|
العدد 26 -تـ2 2008 -
الوطن
|
|
نقولا ناصيف
|
|
العلاقات الدبلوماسية اللبنانية - السورية..  فتح الإعلان الرسمي عن تبادل دبلوماسي بين لبنان وسوريا، في 15 تشرين الأول/أكتوبر الماضي، للمرة الأولى منذ استقلال البلدين العام 1943، باب التكهّن في ما ستؤول إليه علاقات بلدين لا تزال تشكل سابقة قد لا يكون المجتمع الدولي أدرك نظيرها، ولا عدّ نفسه مرة، قبلاً، شريكاً أساسياً في تحقيقها. وبرغم مظاهر الابتهاج والترحيب التي أبرزتها ردود فعل عربية ولاسيما من السعودية ومصر، ودولية تقدّمتها فرنسا والولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة، ومحلية تكاد لم تستثنِ أحداً من المراجع والقيادات اللبنانية، بيد أن هذه كلها لم تبدّد حال حذر تزامنت مع إقرار التبادل الدبلوماسي وتداول شكوك وظنون عبّرت ولا تزال عن أوسع سوء تفاهم تاريخي وجغرافي وسياسي معقد كان طبع طويلاً العلاقات اللبنانية - السورية، قبل أن يدخل الجيش السوري إلى هذا البلد وإبانه لنحو ثلاثة عقود وبعد مغادرته إياه. سوء تفاهم كهذا خبره الرؤساء السوريون المتعاقبون قبل الانقلابات العسكرية المتتالية منذ العام 1949 وبعدها حتى الرئيس بشار الأسد، وخبره الرؤساء اللبنانيون المتعاقبون أيضاً منذ الاستقلال. وهكذا وُصفت خطوة الرئيس السوري بالموقف التاريخي غير المسبوق الذي تردّد حياله أسلافه - وبعضهم رفضه بتصلّب - فيما ينظر إليه لبنان الرسمي علناً على الأقل على أنه فاتحة مرحلة جديدة في علاقات بلدين يتاخم أحدهما الآخر، ويفصل بينهما شريط متعرّج من الحدود البرية على امتداد 380 كيلومتراً، لا تزال هي الأخرى - كما التبادل الدبلوماسي من قبل - في صلب إشراف الأمم المتحدة على تحديد ملامح حقبة جديدة في إرساء علاقات البلدين. أول مَن تحدّث عنها القرار 1680 في أيار/مايو 2006 عندما اعتبرها «حدوداً ملتبسة ومتنازعاً عليها»، ثم لاقاه بعد أشهر قليلة القرار 1701 في آب/أغسطس من السنة نفسها، بحضّهما دمشق على ترسيم الحدود الدولية اللبنانية - السورية، والسيطرة على المعابر غير الشرعية وأعمال تهريب السلاح وتسلّل المسلحين من خلالها.
إلا أن الإعلان عن تبادل دبلوماسي لبناني - سوري، وتوقّع فتح سفارتين في كل من عاصمتي البلدين قبل نهاية السنة الجارية، يكتسب أبعاداً إضافية عندما يتصل بمستقبل علاقات البلدين، وذلك لأسباب شتى لعلّ أبرزها: 1 - أن السفارة لا تشكل بالضرورة معياراً نهائياً لتنظيم علاقات البلدين شأن بلدان أخرى، يأتي التبادل الدبلوماسي تكريساً لعلاقات ودّية كانت قد نسجتها في ما بينها، تمثّل بدورها اعتراف كل من البلدين بسيادة الآخر واستقلاله وعدم التدخّل في شؤونه أو تعريض استقراره لأي قلاقل. بل في واقع الأمر أعلن عن تبادل دبلوماسي لبناني - سوري في ظروف مغايرة تماماً، مشوبة بالغموض، قبل أن يتمكن البلدان من تذليل كل الخلافات الحادة الناشبة بينهما، وقبل الاتفاق على معايير جديدة لعلاقات متوازنة ومتكافئة. جاء الإعلان الرسمي عن التبادل الدبلوماسي في ظلّ عداء وبغض سياسيين مستحكمين بين سوريا وفريق من اللبنانيين يمثله رئيس الحكومة فؤاد السنيورة والغالبية النيابية المجتمعة في قوى 14 آذار، والذي لا يزال يُقرن أي تقدّم ملموس وجدّي في اتجاه تحقيق مصالحة مفترضة مع دمشق بمسار المحكمة الدولية في اغتيال الرئيس رفيق الحريري. الأمر الذي ينطوي على تشبّث الموالاة باتهامها السياسي المستمر منذ 14 شباط/فبراير 2005 لسوريا بأنها وراء قتل الرئيس السابق للحكومة. وبرغم أن التبادل الدبلوماسي كان مطلباً رئيسياً لقوى 14 آذار، إلا أن هذه لم تشأ تحقيقه مرة بتفاهم لبناني - سوري بين رئيسي البلدين، بل طالبت الأمم المتحدة بإرغام سوريا عليه، شأن مطالبتها إياها أيضاً بترسيم الحدود ومراقبتها عبر ضغوط مماثلة يفرضها مجلس الأمن على دمشق، ولا تنبثق من طاولة حوار ثنائي بين البلدين. بذلك قالت - في معرض إضفاء صورة التنازل الجوهري والمكلف على القرار السوري - إن التبادل الدبلوماسي فرضته القرارات الدولية ولم تصنعه إرادة الرئيس السوري.  