هل بات محور برلين - باريس من التاريخ؟ طباعة ارسال لصديق
العدد 25 -تـ1 2008 - العالم
سميح صعب   

سقوط آخر قلاع التمايز عن الموقف الأميركي في العالم
 

 Image

تلقي العلاقات المتوترة بين الرئيس الفرنسي نيكولا ساركوزي والمستشارة الألمانية إنغيلا ميركل بثقلها على العلاقات بين فرنسا وألمانيا. فهذان البلدان اللذان كانا يعتبران محرك المشروع الأوروبي منذ انطلاقه في الخمسينيات من القرن الماضي، لم يعودا كذلك الآن. وبرغم أن ساركوزي وميركل كلاهما ينتميان إلى اليمين المحافظ، فإن عدم الانسجام واضح في مواقفهما على أكثر من صعيد، من الاتحاد من أجل المتوسط، إلى المصرف المركزي الأوروبي، إلى العجز في الموازنة، إلى أسلوب كل منهما في التفكير ومقاربة القضايا، فهنا ساركوزي المندفع وهناك ميركل الحذرة.

والعلاقات الفرنسية - الألمانية السائدة اليوم تبدو فاقدة للزخم الذي كان يدفع بها نحو المزيد من التطور والانسجام أيام ديغول - اديناور، فاليري جيسكار ديستان - هلموت شميث، فرنسوا ميتران - هلموت كول، جاك شيراك - غيرهارد شرودر. لقد بدأ الشرخ والتناقض في سياسات البلدين مع وصول ساركوزي إلى الإليزيه في أيار/مايو 2007. وبرغم أن المسؤولين في باريس وبرلين يحرصون على التعمية على الخلافات، فإن الممارسة والمواقف في كل من العاصمتين تفضح حجم النفور الحاصل بينهما، وكأن ما كان يعرف بمحور باريس - برلين قد بات من التاريخ.

لم يصدق أحد ساركوزي عندما قال خلال حفل تسلم ميركل جائزة شارلمان السنوية في مدينة آخن الألمانية في أيار/مايو الماضي: «إنني أحب إنغيلا ميركل أكثر مما يود البعض أن يكتب». فالممارسة تنطق بالعكس. ولا يمكن إنكار أن المستشارة الألمانية تكن الشعور ذاته للرئيس الفرنسي.

 

 


الخلافات


في اليوم الأول لتوليه الرئاسة، ذهب ساركوزي إلى برلين ليطالب بمراجعة شاملة لهيكلية شركة «أيرباص» الفرنسية - الألمانية المشتركة. ولم يتمكن الألمان من إخفاء انزعاجهم من هذا الطلب. وبعد أسابيع انخرط ساركوزي وزوجته السابقة سيسليا في عملية إطلاق الممرضات البلغاريات والطبيب الفلسطيني من سجن ليبي حيث دانتهم محكمة ليبية بحقن أطفال ليبيين عمداً بفيروس «الأيدز». وكانت هذه الصفقة بداية لصفحة جديدة في العلاقات الفرنسية - الليبية تخللها التوقيع على اتفاق التعاون النووي بين باريس وطرابلس. ولم يخف الألمان انزعاجهم من هذا الاتفاق.
لكن التطور الذي ترك بصماته على العلاقات الألمانية - الفرنسية وأخرج الخلاف إلى العلن، فكان مشروع الاتحاد من أجل المتوسط، الفكرة التي أطلقها ساركوزي في خطاب الفوز بالرئاسة بوحي من مستشاره هنري غاينو. هذه الفكرة بمسودتها الأولى نصت على إنشاء اتحاد بين دول الاتحاد الأوروبي المطلة على البحر المتوسط والدول الواقعة على ضفته الجنوبية مع إنشاء مؤسسات لهذا الاتحاد مثل رئاسة مشتركة وعقد اجتماعات دورية وإنشاء مصرف مشترك ومعالجة قضايا الإرهاب والهجرة غير الشرعية. وبدا المشروع وكأنه بديل لعملية برشلونة التي انطلقت العام 1995 لتواكب المفاوضات العربية - الإسرائيلية التي انطلقت في المؤتمر الدولي في مدريد العام 1991.

