بوش وحِذَاء مُنتظِر.. طباعة ارسال لصديق
العدد 28 -ك2 2008 - الافتتاحية

الرأي الأول بوش وحِذَاء مُنتظِر..

 

حذاء الإعلامي العراقي منتظر الزيدي الذي قذف به الرئيس الأميركي بوش في بغداد، ربما يكون خاتمة مضحكة لعام محزن في العراق.
صحيح أن الأميركيين، والغربيين عموماً، لا يعتبرون (كما الشرقيون) رشق الحذاء في وجه إنسان هي الإهانة القصوى، وصحيح أيضاً أن نعت «الكلب» الذي وصف به الزيدي الرئيس الأميركي لا تعتبر هي الأخرى سبة كبيرة في الغرب، إلا أن رمزية ما حدث له دلالات كبرى.
فهو يقول للأميركيين: ما تسمونه أخطاء في العراق كان بالنسبة إلينا خطايا. وإذا ما كان صحيحاً أن غزوكم أنهى جمهورية الخوف والاستبداد والظلم الصدامي، إلا أنه أقام على رفاتها «جمهوريات» التقسيم والتفتيت والفساد وحروب العصبيات الطائفية والمذهبية التي لا تنتهي.
حذاء الزيدي كان جملة اعتراضية قوية ضد الجُمل الادعائية التي ألقاها بوش في بغداد حين قال إن حرب العراق «كانت ضرورية لأمن الولايات المتحدة وللأمل العراقي وللسلام العالمي»، أو أن ما تبعها من معاهدة أمنية «كانت تذكيراً بصداقتنا ووسيلةً لمساعدة الشعب العراقي على تحقيق بركة المجتمع الحر».

 


أجل. الشعب العراقي كان يحلم بالفعل بالحرية، ويشدو منذ نصف قرن بألحان الديمقراطية. لكن ما جناه خلال السنوات الست من الاحتلال الأميركي لم يكن هدفه الحقيقي التحرير، إلا بالطبع إذا ما كان الرئيس بوش على استعداد لإقناعنا، أن الولايات المتحدة دفعت 3 تريليون دولار وقدمت 4113 قتيلاً و30 ألف جريح من خيرة شبابها لهدف إنساني هو تحرير العراقيين.
بيد أن هذه مهمة مستحيلة. فالغزو في الواقع أسفر عن تدمير شامل، لا عن تحرير شامل.
فقد أكدت دراسة بريطانية حديثة أن نحو 2،1 مليون عراقي قضوا منذ الغزو. هذا ناهيك عن مئات آلاف الجرحى وضحايا الصدمات والأمراض النفسية، و4 ملايين مهاجر ومهجّر من أرضه أو بيته. وهذه الحصيلة توّجت حرباً أميركية أخرى على العراق بدأت العام 1991 حين أدى القصف الجوي الأميركي طيلة 42 يوماً إلى مصرع 113000 مدني عراقي، وفق إحصاءات الهلال الأحمر الأردني.
اقتصادياً، أعاد الغزو، وقبله الحصار والعقوبات التي فرضت على العراق طيلة 12 سنة، البلاد إلى العصر الحجري: لا بنى تحتية. لا مصانع. لا كهرباء (12 ساعة في اليوم). لا مياه نظيفة. لا طرقات. أما النفط، فقد انتقمت شركات النفط من العراق بعد مرور 36 سنة على تأميمه البترول، وأعادت فرض السيطرة الكاملة عليه.
سياسياً - اجتماعياً كان الدمار مريعاً. فقد نُسفت كل ركائز الدولة العراقية من جيش ووزارات وإدارات، ومزّق نسيج المجتمع العراقي إلى أشلاء مذهبية وإثنية، وتم تشجيع «التنظيف المذهبي»، وباتت الحرب الأهلية هي القانون لا الاستثناء.
العراق بعد الاحتلال لم يعد يعرف نفسه. فهويته أصبحت ملتبسة. وسكانه تقوقعوا داخل حدود مناطقهم الجغرافية وأقفاص أساطيرهم الايديولوجية. وثروتهم النفطية، التي تشّكل 90 في المئة من دخلهم القومي، تم تقاسمها بالعدل والقسطاس بين ميليشيات النهب وإدارات الفساد في الداخل، وبين مافيات شركات النفط الكبرى في الخارج.
هل يمكن أن نسمي ذلك تحريراً؟. وإذا ما كان الأمر كذلك، لماذا إذاً يصرّ الرئيس الأميركي المنتخب باراك أوباما على تسميته خطأ كبيراً تعهد العمل على تصحيحه سريعاً؟
الرئيس بوش مازال يعتبر قرار الغزو صائباً وضرورياً. وسيكون على المؤرخين الأميركيين، كما على الشعب الأميركي، الحكم على سلوكيات ومفاهيم هذا الرئيس وتصنيف موقعه الحقيقي في التاريخ.
لكن بالنسبة إلى شعوب الشرق الأوسط، قد يلخّص حادث حذاء منتظر الزيدي في أذهانهم كل حصيلة تجارب هذا الرئيس و«إنجازاته»!

 

 
التالى >

الغلاف

Image