أمين عام المجلس السوري اللبناني يتوسط وزيري خارجية سوريا ولبنان: عودة العلاقات الدبلوماسية رسميا على نحو كهذا تمثّل إقامة علاقات دبلوماسية لبنانية - سورية جزءاً من اشتباك سياسي مفتوح بين دمشق والغالبية النيابية محلياً، وبينها والأمم المتحدة دولياً. وإذ كان الترحيب العربي والدولي بها غير مشروط، انبرت أصوات في قوى 14 آذار تتوسّل التبادل الدبلوماسي كي تعزّز عدم ثقتها بالقيادة السورية، والقول إن مقرّ السفارة ربما أصبح مدخلاً لعودة الاستخبارات العسكرية السورية إلى لبنان. 2 - على طرف نقيض من قوى الموالاة، يقارب رئيس الجمهورية ميشال سليمان التبادل الدبلوماسي اللبناني - السوري على أنه أحد الملفات الرئيسية في سلّة إرساء علاقات جديدة بين البلدين تعالج المشكلات العالقة برمتها، لا ينفصل الأمني منها عن السياسي والعسكري والدبلوماسي والاقتصادي، آخذاً بمبرّرين اثنين على الأقل: أولهما، انبثاق التبادل الدبلوماسي من القمة الثنائية التي جمعت سليمان بالأسد في دمشق في 13 آب/أغسطس الماضي و 14 منه، وانتهت إلى بيان ختامي مشترك أعلن الاتفاق على إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين، ووضعها موضع التنفيذ وفق الآلية القانونية السائدة في كل منهما. ولأن الأمر كذلك، لم يطل الوقت حتى أصدر الرئيس السوري بعد شهرين، في 14 تشرين الأول/أكتوبر مرسوماً قضى بتبادل دبلوماسي مع لبنان على مستوى السفارة. سبقت هذا القرار أو تلته سلسلة خطوات بدت ترجمة سريعة لما كان ناقشه الرئيسان في قمة دمشق: نشر سوريا في 22 أيلول/سبتمبر آلاف من جنودها على الحدود الشمالية والشرقية مع لبنان لمنع التهريب، سرعان ما أعلن الجيش اللبناني بعد ساعات أنه أُحيط علماً سلفاً بتلك الحشود مقللاً أهمية ما قالته قوى 14 آذار من أن الحشود تلك ترمي إلى العودة العسكرية السورية إلى لبنان، ثم قلّلت فرنسا والولايات المتحدة بدورهما أهميتها ما دامت داخل الأراضي السورية. ثم كانت زيارة مدير المخابرات العميد الركن إدمون فاضل لدمشق في 13 تشرين الأول/أكتوبر واجتماعه بمدير المخابرات العامة اللواء آصف شوكت في أول اتصال أمني رفيع المستوى بين البلدين منذ العام 2005، واتفاقهما على التنسيق والتعاون لمراقبة الحدود من جانبيها. بعد يومين أعلن وزيرا خارجية البلدين فوزي صلوخ ووليد المعلم في 15 تشرين الأول/أكتوبر إقامة التبادل الدبلوماسي رسمياً. وثانيهما، أن التبادل الدبلوماسي يقع في صلب سلة خيارات اتفق عليها الرئيسان اللبناني والسوري لإعادة تطبيع علاقات البلدين. ومن ثم لا يتصرّف سليمان حيالها على أنها خطوات مجتزأة، منفصل بعضها عن بعض، أو حتى ثمرة صراع سياسي وتسابق على انتزاع مكاسب تتداخل فيها قوى خارجية وتصفية حسابات إقليمية ودولية على أرض لبنان كي تجد هذه متنفسها في العلاقات اللبنانية - السورية. بذلك ربط الرئيس مراراً إقرار التبادل الدبلوماسي بتفاهم لبناني - سوري من غير أن يتجاهل تأثير القرارات الدولية على موقف دمشق، وأعاد علاقات البلدين إلى إطارها الثنائي المحض لمعالجة مشكلاتها في أجواء من الثقة المتبادلة بعيداً من وجود طرف ثالث. الأمر الذي يكشف مغزى أن يكون ملف العلاقات اللبنانية - السورية في يد رئيس الجمهورية وحده مفاوضاً ومحاوراً للرئيس السوري. وقد يكون خير معبّر عن البعد الثنائي في العلاقات الجديدة بين البلدين، أن الرئيسين تجاهلا كل الجدل السياسي الذي سبق ثم تلا الإعلان عن التبادل الدبلوماسي عندما طالبت قوى 14 آذار ولا تزال بإلغاء المجلس الأعلى اللبناني - السوري اعتقاداً منها بعدم جدواه في ظلّ سفارة لسوريا في لبنان تتولى رعاية المصالح المشتركة والاتفاقات بين البلدين، ولأن المجلس الأعلى الذي أنشىء العام 1991 منبثقاً من معاهدة الأخوة والتعاون والتنسيق بات يمثّل سلطة موازية للسفارة وتعارضاً غامضاً مع صلاحيات السفير، ناهيك بأن ظروف إنشائه اقترنت بمرحلة وضع سوريا يدها على لبنان. مع ذلك لا يبدو الرئيسان، ولاسيما سليمان، مستعجلين إلغاء المجلس الأعلى في مدى قريب قبل الخوض في مناقشة مسهبة لدوره ومدى الحاجة إليه. وهما فَصَلا السجال من حوله عن السجال المحيط بسلسلة اتفاقات يقارب عددها الـ50 عقدها البلدان في تسعينيات القرن الفائت في قطاعات سياحية وتربوية واقتصادية وتجارية وقضائية وأمنية، طلب رئيس الجمهورية من الوزراء غداة عودته من دمشق في 14 آب/أغسطس مراجعتها، كل وزير في نطاق اختصاصه. لم يشر إلى إلغائها، بل إلى تعديل ما قد يتطلبه بعضها بموافقة البلدين معاً، ولم يلامس المجلس الأعلى القائم كمؤسسة مستقلة في ذاتها لا يلغيها إلا الطرفان معاً. 3 - برغم الإطار الثنائي للعلاقات الدبلوماسية بين البلدين على نحو ما يصرّ عليه سليمان، واقع الأمر أنها لم تتولد من اتفاق مشترك بينهما فحسب، بل كذلك من ضغوط دولية حادة أوردتها سلسلة قرارات أصدرها مجلس الأمن منذ القرار 1559 عندما أنهى الوجود العسكري السوري في لبنان وصولاً إلى القرار 1701 الذي وضع المظلة الدولية فوق حدود البلدين. وهكذا، في سابقة لا نظير لها في العلاقات الدولية، وفي تنظيم علاقات بلدين يقع في نطاق شأنهما حصراً لا مكان بالضرورة للأمم المتحدة أو مجلس الأمن أو فريق ثالث يرغمهما على الاتفاق الرضائي لإقامة علاقات دبلوماسية أو رفض المضي فيها، حُملت سوريا على إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان تنفيذاً لقرارات مجلس الأمن. وبرغم أن الرئيس السوري قال في أكثر من مناسبة إنه كان سباقاً، منذ تولى الحكم في سوريا بدءاً من العام 2003، إلى البحث في إجراء تبادل دبلوماسي مع لبنان لإزالة الغموض والالتباس في علاقة البلدين بعضهما ببعض، إلا أن إقرار دمشق بالتبادل الدبلوماسي جاء تحت وطأة ضغوط مجلس الأمن والعزلة الغربية من حولها إلى حدّ تعهّد الأسد علناً لنظيره الفرنسي نيكولا ساركوزي، على هامش قمة الاتحاد من أجل المتوسط في باريس في 14 تموز/يونيو الماضي، إقامة علاقات دبلوماسية مع لبنان في فترة وجيزة. سرعان ما قالت باريس، بعد توقيع الأسد مرسوم إقامة التبادل الدبلوماسي، إنه كان ترجمة لتعهّد قطعه لنظيره الفرنسي. ذلك أن التبادل الدبلوماسي لا يعدو كونه إلا تنظيم علاقات بلدين تحت مظلة القانون الدولي ورعاية الأمم المتحدة. تبعاً لذلك لا يعبّر بالضرورة عن معيار العلاقات الودّية والتعاون. بل قد يقتصر تبادل السفراء على إطار سياسي لعلاقة كل من الدولتين اللبنانية والسورية، وإحداهما بالأخرى، من غير أن تنتقل مفاعيل هذا التنظيم إلى علاقات سوريا بحلفائها اللبنانيين التي لا تمر بالسفارة، ولا تمثّل هذه معبراً حتمياً لاستمرار تحالف سياسي شكّل في ذاته مصدراً رئيسياً لحماية المصالح السياسية والأمنية السورية في لبنان لأكثر من ثلاثة عقود، سواء شقّ طريقاً من خلال الحكم اللبناني والسلطات الرسمية أو عبر الحلفاء. نقولا ناصيف |