|
تركيا: ...تتحجب ولا تتعصب |
|
|
|
العدد 33 -حزيران - يونيو 2009 -
حدث غدا
|
|
لا شعب يمكن أن يقبل أن تداس حرياته إذا ما أعطي حق تقرير المصير  الاستطلاع الذي أجرته جامعة بهجشهير في اسطنبول مؤخراً كان مثيراً، وإن لم يكن مفاجئاً. فقد تبيّن فيه أن الشعب التركي لا يزال في غالبيته (62 في المئة) يعتبر الدين القيمة العليا في الحياة، بينما تحل العلمانية في مرتبة ثانية متأخرة (16 في المئة(. ولا يرغب 72 في المئة من الأتراك في جيران يحتسون الخمر، ولا يريد 66 في المئة جيراناً غير مؤمنين، لا يستسيغ 64 في المئة من الأتراك العيش إلى جانب جار يهودي، ولا يحبذ 52 في المئة فكرة العيش الى جانب مسيحي.
بيد أن هذه النزعة الدينية المحافظة لدى الترك، يوازنها ما هو أهم: رفضهم بأغلبية ساحقة (69 في المئة) للأصولية الراديكالية المتطرفة واعتبارها بمثابة تهديد محقق للوطن وللديمقراطية التركيين. لو أن مثل هذا الاستطلاع أجري في المنطقة العربية، لجاءت النتائج متشابهة على الأرجح: إيمان ديني عميق لدى الغالبية، ورفض أعمق من جانبها للتطرف الديني، وعدم الشعور بوجود تناقض بين الدين والديمقراطية. قد يقال هنا إن تعميم نتائج هذا الاستطلاع على الدول العربية ربما كان متسرّعاً. إذ إن تاريخ تجربة الزواج التركي السعيد بين الدين والديمقراطية يختلف عن باقي التواريخ. فهو لم يسقط على رأس تركيا من سماء صافية، بل تمتع بجذور تاريخية قوية بدأت من أواسط القرن 19. في ذلك الحين، برزت الحركة الدستورية العثمانية التي نجحت في فرض أول دستور في الإمبراطورية في 23 كانون الأول/ديسمبر 1876. وبعد انتخابات عامة كانت الأولى من نوعها في التاريخ الإسلامي، إلتأم شمل البرلمان في إسطنبول في آذار/مارس 1877. وفي 13 كانون الأول/ديسمبر 1877 تم انتخاب برلمان ثان، قبل أن يحلّه السلطان العام 1878. التجربة استعادت أنفاسها، وإن مؤقتاً، مع ثورة 1908 الدستورية، ثم شهدت صعوداً وهبوطاً مع الحقبة الأتاتوركية، إلى أن بدأت تتجذر منذ العام 1950 مع أول تبادل للسلطة في البلاد بين الموالاة والمعارضة. وهي في العام 2007 دخلت مع حزب العدالة والتنمية ما يمكن ان يكون انتصارها النهائي. لكن لماذا تركيا وحدها من بين 52 دولة إسلامية، نجحت في تطوير هذا الزواج السعيد؟ المؤرخ برنارد لويس، يورد الأسباب الآتية: 1 - عمر التجربة الديمقراطية التركية ناهز الآن الـ150 سنة. وعلى رغم أن تونس ومصر شهدتا تجارب دستورية منذ أواخر القرن التاسع عشر، إلا أنها كانت مجتزاة وسريعة. 2 - تركيا هي البلد الإسلامي الوحيد الذي لم يخضع للهيمنة الامبريالية الخارجية. وهذا ما جعل الأتراك يتميزون بأنهم لم يكونوا مضطرين للخلط أو للتخبط في الأولويات بين التحرر الوطني وبين الحرية الفردية. 3 - المؤسسات الديمقراطية التركية لم تفرض من قبل غزاة خارجيين، كما حدث في الدول العربية المهزومة، بل نشأت بقرار ذاتي حر ومستقل. أسباب قوية حقاً. لكن اختلاف التواريخ التركية والعربية لا يستوجب بالضرورة ازدهار الديمقراطية هناك والديكتاتوريات هنا بوصفها خيارات شعبية. فلا شعب يمكن أن يقبل أن تداس حرياته بالأقدام إذا ما أعطي حق تقرير المصير. أجل. قد تتباين الطرق المؤدية إلى الديمقراطية، سلماً (كبريطانيا) أو عبر الثورات (كما في فرنسا وأميركا)، لكن كل الطرق تقود في خاتمة المطاف إلى طاحونة واحدة. الاستطلاع التركي جدير بالدراسة والتمحيص، خاصة في جانبه المتعلق بالدور الكبير الذي تلعبه الديمقراطية في وقف تمدد النزعات المتطرفة إلى قلب المجتمع المدني. وهو برسم بعض الحكومات العربية التي تعاني من أمراض مثل هذه النزعات. www.eutcc.org/articles/1/17/document338.ehtml
|