية السياسية». أما الأطراف الأخرى، ولاسيما «المسيحية» و«الدرزية»، فدورهما ينحصر في ترجيح كفة هذا الطرف أو ذاك، بحسب مسار الصراع الإقليمي - الدولي في المنطقة المحيطة. وإن نتائج الانتخابات النيابية التي حصلت بعد الطائف جاءت مطابقة تماماً لموجبات هذه المعادلة.
ج- لم تتمكن الولايات المتحدة خلال مرحلة المحافظين الجدد من تثبيت معادلة إقليمية بديلة، وبالتالي من تثبيت معادلة لبنانية بديلة. وفي هذا الفراغ، بين معادلة انهارت وأخرى لم تقم، يعيش لبنان حالة انتظار وضياع مفتوحة على احتمالات شتى.
إلى متى؟...
إلى أن «تركب» معادلة إقليمية دولية جديدة تحكم لبنان الطوائف وتضبط توازناته من جديد. فهل يمكن تركيب هذا المعادلة قبل موعد الانتخابات النيابية في الربيع المقبل؟
في 20 كانون الثاني/يناير من العام المقبل 2009 يتسلم الرئيس الأميركي الجديد مهام سلطاته. وسوف تكون أمامه ملفات كثيرة شائكة قبل أن يأتي دور الملف اللبناني.
اهتمامه الأول سوف ينصب على تشكيل إدارته. ثم يأتي بعد ذلك موضوع الأزمة التي يمر بها الاقتصاد الأميركي. ثم يأتي دور أوروبا وروسيا وموضوع الدرع الصاروخية. وهو لا شك لا يستطيع أن يتجاهل أو يؤجل التحولات العاصفة في أميركا اللاتينية...على فكرة، ماذا تعني المناورات الحربية الروسية - الفنزويلية في البحر الكاريبي؟... وهناك أيضاً الملف النووي الإيراني. أيضاً والصراع الأميركي - الصيني في أفريقيا. هل نعد بعد؟ كيف ستتعاطى الولايات المتحدة في عهدها الجديد مع كل هذه الملفات؟ بل قبل هذا، هل إن إخفاقات المرحلة الماضية سوف تدفع الولايات المتحدة إلى خيار استراتيجي آخر غير النظام العالمي الأحادي القطب؟ أسئلة وتحديات شائكة وكبيرة، لكنها لا تكفي لإقناع عباقرة الطبقة السياسية عندنا بأن الإدارة الأميركية لا تستطيع ضبط إيقاعات العمل في كل هذه الملفات على رزنامة الانتخابات النيابية في لبنان.
إذاً لا معادلة دولية – إقليمية تملأ الفراغ الحاصل في لبنان الطوائف.
إذاً فلا انتخابات ربما؟...
وعوضاً عن فتح صناديق الاقتراع هل تفتح صناديق الذخيرة؟
الله يستر.
 

 

 نجاح واكيم

 
التالى >

الغلاف

Image