نظام عالمي يستأذن في الدخول طباعة ارسال لصديق
العدد 26 -تـ2 2008 - مقالات
جميل مطر   

Imageنظام عالمي يوشك أن يرحل، ونظام عالمي آخر يستأذن في الدخول. وكثيرة كانت علامات الرحيل وكثيرة أيضاً علامات الاستئذان في الدخول. كان المشهد خلال الشهر المنصرم واحداً في معظم عواصم العالم الكبرى: تيارات حاكمة انتابها القلق، ومستثمرون في جزع، ويساريون في شماتة ولكن أيضاً في ضياع ومن دون بدائل مدروسة، وقادة عسكريون في توتر خوفاً على مصير صناعة سلاح قد لا تجد استثمارات تجدد مخزونها وتمول بحوثها وتسوق اختراعاتها.
إلا أن الخشية تمددت حين بات واضحاً أن الأزمة تجاوزت الاقتصاد إلى أشياء أخرى، فالأزمة عالمية بمعنى أن اقتصادات أخرى عديدة اعتمدت على الاقتصاد الأميركي سقطت أو صارت آيلة للسقوط، وبمعنى أن الصناعة العسكرية والجهود الحربية كانت أول القطاعات التي تأثرت بالأزمة. المؤكد حتى الآن أن الأزمة بتداعياتها أكبر مما تصور الكثيرون داخل أميركا وخارجها، والمؤكد أيضاً أن مقدماتها بدأت تتفاعل منذ فترة طويلة، ولم يحل دون خروجها للعلن إلا نية تكتم شديدة وحملة لنشر التفاؤل في أميركا وفي العالم بأسره بدأت بعد أن انهارت الشيوعية حين انتشرت إعلانات نهاية التاريخ والانتصار النهائي لاقتصاد السوق على غيره من العقائد والمدارس الفكرية، كان الغرض من نشر التفاؤل دعم مسيرة الاقتصاد الحر في أوروبا الشرقية وروسيا والصين وكذلك في دول أميركا اللاتينية وأفريقيا وآسيا. ونذكر انه عندما سقطت اقتصادات رأسمالية في بعض دول آسيا وأميركا الوسطى والجنوبية سقوطاً مدوياً في عقد التسعينيات تدخلت المؤسسات الدولية والدول الغربية لمحاصرة السقوط وكتم أصدائه خشية أن تخف الحماسة لاقتصاد السوق وتنكشف حقيقة ما كان يطلق عليه ويروج له بالثورة المالية أسوة بالثورة المعلوماتية وثورة الاتصالات.


الجشع الطيب


ما لم ينتبه إليه الكثيرون ولاسيما في دول الجنوب، أن ما كان يقدم لهم في شكل وصفات رأسمالية خاضعة لرقابة ومواصفات مدروسة كان في حقيقة الأمر، وحسب تعبير استخدمه باتريك بيوكانان، جشعاً محبوباً. ولذلك يقول «بيوكانان» إن ما سقط في أميركا خلال الأسابيع الأخيرة كان نوعاً من رأسمالية عنوانها «الجشع طيب» Greed is good. وأظن أن هذا الجشع الطيب هو نفسه الذي زحف على بلادنا العربية وبلاد كثيرة في دول الجنوب وبفضله قام التحالف بين الطبقتين السياسية والمالية ليصبح قاعدة الحكم في عديد من دول العالم .
وعلى أساس هذا التحالف عاش معظم هذه الدول خارج إمكاناته، وكانت أميركا في هذا الشأن نموذجاً، إذ كان الأميركيون ولاسيما في السنوات الأخيرة ينفقون أكثر مما يكسبون، وعلى أساسه أيضاً أهملت الحكومة الفيدرالية في واشنطن التدقيق في تنفيذ قواعد الرقابة على سير الاقتصاد وكانت النتيجة سقوط ما أطلق عليه مايكل لند سقوط النسق الأميركي الثاني. يقول «لند» إن النسق الأميركي الأول بدأ في القرن التاسع عشر عندما قرر الرئيس هاميلتون ضرورة دعم الحكومة للصناعة لكي تقوى الولايات المتحدة على مناهضة الاستعمار البريطاني والتغلب عليه. كان الهدف الأمني بمعنى بناء القوة العسكرية الدافع الأول لنهضة صناعية في أميركا، ولتحقيق هذا الهدف قام الكونغرس بتقديم مساهمة لإنشاء أول مصرف لتمويل النشاط الصناعي، حدث هذا في العام 1790. وقامت الحكومة ببيع أراضي الدولة واستثمار عائدات البيع في بناء الطرق والسكك الحديدية والملاحة النهرية.
أما النسق الثاني فبدأ مع مطلع القرن العشرين بإقامة المصرف المركزي واستخدامه لتعبئة الموارد ودعم الصناعة لخدمة أهداف الحرب. وبعد الحرب تدخلت الحكومة لفتح أسواق العالم أمام الصادرات الأميركية. الآن يطالب اقتصاديون بالانتقال إلى نسق جديد، أي صياغة نسق ثالث يعتمد على ثلاثة مقومات هي رفع مستوى القدرة التنافسية الأميركية وإعادة بناء البنية التحتية ووضع تصميم جديد للنظام المالي الأميركي. الأخذ بهذه المقومات يعني في حد ذاته سقوط النسق الثاني، ويعني في الوقت نفسه أن رأسمالية «الجشع الطيب» أهلكت أميركا، وها هي تكاد تدمر اقتصادات أغلب دول العالم.
ويبدو أن النية قد استقرت على ضرورة أن تتدخل الحكومة في صياغة النسق الثالث وتنفيذه عملاً بالمبدأ الذي سارت عليه في تنفيذ النسق الأول والنسق الثاني برغم اعتراضات أو انتقادات من جانب قطاع من المتشددين في التيار المحافظ الذي يرفض دائماً أي تدخل من جانب الدولة في عمليات السوق. وأعتقد مع آخرين أن تنفيذ النسق الثالث لن يكون يسيراً يسر تنفيذ النسق الأول أو النسق الثاني، مع العلم بأن تنفيذ النسق الأول احتاج لحرب نشبت ضد أقوى الإمبراطوريات في ذلك الحين وأخذت عنوانا لها حرب الاستقلال، وتصادف تنفيذ النسق الثاني مع نشوب حربين عالميتين كانت أميركا طرفاً أساسياً فيهما. الواضح أن الظروف الدولية والإقليمية والداخلية الراهنة ليست مواتية كما كانت مواتية عندما قررت الحكومة تعبئة الشعب لتحرير البلاد وإقامة صناعة سلاح في المراحل الأولى من قيام الدولة أو عندما قررت تحديث الصناعة وتطوير التقدم والبحوث العلمية بهدف فتح الأسواق أمام الصادرات الأميركية وتأكيد المكانة الإمبراطورية لأميركا.


