|
2009، نحو تصفية القضية الفلسطينية |
|
|
|
العدد 28 -ك2 2008 -
ملف خاص: 2009: وداعا للنظام العالمي الغربي
|
|
غسان مطر
|
|
هل يكون ما يجري في غزة دليلاً إلى قراءة ما ستكون عليه منطقة الشرق الأوسط في المرحلة المقبلة؟ بمعنى آخر، هل ثمة توافق بين القوى العظمى وإسرائيل والأنظمة العربية حول «إبادة» المعارضة الفلسطينية لتمكين «الاعتدال» الفلسطيني من المضيّ في مفاوضات شكلية تفضي إلى «الدولة الفلسطينية» التي تقبل بها إسرائيل؟ مثل هذا السؤال لا ينطلق من مراقبة الواقع فحسب، بل من الإشارات الآتية من العواصم الكبرى، ومن تلك المسمّاة عواصم محورية في منطقتنا، فضلاً عن التحوّلات في الاستراتيجيات المتّصلة بحلّ النزاعات في العالم.
عنوان رئيسي الواقع المرّ فعلى أرض الواقع نرى حصاراً قاتلاً لغزّة لم يسبق أن قوبل مثله بهذا الصمت الدولي والعربي الذي يعني الرضا والقبول. وعلى أرض الواقع نرى رئيس السلطة الفلسطينية يتحوّل إلى رئيس «الدولة» الفلسطينية هكذا ومن دون تبرير أو تفسير. وعلى أرض الواقع نرى جامعة الدول العربية مغيّبةً بقرار عن كل تحرك يشي بعدم الموافقة العربية على «الإبادة». وعلى أرض الواقع نرى مصر، صاحبة الباب الوحيد في رفح على غزّة، مديرةً ظهرها لنداءات المستغيثين من الجياع والمرضى. وعلى أرض الواقع نرى الأمم المتحدة غارقة في تجاهل مدروس لما يجري. هذه الوقائع كلها تثبت بما لا يقبل الشك، أنّ مسألة غزّة هي أكبر من عقاب مؤقت، وأنّ الهدف الحقيقي منها هو إنهاء الصراع بالطريقة الأقلّ كلفة على إسرائيل والأنظمة العربية وبمباركة دولية كاملة. الخطة الكاملة وهذه الوقائع تقودنا إلى تكبير العدسة لمعرفة الخطط الجديدة المرسومة لنا في دوائر القرار، وأنماط التعامل المقبلة، ترغيباً وترهيباً. فما لم يعد سرّاً هو أن الإدارة الأميركية الجديدة. ومن خلال الشخصيات التي عُيّنت للإمساك بالملفات الخارجية والأمنية، إنما تريد أن تنطلق بزخم لإنهاء ملف الصراع الفلسطيني - الإسرائيلي كمقدمة لإنهاء أزمة الشرق الأوسط المتفرّعة من هذا الملّف، من دون حروب حقيقية تخوضها إسرائيل بالأصالة أو بالوكالة. فبعدما ثبُتَ لإسرائيل ولأميركا، أنّ الحروب، على الطريقة التقليدية، لم تعد في مصلحة الدولة العبرية، ولاسيّما بعد تجربة تموز/يوليو 2006، في لبنان، وأن استمرار الصراع ليس كذلك في صالح الدولة العبرية. بات من الطبيعي البحث عن حلول بديلة تضمن لإسرائيل وجودها وأمنها، وتجعل منها دولة طبيعية في المنطقة. ولأن أي حل يبدو مستحيلاً على مستوى المنطقة، قبل إقفال الملف الفلسطيني، ولأن إقفال الملف الفلسطيني يتطلب أول ما يتطلب إنهاء الممانعة الفلسطينية، يأتي إنهاك غزّة في السياق الطبيعي للخطة المرسومة كمحطة أولى في المشروع الأوسع. فعلى ما يحصل في غزة وما ينتج عنه تتوقف الخطوات الأخرى في الجولان وفي لبنان. فإذا قامت «الدولة» الفلسطينية التي لها رئيس جاهز وحكومة جاهزة وبرلمان جاهز حُدّد سلفاً موعد انتخابه وربّما أسماء أعضائه، وارتاحت إسرائيل وحلفاؤها من هذا العبء الكبير، وسقط جوهر الصراع التاريخي والجغرافي والإنساني، تصبح الأمور الأخرى تفاصيل قابلة للحلّ بالتفاوض بدل