ساركوزي: ثمن التقرب من واشنطن باهظ جدا
ساركوزي: ثمن التقرب من واشنطن باهظ جدا

الطرح الفرنسي أحدث رد فعل ألماني معارض. فقد رأت برلين أن المشروع الذي يطرحه ساركوزي فيه فائدة لباريس فقط في حين أن دول الاتحاد الأوروبي غير المطلة على المتوسط وبينها ألمانيا طبعاً سيكون عليها تحمل النفقات المادية لمشروع لم تتوان ميركل عن وصفه بأنه يهدف إلى تعزيز العلاقات بين باريس ومستعمراتها السابقة. ولذلك وقفت ألمانيا في وجه المشروع الفرنسي فما كان على ساركوزي إلا الرضوخ للتعديلات الجوهرية التي اقترحتها برلين وفي مقدمها ضم كل الأعضاء الـ 27 في الاتحاد الأوروبي إلى الاتحاد من أجل المتوسط. ومن ثم يجب أن تكون رئاسة الاتحاد الأوروبي مداورة بين أعضاء الاتحاد الأوروبي في ما يتعلق بالضفة الشمالية للمتوسط. وقد ترك لساركوزي بصفته صاحب الفكرة أن يتولى الرئاسة الدورية للاتحاد منذ إطلاقه في 13 تموز/يوليو.
وكانت حجة الرئيس الفرنسي ضعيفة عندما حاول تسويق فكرته من خلال تشبيه الاتحاد بين الدول المطلة على ضفتي المتوسط بمجلس الدول المطلة على بحر البلطيق القائم منذ العام 1992. الألمان ردوا بأن التشبيه لا يجوز لأن الدول الأعضاء في هذا المجلس تنتمي كلها إلى الاتحاد الأوروبي.
ومن دون شك، فإن ساركوزي قد أساء أول الأمر تقدير الدور الألماني في ما يتعلق بمشروعه ليتبين بعد ذلك أن برلين كان يمكن أن تطيح الفكرة بكاملها في حال لم تؤخذ هواجسها في الاعتبار.
المصرف المركزي والموازنة
وإذا كان الاتحاد من أجل المتوسط ساحة التباين الأساسية بين ساركوزي وميركل، فإنه ليس الوحيد. ودفعت الخلافات التي كانت مختبئة تحت السطح إلى إرجاء عدد من اللقاءات على مستوى عالٍ بين الألمان والفرنسيين في مطلع هذه السنة. وكانت هذه سابقة في العلاقات بين الجانبين.
ويطاول التناقض بين الألمان والفرنسيين المصرف المركزي الأوروبي الذي ينظم العملة الموحدة ويحافظ على القوة الشرائية للأورو وتالياً على الاستقرار النقدي في منطقة الأورو. وتشدد ميركل على ضرورة أن يعمل المصرف باستقلالية. أما ساركوزي فإنه يطلق الانتقادات المتكررة للسياسة النقدية التي يتبعها المصرف ويعتبرها مضرة بالصادرات الفرنسية. كما تتسع ساحة الاختلاف لتشمل العجز المستمر في الموازنة الفرنسية. وبرغم أن الدول الـ13 الأعضاء في منطقة الاورو تعهدت بموازنة موازناتها بحلول سنة 2010، فإن ساركوزي لا يزال يربط هذا الأمر بتحقيق نسبة نمو عالية في الاقتصاد الفرنسي مما يعطي انطباعاً بأنه يريد التملص من شرط عدم تجاوز العجز في موازنات الدول الأعضاء نسبة 3 في المئة من إجمالي الناتج القومي لأي من هذه الدول.
وبرز كذلك خلاف على من يستضيف قمة دول حلف شمال الأطلسي «الناتو» في الذكرى الـ60 لتأسيس الحلف التي تصادف السنة المقبلة. وكانت ميركل تخطط لعقد القمة في برلين، بيد أن ساركوزي بدأ يمارس ضغوطاً لعقدها في باريس. وأخيراً توصل الجانبان إلى حل وسط يقضي بعقدها في مدينة كهل الألمانية وأستراسبور الفرنسية. وتبعد المدينتان عن بعضهما مسافة كيلومترات عدة وتقعان على ضفتي نهر الراين.


الالتفات إلى بريطانيا


على وقع تفكك محور برلين - باريس، بدت هناك محاولات من ساركوزي للاستعاضة بعلاقات أفضل مع بريطانيا. غير أن مثل هذه المحاولات تصطدم أولاً بالواقع البريطاني التقليدي غير المتحمس للمشروع الأوروبي، وثانياً بالمشاكل الداخلية لرئيس الوزراء غوردون براون الذي يعاني حزبه من سلسة هزائم في الانتخابات الفرعية، ويواجه ضغوطاً من داخل حزبه للتنحي في ضوء تدني شعبية الحزب وترجيح استطلاعات الرأي فوز المحافظين في حال إجراء انتخابات عامة.
لكن ضعف براون قد لا يحول دون طموحه إلى القيام بدور الموازن في أوروبا في ظل تفكك محور برلين - باريس، وهناك من يقول في بريطانيا إن اللعب في بريطانيا على وتر الانقسام الألماني - الفرنسي هو طموح كل رؤساء الوزراء. لكن يتبين في ما بعد أن الالتزام بالسياسة التقليدية الحذرة إزاء أوروبا هي الأفضل.
وفي إطار عملية التقارب بين باريس ولندن، يتحدث المسؤولون في البلدين عن اتفاق دفاعي يلوح في الأفق. ومن شأن هذا الاتفاق أن يريح البلدين من كثير من الأعباء العسكرية التي يتحملانها حالياً ولاسيما في ضوء حاجة حلف شمال الأطلسي إلى إرسال المزيد من قواته إلى أفغانستان. ولا بد في هذا السياق من ملاحظة عدم حماس براون لدمج بريطانيا أكثر في تعاون عسكري أوروبي.
ولعل إدراك ساركوزي للواقع البريطاني هو الذي جعله يفكر خلال رئاسته الدورية حالياً للاتحاد الأوروبي في طرح مشروع بناء أسطول بحرية مشترك للاتحاد الأوروبي. وبحسب مجلة «در شبيغل» الألمانية فإن خطة ساركوزي تتضمن أن تقدم ألمانيا فرقاطات ووحدات دعم لقوة بحرية مقاتلة تقودها حاملة طائرات من البحرية البريطانية.