الاعتماد المتبادل


كان جائزاً أن تتحقق مشيئة الرئيس هاميلتون عندما دعا الأميركيين إلى بناء اقتصاد أميركي مستقل لا يعتمد على الخارج. تماماً كما كان جائزاً أن تتحقق مشيئة الرئيس ماو تسي تونغ عندما فرض الانعزال على بلاده خلال فترة دقيقة أجرى خلالها جراحة للمجتمع الصيني، أو عدداً من الجراحات، للتخلص من أمراض الإدمان والدعارة والتسول والموت جوعاً. لا أحد في أميركا يستطيع الآن أن يتصور أن يأتي زعيم جديد يفرض انعزالاً كالانعزال الذي فرضه زعماء أميركا حتى منتصف القرن العشرين ليجري جراحة في الجسم الأميركي للتخلص من حالة إدمان «الجشع الخبيث» الذي ضرب عصب الاقتصاد الأميركي وحقق الكارثة. شاء أم أبى الرئيس القادم في أميركا سيقوم النسق الأميركي الثالث، إن قدر له أن يقوم، في بيئة دولية الأساس فيها الاعتماد المتبادل، بكل ما يرتبط بهذا الاعتماد من اشتباكات وصدامات وتحالفات وسباقات على مناطق الثروة والنفوذ.
من ناحية أخرى، يتصادف بناء نسق أميركي جديد مع حالة لعلها بالفعل غير مسبوقة في التاريخ المعاصر وهي هذه الكراهية الشديدة من جانب شعوب عديدة إلى الكثير من سلوكيات أميركا ولاسيما بعـد أن أضيفت إليها سلوكيات تحالف الطبقتين المالية والسياسية في أميركا خلال السنوات الأخيرة ونتائجها الوخيمة. بمعنى آخر سيخطو الرئيس الجديد خطوته الأولى نحو الإصلاح الداخلي فوق تربة من جمر يحترق بالكراهية. وهنا يجب التنبيه إلى أن الشعب الأميركي لن يكون متمتعاً عندئذ بمزاج تصالحي أو تسامحي مع الشعوب الأخرى، أوروبية كانت أو أسيوية وعربية. سيتعين على هذا الرئيس أن يعالج أولاً المواطن الأميركي من الآثار النفسية التي تراكمت عبر سنوات الصدامات الحضارية والغطرسة الإمبراطورية وحرب أطلقوا عليها صفة العالمية مع أنها كانت وما زالت في أساسها حربا ضد فرد يعيش في كهف من كهوف الباشتون. ويتعين عليه بعدها، كما ذكرت قبل سطور، أن يلقن هذا المواطن الأميركي أصول العولمة وأساليب ممارساتها واحترام غيره من شعوب العالم والاستعداد بكل الرضا لدفع تكلفة العولمة والاعتراف بأنها طريق باتجاهين.
اقتصر نقاشنا خلال الأسابيع الأخيرة على القشور مثل إصلاح النظام المالي الأميركي أملاً في عودة الاستقرار إلى الأسواق والطمأنينة إلى رجال المال والأعمال والمدخرين والمستثمرين وأملاً في أن تهدأ أعصاب رجال الحكم المتحالفين مع أقطاب الجشع الخبيث أو الطيب في عدد من الدول. لن يكون كافياً امتناع الرئيس القادم في أميركا وأي رئيس في دولة أخرى عن اختيار وزير للمالية من قادة بيوت المال والمضاربة. ولا يكفي أن تتغير صورة أجهزة الأمن لدى المواطن المكلف بحماية الطبقة المالية ومساعدة أفرادها على تجاوز القانون وتكوين ميليشيات خاصة من المحامين والمجرمين السابقين، ولا يكفي حث «المؤتمرات الرأسمالية» التي تعقد في منتجعات أوروبا وأميركا وبعض عواصم العرب على التوقف عن «تسييس» وظائفها وأهدافها، إنما تستدعي مرحلة التحولات الكبرى القادمة التركيز على ترميم منظومة أخلاق وقيم انفرطت على أيدي جماعات منظمة وشديدة البأس أساءت إلى الرأسمالية، ووضع قواعد جديدة لنظام عالمي متعدد الأقطاب، لا أسبقية فيه أو أفضلية لدولة أو نظام اقتصادي، ولا حق لشعب فيه ادعاء الاستثنائية أو التفوق الحضاري أو قيادة مسيرة عولمة لا يؤمن بها.

جميل مطر

 
< السابق   التالى >

الغلاف

Image