الحروب والأعباء والضحايا. الموت في كل الحالات هكذا يتبيّن أن الحصار على غزّة ليس «حفلة تأديب» كما جرت العادة كلما أطلقت إحدى فصائل المقاومة الفلسطينية صاروخاً على مستعمرة يهودية. إنه حلقة أولى في التصوّر الموضوع لحلّ أزمة الشرق الأوسط وفق أجندة الإدارة الأميركية الجديدة المتّفقة تماماً مع الإدارة القديمة في النظر إلى إسرائيل وأمنها ومصالحها. وهكذا سوف ينتظر الغزاويون طويلاً ولن يجدوا يداً تمتد لمساعدتهم عربية أو دولية. وفي قناعة المخططين للحصار أن الناس في غزّة لن يستطيعوا التحمل، وأنهم سينتفضون على «حماس» وأخواتها من المنظمات الجهادية، وعندها تأتي الانتخابات التشريعية التي هدّد بها محمود عباس وثيقة شرعية تعطيه تفويضاً للذهاب إلى الحل الإسرائيلي من دون ممانعة أو اعتراض. وإذا لجأ الغزاويون إلى القوة لفك الحصار، فالطائرات والدبابات الإسرائيلية جاهزة للردّ، بحجة حماية المستوطنين، وبغطاء دولي وعربي، والموت وحده هو المتربّص على أسوار غزة. ما بعد غزّة أمّا ما بعد غزّة، إذا نجح هذا السيناريو كما رسمه الأقوياء والمتواطئون، فيأتي موضوع مزارع شبعا وتلال كفرشوبا الذي سيوضع على نار حامية لسحب الذرائع من المقاومة اللبنانية، ولجعل سلاحها أمراً مشكوكاً في وظيفته الشرعية. وليست حركة الدبلوماسيين الألمان والإنكليز والفرنسيين في لبنان ودمشق معزولةً عن هذا الموضوع. فما من تصريح لأيّ من هؤلاء خلا من الإشارة إلى شبعا وضرورة التوصّل إلى حلّ سلمي لها. ولأن الحركة الأوروبية ليست من خارج الرؤية الأميركية للحلول، فإننا نتصوّر أن مثل هذه الحركة سوف تتصاعد وتنشط أكثر مع استلام الإدارة الأميركية الجديدة مقاليد الحكم في البيت الأبيض. وبغضّ النظر عن مدى استعداد الإسرائيليين لإعادة مزارع شبعا، نظراً لأهميتها العسكرية والمائية، إلا أن انطلاق عملية التفاوض حولها برعاية دولية سيخففّ من احتمالات الصدام، ولو استغرق هذا التفاوض سنوات. وهذا ما يجعل إسرائيل مطمئنة إلى أمن شمال فلسطين والمستوطنين فيها، وهو شأن حيوي بالنسبة إليها مجتمعاً وجيشاً وإدارة سياسية. وقد تترافق الحركة السياسية حول مزارع شبعا مع استعادة المفاوضات غير المباشرة بين إسرائيل وسوريا حول الجولان المحتلّ. وهكذا تدخل المنطقة كلها في مناخ من الهدوء والترقّب، قد يطول أو يقصر، تبعاً لمستجدات غير محسوبة في المنطقة وفي العالم. على أعتاب سنة جديدة، يمكننا القول إننا على أعتاب مرحلة جديدة في المنطقة العربية، عنوانها الأبرز هو «تصفية» فلسطين عبر «إبادة» قوى الممانعة فيها، ومحاولة تبريد بؤر التوّتر الأخرى تأميناً لسلامة إسرائيل من جهة، وتأبيداً للسيطرة على النفط العربي من جهة أخرى. فالمشروع الاستعماري لم يتبدل فيه حرف منذ سايكس - بيكو ووعد بلفور، والمستهدف الأول والأخير هو الشعب العربي هويّةً وثقافةً وثرواتٍ ومستقبلاً ومصيراً، ونكاد لا نرى في الأفق القريب من أنظمة القمع والاستبداد احتمال تبدّل. بلى، نحن مهتمّون بحوار الأديان والثقافات، والعالم مهتم بتدمير ما نملك من طاقات وخيرات، ولا من يرف له جفن ولا من تدمع له عين. ولكنّنا خير أمّة أُخرجَت للناس!!
إسم الكاتب : غسان مطر |