»إفلاس أميركا« طباعة ارسال لصديق

باري لين باحث بارز في مؤسسة »نيو اميركان فاونداشن« ذات النفوذ في واشنطن، الأمر الذي يعطي كتابه الجديد  »صعود وسقوط الشركات العالمية« أهمية مضاعفة.
في هذا المؤلف يرى لين أن هذا الوقت قد لا يكون ملائماً البتة للشعور بالتفاؤل إزاء المستقبل العالمي. ذلك أن قلة خارج الولايات المتحدة تشك بأن نظام التجارة الحرة الأميركي، الذي بني بتؤدة غداة الحرب العالمية الثانية، يتداعى بسرعة. السبب؟  إفلاس أميركا المحتمل.
فكما أثبتت مفاوضات التجارة العالمية في الدوحة، الولايات المتحدة تفتقد ببساطة للأدوات لتحقيق تقدم في تحرير التجارة خلال الجولة المقبلة، كما كانت تفعل في الجولات السابقة منذ الستينات، عبر تقديم الوعود بالدخول المستدام إلى الأسواق الأميركية. وفي المقابل، ليس ثمة دولة مستعدة او قادرة على الحلول مكان اميركا.

 

لكن، قد لا تكون هناك لحظة أفضل من تلك المتوافرة الآن لتخيل عالم تساعد فيه التجارة المتوسعة على تعزيز مناخات أكثر عدالة وسلماً وامناً. ليس هناك أفضل من الفرصة المتوافرة حالياًً لمواجهة الثغرتين القاتلتين في مشروع العولمة الراديكالي الذي جاء ليكمل مشروع اللبرلة التجارية الأكثر حذراً لفترة ما بعد الحرب. هاتان الثغرتان هما الإعتقاد الطوباوي الاميركي بأن السوق المنفلت من أي ضوابط سيقوم بطريقة ما بعمل الحكومة، وأن صعود الشركات العالمية، خصوصا تلك التي تعمل في الإلكترونيات وتجارة الخدمات، سيملأ الفراغ الذي خلقه تراجع الدولة الأميركية عن دورها التقليدي في إدارة العلاقات التجارية العالمية.
وبالمثل، ليس هناك وقت أفضل من الآن للإدراك بأن المسألة الحقيقية ليست، كما يعتقد الأميركيون، هي التجارة الحرة في مواجهة الحمائية، بل ما إذا كان النظام التجاري العالمي سينظم من قبل الشركات الخاصة التي لا تتم مساءلتها سوى من الأغنياء والأقوياء، والتي لا تمتلك القدرة على فهم المعلومات المعقدة الضرورية لخدمة المجتمع والمواطنين.
قد يكون من الإفراط في التفاؤل نفي الأخطار الكبيرة المحدقة. فالمرة الاخيرة التي إنهار فيها نظام التجارة الحرة كانت حين تبخرت »الإمبراطورية البريطانية الخفية« بين ليلة وضحاها تقريباً في ثمانينات القرن التاسع عشر، والتي كانت إحدى نتائجها تسابق الدول الكبرى للسيطرة على الأراضي في العالم. وهكذا تقاسمت الدول الأوروبية افريقيا ثم زحفت نـحو الصين في عمليات مهدت الطريق امام الحرب العالمية الأولى.
واليوم، ثمة تسابقان قيد العمل: الأول يسعى للسيطرة على الاجزاء الرئيسة من النظام الصناعي العالمي، ويتمثل في تحرك دول مثل اليابان وكوريا الجنوبية والصين وفرنسا لإحياء مروحة من التكتيكات الميركانتيلية للسيطرة على العمليات الصناعية. والسباق الثاني هو لسيطرة أكبر على الموارد الطبيعية، ولا سيما النفط. وبرغم ان أياً من هذين السباقين لا يفرض تهديداً مباشراً على السلام، إلا انهما يفاقمان من الخطر الاكبر الذي يواجهه العالم الآن: الهشاشة الحادة للأنظمة الصناعية بالغة التخصص وعابرة الحدود.
حتى الآن أكبر عقبة امام فهم أسباب فشل عولمة ما بعد الحرب الباردة هي الايديولوجيا الطوباوية الأميركية. في معظم تاريخها، كان التفكير الواقعي هو الذي يسير الولايات المتحدة، فيما كانت البلاغة المثالية تستخدم لمجرد تغطية الأهداف الإستراتيجية الباردة. لكن بعد سقوط جدار برلين، وفي فورة الفرح الحماسي، وصلت أقسام كبيرة من النخبة الحاكمة الأميركية إلى الإيمان بهذه البلاغة نفسها. والحصيلة: إعتقاد أميركي فريد ومطلق  أشبه بالوثنية بقدرة السوق على تحقيق السلام والإزدهار العالميين.
هذه لم تكن المرة الأولى التي تتخيل فيها قوة إمبراطورية وجود رابط بين عملها كإمبراطورية وبين الخطوات الخيرة لقوة سماوية أعلى. لكن هذه المرة الأولى التي تغلق فيها قوة عالمية عينيها وهي تسير على الطريق. صحيح أن الولايات المتحدة تمارس سياسة واقعية قديمة حين تتدخل لتشكيل سياسة الطاقة، وتدير الأسواق النفطية، وتغزو الدول الغنية بالبترول، لكن الصحيح أيضاً انها تترك النظام التجاري لتتلاعب به الشركات الكبرى التي لا تتردد في تدمير البنى التحتية الإجتماعية، مثل الأجور والتعويضات، والبنى التحتية الإنتاجية.
ويرى باري لين، وعن حق، أن مخاطر هذه الإزدواجية الانحرافية في العقل الأميركي كبيرة. لكن حتى في أميركا، وهم التجارة الحرة الطوباوي لا يمكن أن يستمر، فهو لا منطقي وغير قابل للتطبيق مادياً. والواقع أننا بدأنا نلحظ من حملات السياسيين على الاجانب في أميركا بوادر إنهيار هذه اليوتوبيا.                                                                             

 

 
التالى >

الغلاف

Image