..وإلى واشنطن


وبالقدر الذي يحدث فيه التوجه نحو بريطانيا على خلفية العلاقة المتوترة بين باريس وبرلين، فإن العلاقة مع الولايات المتحدة تتحكم فيها هذه الأيام الرغبة في توطيد العلاقات مع واشنطن. وكانت لافته الحفاوة التي استقبل بها المرشح الديمقراطي لانتخابات الرئاسة الأميركية باراك أوباما في برلين ومن ثم في باريس.
وينعكس الاتجاه نحو واشنطن في التنافس على التشدد حيال الملف النووي الإيراني. فساركوزي يحاول اللحاق بميركل التي أظهرت تشددها في هذا الملف قبل أن يصل ساركوزي إلى الحكم حيث كان لا يزال شيراك يظهر تمايزاً عن الموقف الأميركي. أما اليوم فإن هناك سباقاً على من يتشدد أكثر كي يخطب ود الولايات المتحدة .

ميركل: معارضة الاتحاد من اجل المتوسط
ميركل: معارضة الاتحاد من اجل المتوسط

وفي موضوع الصراع العربي - الإسرائيلي هناك سباق بين ميركل وساركوزي على من يخطب أمام الكنسيت لنيل رضا إسرائيل وإعلان الدعم لها في مواجهة إيران و«حماس» مقابل زيارات مختصرة إلى رام الله رفعاً للعتب.
وفي موضوع سعي تركيا إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، تتبارى ميركل وساركوزي في إظهار معارضتهما لانضمام تركيا إلى الاتحاد. وظن البعض مثلاً أن فكرة الاتحاد من أجل المتوسط هي فكرة هدفها استيعاب تركيا وثنيها عن السعي إلى الاتحاد الأوروبي.
وبالاستناد إلى سلوك ميركل وساركوزي حتى الآن لا يبدو أنهما بقادرين على إيجاد صيغة مشتركة تعيد إحياء محور برلين - باريس. ويقول ساركوزي «إن كان التفاهم الفرنسي الألماني لا يزال ضرورة فإنه ليس من القوة بحيث يستطيع أن يشكل محركا لأوروبا اليوم. وفي اعتقادي أن هذا أمر بديهي».
وهذا موقف ينم عن تفكير يعكس نفسه في السياسة وفي السلوك بابتعاد فرنسا شيئاً فشيئاً عن ألمانيا، والاقتراب أكثر من بريطانيا والولايات المتحدة، علماً بأن ثمن الاقتراب من واشنطن باهظ جداً لكل من فرنسا وألمانيا. فواشنطن تريد الآن إلقاء بعض من أعبائها في الخارج على أصدقائها. وها هو ساركوزي يعد بوش بإرسال المزيد من الجنود إلى القتال في أفغانستان ويعيد عضوية فرنسا في القيادة العسكرية الموحدة لحلف شمال الأطلسي.
وسقوط محور برلين - باريس يعني سقوط آخر قلاع التمايز عن الموقف الأميركي في العالم والذي كانت معارضة شيراك وشرودر للحرب على العراق أحد أبرز سماته التي سيذكرها التاريخ.
من المؤسف أن ميركل وساركوزي يبحران اليوم في الاتجاه المعاكس. وإذا كان المشروع الأوروبي قد تحرك بدفع فرنسي - ألماني مشترك، فإن انهيار هذا المحرك يترك بصماته على باقي أوروبا وعلى المساعي المبذولة مثلاً من أجل الانتهاء من التوقيع على معاهدة برشلونة التي قامت على أنقاض الدستور الأوروبي الموحد. كذلك سينعكس الخلاف الألماني - الفرنسي على استكمال المشروع الأوروبي من حيث ضم أعضاء جدد وبما أن فرنسا وألمانيا كانتا المشروع الأوروبي، فإن التنافس السلبي بين البلدين لا بد وأن تظهر آثاره مع الوقت، إلا إذا استدركت ميركل وساركوزي أن خلافاتهما تتعدى بلديهما لتطال قارة بكاملها وربما أبعد.

 سميح صعب

 

الغلاف

Image