|
لعقود عدة كانت العلوم تحت قيادة أميركا. لكن هناك الآن إشارات بان العلم الأميركي يخسر تفوقه، وربما وصل الآن إلى ذروته ليبدأ مسيرته الإنـحدارية. احد أسباب هذا التطور الخطير هو أن الأصولية الدينية والسياسية الاميركية بدأت تحكم قبضتها على أميركا وباشرت إستنزاف حيويتها الثقافية والإبداعية. وفي المقابل، أظهرت الازمة التي نشبت على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي أن الأوروبيين أدركوا المدى التدميري للأصوليات المتطرفة، وفي الوقت ذاته مدى الحاجة القصوى للإعلاء من شأن العلم.
وهكذا دلت الدراسات الاخيرة أن عدد الأوراق العلمية التي نشرها مؤلفون أوروبيون غربيون، كانت أكثر من تلك التي نشرها مؤلفون أميركيون، هذا في حين أنه في العام 1983 كان ثمة مؤلف أوروبي واحد بموازاة ثلاثة مؤلفين أميركيين . وفيما المعارك تستعر في الولايات الاميركية حول نظريتي التطور العلمية والخلق الدينية، كانت الأرقام تشير إلى تقلّص كبير في عدد الطلاب الأميركيين في دائرة البيولوجيا، بسبب هذه الفوضى الفكرية بالذات. حصيلة هذه المعارضة الأصولية الأميركية للعلم كانت تخلُّف الولايات المتحدة عن ركب التقدم الذي تحققه كوريا الجنوبية وإيطاليا وبريطانيا في مجال الإستنساخ والأبحاث حول الجينات والخلايا الأم. التاريخ يثبت أن الأصوليات تقود في كل حين إلى الجمود والكوارث. هذا ما حدث لدولة إسرائيل القديمة حين سيطر المتعصبون اليهود على الوضع، فتخلفوا بذلك عن ركب الحضارات المجاورة، الامر الذي سمح للامبراطورية الرومانية بتدمير دولتهم والتسبب بشتات يهودي دام 2000 عام. أيضا، الأصولية المسيحية في الأمبراطورية الرومانية أدت إلى 500 سنة من العصور المظلمة، والأصولية البوذية التنسكية جمدت الصين من القرن الرابع إلى التاسع، فيما انتصار الأصولية الإسلامية العام 1067 ادى إلى ألف سنة من التأخر في العالم الإسلامي. في المقابل، تاريخ أوروبا الحديثة )الثورة العلمية، التنوير، معارك التحديث في القرن 19( يمكن توصيفها بانها انتصار العقلانية والعلم على الدوغما الأصولية. اوروبا، وهي مهد العلم الحديث الذي تحدى ثم كسر سلطة الكنيسة، تعيد الآن اكتشاف اهمية التصدي للأصولية بالعلم. لكن يبدو ان اميركا لم تفهم بعد المضامين التاريخية لهذه المسألة، وهي تندفع بسرعة قصوى هذه الأيام نـحو مصير أصولي قاتم. لماذا؟ فتّش عن السياسة، ومعها الإقتصاد. فقد أدى تسارع خطى الحداثة في اواخر القرن العشرين )وأميركا هي دولة الحداثة الاولى في العالم( بفعل التطور التكنولوجي المتسارع، إلى ما يسميه فرانسيس فوكوياما »التمَزق الإجتماعي الكبير« في الولايات المتحدة. وهذا ما دفع المواطنين الاميركيين إلى البحث عن ملاذات أخرى خارج إطار الدولة، فلم يجدوه في القومية الاميركية التي تآكلت على يد الشركات متعددة الجنسيات وبسبب الخلل الديمغرافي بين البيض الأنغلوساكسونيين والملونين اللاتين، بل في احضان الكنيسة. |